بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 113

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وثلاثين وست مئة.

إبراهيم بن قروينة
بالقاف والراء والواو والياء آخر الحروف، وبعدها نون وهاء. القاضي الكبير، مكين الدين.
أول ما عرفت من حاله أنه كان مستوفي الصحبة مع الجمالي، وكان عنده مكيناً إلى الغاية، لا ينفرد بأمر دونه، وأظنه توجه معه لكشف البلاد الحلبية، ثم إن السلطان ولاه نظر الجيش بالديار المصرية لما أمسك القاضي شمس الدين موسى بن التاج إسحاق، وتوجه معه إلى الحجاز، ولم يزل في نظر الجيش إلى أن تولى نظر الخاص القاضي جمال الدين الكفاة فجمع له له بين نظر الجيش ونظر الخاص وبقي القاضي مكين الدين بطالاً فيما أظن إلى أن حضر إلى دمشق ناظر النظار في زمن الأمير سيف الدين طقز تمر، فأقام بها يسيراً، ولم تطب له وحضر عوضه القاضي بهاء الدين بن سكرة، وتوجه مكين الدين إلى مصر عائداً في أوائل


صفحه 114

شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وأقام بمصر إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وكان خيراً لا شر فيه. كثير الاحتمال، وهو من رؤساء الكتاب.

إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمود
الشيخ جلال الدين بن القلانسي.
ورد الديار المصرية، فقال له العلامة شيخنا أبو الثناء محمود، والشيخ تقي الدين بن تمام: أقعد أنت في هذه الزاوية، ونحن نذكرك للناس، فاتخذ زاوية على بركة الفيل في حكر الخازن مجاورةً لدار الأمير بدر الدين جنكلي.
وكان قد نشأ في صناعة الكتابة أولاً، ثم إنه ترك ذلك، وتزهد بدمشق مدة قبل غازان بقليل، ولما انجفل الناس توجه إلى مصر، وقامت له في الصلاح سوق، وحملت إليه الصلات في وسوق، وتردد إليه الناس، وزاد اشتهاره حتى خرج عن الحد، وتعدى القياس، واعتقد فيه أمراء الدولة، وأمسك هو ناموس الصول والصولة، ومال إليه جماعة خواص السلطان وأحبوه محبة من أدرك الأوطار في الأوطان، وكلن في أثناء ذلك البخت، ومدة ذلك الدست والرخت، رمي عند


صفحه 115

الملك الناصر بحجر خدش منه غرضاً، وجعل سماءه أرضاً، فأخرجه إلى القدس خروجاً جميلاً، ووجد لفراق ما ألفه في مصر عذاباً وبيلاً، ولم يتغير لمماليك السلطان فيه عقيدة، وجزموا بأن ذلك من أعاديه مكيدة، وكانوا يمدونه بالذهب، ويلزمونه أخذ ذلك وقبوله بالرغب والرهب، وكانت نفسه كريمة، وهمته عند الثريا مقيمة، ولم يزل على تلك الحال إلى أن خلا في القبر بعمله، وانقطعت من الحياة مواد أمله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وكان قد قدم إلى دمشق في شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة من القدس، ونزل بمغارة العزيز بالجبل، وقصده الناس بالزيارة من الأمراء والقضاة والعلماء والصدور، وحدث بجزء ابن عرفة، ثم عاد إلى القدس، وتوفي ثالث القعدة من السنة المذكورة.
ومن شعره، من قصيدة:
قد كنتُ تبتُ عن الهوى ... لكن حُبك لم يدعني
ولما مات الشيخ جلال الدين رحمه الله تعالى، رثاه شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود رحمه الله تعالى بقصيدة أولها:
أيا مقلتي جُودي بدمعك لي جودي ... فما مثلُ من قدر بان عنك بموجودِ
وإن غاض ماء الدمع فابكِ دماً فما ... يعد البكا إلا لأكرمِ مفقودِ


صفحه 116

فما أنتِ إن قصرتِ مني ولا أنا ... إذا لم تسل روحي دموعاً بمحمودِ
بروحي أحبابٌ مضوا وجلالهم ... يلوحُ لعيني منه أكملُ مشهودِ
تولوا وما عوضتُ من قربهم سوى ... تذكر عيشٍ مر لي غير مردودِ
هم وردوا قبلي من الموت منهلاً ... وها أنا صادِ وهو أقربُ مورودِ
أعددهم حزناً وأبكي معدداً ... عليهم فحالي بين عد وتعديد
أولئك إخواني الذين فقدتهم ... كما يفقد الظامي المناهلَ في البيدِ
كأن رداهم واحداً بعد واحدٍ ... على نسق الأحزان أسماءُ توكيد
أقول لأيام تقضت وشملنا ... كعقدٍ على جيد المسرة معقودِ
أأيامنا عودي بهم وضلالةٌ ... معالي لصم غير سامعةٍ عودي
ولكنها زورٌ المنى وخداعها ... تخيل أمراً في الورى غير معهود
كفى حزناً أن الأسى مبعث الأسى ... فآتيه في ماضيه علهُ تجديد
أسميهم حُزنا ليعلم أنه ... رثاءٌ أتى موجع القلب معمود
فيا أدمعي سحي ويا صبري انتقص ... ويالوعتي دومي ويا حرمتي زيدي
تولى ابن تمامٍ أخي ومصاحبي ... وأكرمُ محبوب إلي ومودود
وقد كان أحلى في فؤادي من المنى ... وأشهى لعيني من كرى بعد تسهيد
وقد كان لي في مصر أنسٌ مواصل ... فولى وقد وافى نعي ابن عبودِ
كريمٌ نمته دوحة الدين والتقى ... فطابَ وسر الأصل يظهر في العودِ
وأنكار ما راعَ الفوادَ رزيّةٌ ... أتت عن جلال الدين أكرمِ ملحود
تقي نقي طالما طرق الدجا ... بكف قنوتٍ كف من هدبه السودِ
ومن كان يحيى الليل لا مد دمعه ... براق وليس الجنب منه بممدود
ويشرق بالأسرار أهل قلبه ... فيصبح بالعرفان موطن توحيد
وأكرمٌ من غيثٍ وليه ... وأرأفُ من أم بأضعفِ مولود


صفحه 117

عزوف عن الأسباب جذ حبالها ... فجذت بسيف من تقى غير مغمود
تخلى عن الدنيا وفارق أنسها ... وما طرفه يوماً إليها بمردود
ومثرٍ من التقوى فقير بدانة ... إلى الله مجذوب بأكمل تجريد
أخي وحبيبي مؤنسي ومصاحبي ... ومن كان عندي يومُ رؤيته عيدي
ومن كنت أتيه فيفرجُ أنسه ... إسارَ فؤادٍ في يد الحظ مصفودِ
بكيت وما يُجدي البكاءُ وخطبُه ... أشد ولكن ذاك غايةُ مجهودي
وذاك لأجلي لا له إذ مدامعي ... شفاءٌ لما في أضلعي من جوى مودي
وإلا فما أغنى عن الدمع إذ سرى ... عن المنزل الغاني إلى دار تخليد
وإني لأرجو اللطف بي في لحاقة ... فلم يبق إلا أن أنادي كما نودي
أمن بعد قربي من ثمانين حجةً ... يخادعني إخلاء نفسي وتفنيدي
وقد سار قبلي من تقدمتُ عصره ... ونمتُ كأني بالردى غيرُ مقصود
سقى جَدثاً قد حله صوبُ رحمةٍ ... يسح بتكريرٍ عليه وترديد
ولو لم أسل القلبَ عنه برؤيتي ... أخاه لأودى بي بكائي وتسهيدي
ولكن لي في أنسه بعد وحشةٍ، ... لها حرقٌ في مهجتي أي تبريد
وقد كانت الأيام تبسط لي المنى ... بصحبته قدماً فأنجزت موعودي
ولي في ابنه ظن جميل وإنه ... سيخلفه في الزهد والنسك والجود
فأحسن رب الناس فيه عزاءهُ ... وأجره فالأجرُ أفضلُ موجود
وجاد ثرى ذا نوء عفوٍ ورحمة ... وزان ذرى ذا نوءُ عز وتأييد

إبراهيم بن محمد بن سعيد
الصدر جمال الدين الطيبي السفار، رئيس العراق، والمعروف بابن السواملي


صفحه 118

كان في أول أمره له مالٌ يسير، وسافر وأبعد في الصين، وفتح الله عليه، فاكتسب أموالاً جمةً، وبلغ الغاية، وتعدى في المال مدى النهاية، واستقبلَ من حاكم العراق بلاداً كباراً، وأماكن لا تلحق الريح لها غباراً.
وكان يؤدي المقرر، ويخصه باللؤلؤ المدور مع رفقة بالرعية، وتخفيف الوطأة عنهم في كل بلية، حتى أحبه الناس طراً، وصار غالبُ أهل تلك البلاد بإحسانه، عبداً، وإن كان حراً وصار بنوه ملوكاً مطاعين، ومطاعيم في النادي وفي الهيجا مطاعين.
ولي ابنه سراج الدين عمر نيابة الملك بالمعبر، وابنه محمد مالك شيراز، وابنه عز الدين كافل جميع الممالك التي لفارس.
وكان جمال الدين المذكور يعتقد في أهل الصلاح والخير، ويمدهم بالمؤونة والمير، يبعث في كل عام إلى الشيخ عز الدين الفاروثي ألف مثقال، ثم إن التتار مالوا عليه بالأخذ لماله حتى ضعضعُوه، وأكلوه بعدما احتلبوه وارتضعوه. وقلت أمواله، فانتقل إلى واسط لما دبرت الطيب، ولم يكن العيش يصفو بها ولا يطيب.
قال ابن منتاب: قال لي السواملي: ما بقي لي سوى هذا الحب، وفيه ثمانون


صفحه 119

ألف دينار، وبعث به إلى الصين، فكسب الدرهم تسعة، ولم يزل إلى أن نزل الضريح، وعلم أنه ما يوجد عليها مستريح.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وسبع مئة في ثاني عشري جمادى الأولى بشيراز.
والسواميل: هي الطاسات عند أهل السواد بواسط.

إبراهيم بن محمد
بن قلاوون
هو الأمير جمال الدين، ابن السلطان الملك الناصر، محمد بن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي.
زوجهُ والده بابنة الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا.
كان أكبر من أخيه الملك المنصور سيف الدين أبي بكر كان والدهما قد جهزهما إلى الكرك، لّما كان أخوهما أحمد في الكرك، فأقاما هناك مدة إلى أن ترعرعا، وأقدمهما القاهرة، فأمر كلاً منهما طبلخانة، ولم يلقب أحداً منهما بملك ولا غيره، بل كان الأمراء ومن دونهم يقولون: سيدي إبراهيم، سيدي أبو بكر.


صفحه 120

وكان إبراهيم هذا قد انتشا، وقارب أن يكون ليثاً بعد أن كان رشاً، طر شاربه، وبقل عارضه، وكاد يفترس من يدانيه أو يعارضه، لكنه جدر، وجاءه الأجل الذي قدر، فما رآه والده في ضعفه الذي اعتراه، ولا مكن أحداً من إخوانه أن يراه. ولما تكامل جدريه نجوماً، وصار ذلك لشياطين ناظريه رجوماً، قصف غصنه، وخسف حصنه، فأمر السلطان القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص بأن يدفنه عند عمه الأشرف خليل، وألا يعلم ذلك حقير ولا جليل، وذلك سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن محمد
الإمام الفاضل برهان الدين السفاقسي المالكي كان هو وأخوه شمس الدين محمد من كبار المالكية، كان هذا برهانُ الدين قائماً بالعربية، شائماً بروق غوامضها اللامعة بما عنده من الألمعية. أعرب القرآن العظيم في أربعة أسفار كبار، أعاد بها لهذا الفن ما كان قد خمُل وبار، تكلم فيها على كل غامض، وحسده عليها غيره ممن لم يصل إلى ذلك وقال: عنقودها حامض، وشرح كتاب ابن الحاجب في الفروع، وأتى فيه بفوائد من حسنها تروق، ومن جزالتها تروع، إلا أنه لم يكمله، فنقص يسيراً، وجعل طرف التطلع لتمامه حسيراً.