أبي الدينة، وبان الساغوجي، وابن بلدجي، ويوسف بن محمد بن سرور الوكيل.
وكانت له صورة إلى تلك البلاد الكبيرة، ومنازلهُ في صدور التتار أثيرة، تتضاءل النجوم لعلو قدره، وتنكشف الشموسُ الضاحية لطلوع بدره، لا يصل أحد إلى لمس كمه، ولا يطمع القان الأعظم في اعتناقه وضمه. ومما يؤيد هذه الدعوة، ويحقق هذه الرجوى أن القان غازان أسلم يده، وبترك بملاقاة جسده.
وأخبرني الشيخ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى، قال: أنبأني الظهير ابن الكازروني، قال في سنة إحدى وسبعين وست مئة: اتصلت ابنة علاء الدين صاحب الديوان بالشيخ صدر الدين أبي المجامع، إبراهيم بن الجويني، وكان الصداق خمسة آلاف دينار ذهباً أحمر.
وللشيخ صدرُ الدين مجاميعُ وتواليفُ، وله إجازة من نجم الدين عبد الغفار صاحب الحاوي.
ولم يزل في تيار عظمته الطافح، وسيل وجاهته السافح، إلى أن سكن في الرّمس، وذهب كأمس.
وتوفي رحمه الله تعالى خامس سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنةُ بضعٍ وأربعين وست مئة.
إبراهيم
بن محمد بن أحمد
بن محمد بن أحمد
الشيخ برهان الدين، أبو إسحاق الواني.
بواو بعدا ألف ونون، رئيس المؤذنين بجامع بني أمية.
سمع من إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطي، وأيوب بن أبي بكر بن الفقاعي، وابن عبد الدائم.
كان شيخاً حسن الشيبة، ظاهر الوقار، والهيبة، مطاعاً في قومه، مراعى في التقديم عليهم في ليله ويومه. أضر قبل موته بسنوات، وفقد لفقد نظره من المرئيات الشهوات، وكان يطلع المئذنة ويؤذن بعد الجماعة وحده، ويؤدي الأذان بصوتٍ لا تذكر نغمةُ الأوتار عنده، والناس يقولون: هو يودع الأذان، ويودع الدر صدف الأذان.
ولم يزل على هذه الحال إلى أن رأى الواني من الموت ألوناً، وجاءه بعدما توانى.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الخميس سادس صفر سنة خمس وثلاثين وسبع مئة،
وصلي عليه ظهر الخميس بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة باب الصغير، وأجاز لي سنة ثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن محمد
بن أبي بكر الخزرجي
البناني الدمشقي
الشيخ الصالح العالم برهان الدين.
روى الحديث عن ابن عبد الدايم، وسمع من ابن النشبي، وابن أبي اليسر وجماعة، وكان من طلبة الشيخ يحيى المنبجي المقرئ.
انتقل إلى القدس، وكان إمام قبة الصخرة بالمسجد الأقصى. وتقدم له اشتغال كثير في الفقه. وكان يبحث ويناظر الفقهاء، ثم إنه تزهد، وصحب ابن هود مدة، وسافر معه إلى اليمن، وحج وعاد وأقام بدمشق مدة، ثم إنه عاد إلى القدس، وأقام به سنين إلى أن مات، رحمه الله تعالى، في يوم الأحد خامس شعبان سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
إبراهيم بن محمد
الفقيه الفاضل برهان الدين المصري كان شاباً، لم يكمل الثلاثين. توفي في نصف شهر رمضان سنة خمس عشرة وسبع مئة، ودفن بمقابر الباب الصغير.
وذكر أنه حفظ الوسيط، وعرض منه نحو النصف، وحفظ أربعين الإمام فخر الدين الرازي.
أقام بالمدرسة الظاهرية مدة، وكان يلازم النسخ والاستنساخ.
إبراهيم بن محمد بن عيسى الأمير شمس الدين بن الأمير الكبير بدر الدين بن التركماني.
سمع الحديث، وحج وتوفي بالقاهرة بداره جوا باب البحر في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وكان فيه مروءة ومكارم أخلاق، وصلي عليه بجامع دمشق صلاة الغائب.
إبراهيم بن محمد بن يوسف
القاضي جمال الدين الحسباني يضم الحاء المهملة، وسكون السين المهملة، وباء ثانية الحروف، وألف ونون.
نائب الحكم العزيز بدمشق لقاضي القضاة تقي الدين السبكي.
لما توفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وخمسين وسبع مئة عن نيف وثمانين سنة، صلى نائبُ الشام الأمير علاء الدين المارداني عليه.
كان شديداً في أحكامه، سديداً في نقضه وإبرامه، ولا يراعي ولا يداهن مخلوقاً، ولا يعرف من كان مرموقاً بالأبصار أو موموقاً، قد تلبس بالصلابة، وتأنس بالتصميم دون اللين، فلا يجيب من دعا به إلى دعابة، وكان قاضي القضاة يعتمد في الأحكام المعضلة على حكمه المسدد، وتحقق أنه تفرد في عصره بهذا الخلق، وتفرد، إلى أن جاء الحسباني، ما لم يكن في حسابه، وانفرد بعمله تحت الأرض وخلا به ولم يخلف مثله، ولا من استظل بأنه وأثله، رحمه الله تعالى.
إبراهيم بن محمد بن ناهض
الشيخ الإمام الأديب تقي الدين أبو إسحاق المعروف بابن الضرير - تصغير ضرير - الحلبي.
كان إمام الفردوس بحلب، ومعه أيضاً وظيفة في البيمارستان الذي أنشأه الأمير سيف الدين أرغون الكاملي بحلب. وهذا تقي الدين كان أديبَ حلب، وأحد من امترى أخلاف الأدب وحلب. وأهدى إلى بني الزمان نفائس القريض وجلب، وسلب الذهن بعبارته الفصحى وخلب. وجد في جمع الدواوين وكتبها، وذهبها بخطه وهذبها. كتب ما لا يحصى، ونقب عن مصنفات أهل عصره واستقصى.
ولم يزل يكتب ويجمع، ويسمو بهمته إلى تحصيل ما يسمع، إلى أن فتح الموت لابن الضرير عينيه، وخر صريعاً لليد والفم بين يديه.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وسبع مئة. ومولده أول سنة 695هـ.
كان هذا تقي الدين أديب حلب، ومأوى من يرد إليها من الشعراء والأدباء الغرباء.
كبت بخطه شيئاً كثيراً من كتب الأدب ومصنفات أهل عصره، وكان له ذوق في الأدب، ويحفظ شعراً كثيراً للمقدمين والمتأخرين. ولم أسمع له نظماً.
ولما وردتُ إلى حلب في سنة ست وخمسين وسبع مئة كتب بخطه من تصانيف توشيع التوشيح، وكتاب نصرة الثائر على المثل السائر، وغير ذلك، وسمع كتابي الروض الباسم وغيره. وعلى الجملة كان فريد زمانه في بابه.
ورثاه علي بن الحسين الموصلي بقوله:
يا ابن الضرير كم عينٍ أضر بها ... مرآك فوق سرير الموت محمولا
قضيتَ عمرك في الفردوس مشتغلاً ... ومذ قضيت إليه كنت منقولا
إبراهيم بن محمود بن سلمان
بن فهد الحلبي
القاضي الرئيس الكاتب البليغ جمال الدين أبو إسحاق كاتب السر الشريف بحلب، أحد من كتب المنسوب الفائق، وأبرزه وهو أتقى من الأحداق، وأنقُ من الحدائق، كأنه طروسه خمائل، وسطوره أعطافُ غيد موائل، لا يشبع الناظر من تأملها، ولا تشكو القلوب من تحملها وتجملها، وإلى أخلاقٍ يتعلم
منها نسيم الصبا، وتثني عليها النفحاتُ من زهر الربا، ومفاكهةٍ ألذ من مسامرةً الحبيبِ، وأشهى من التشفي بأذى الحسود والرقيب.
وكان يستحضر كثيراً من شعر المتأخرين، وتراجم أهل الآداب والصلاح من المعاصرين، وله نظم يروق ونثر يفوق.
ولم يزل يتولى ويعزل من كتابة السر، ويفعل ما تصل إليه مقدرته من البر، إلى أن حل به الحين، واتخذ له من باطن الأرض أين.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم عرفة سنة ستين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبعين وست مئة في شعبان.
وكان قد توجه مع والده إلى الديار المصرية، وباشر هناك كتابة الإنشاء، وسمع من الأبرقوهي وغيره في ذلك العصر، وكان القاضي علاء الدين بن الأثير يألف به ويأنس ويركن إليه، ولما عزل القاضي عمادُ الدين بن القيسراني من كتابة سر حلب: جهز القاضي جمال الدين إليها، فأقام بحلبَ قريباً من ست عشرة سنة، وعزله الملك الناصر محمد بن قلاوون بتاج الدين ابن زين.
حضر في واقعة لؤلؤ مع الحلبيين سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وطلب إلى القاهرة، ورسم عليه في دار الوزارة مُدة مديدة، ثم أفرج عنه.
ولما توجه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى إلى مصر في بعض سفراته، طلبه من السلطان، فرتب في جملة كتاب الإنشاء بدمشق، وصاحب الديوان إذ ذاك ابن أخيه القاضي شرف الدين أبو بكر، فأقام بها إلى أن عزل ابن أخيه، وعزل هو بعزله، فأقام في بيته بطالاً إلى أن طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، فتوجه إليها، فأقام هناك بطالاً في سنة ثمان وثلاثين وما بعدها إلى أن توفي صلاح الدين يوسف بن عبيد الله فرتب عوضه في كتاب الإنشاء بمصر، وسلم إليه القاضي علاء الدين بن فضل الله ديوان الإنشاء بمصر، فكان ينوبه في ذلك، ثم إنه رتب في توقيع الدستِ قُدام السلطان، وقدام النائب.
ولما تلوى القاضي ناصر الدين بن يعقوب كتابة السر بدمشق في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، رسم للقاضي جمال الدين بعوده إلى كتابة سر حلب، فتوجه إليها مرة ثانية، ولم يزل بها إلى أن عزل بالقاضي زين الدين عمر بن أبي السفاح في جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ورتبَ له ما يكفيه، ثم عزل ابن السفاح بالقاضي شهاب الدين الشريف، فأقام قليلاً، وعزل في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأعيد القاضي جمال الدين إلى كتابة سر حلب ثالث مرة، ولم يزل بها وابنه القاضي كمال الدين محمد يسد الوظيفة إلى أن عزل القاضي بدر الدين محمد ناظرُ الجيش بحلب، وهو ابن القاضي جمال الدين. وطلب هو ابنه وابن أخيه إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وسبع مئة، فرسم بعزله عن كتابة السر، ورتب له في كل شهر مبلغ خمس مئة درهم، ورسم لي أنا بالتوجه إلى كتابة سر حلب مكانه، وأقام هو في بيته على راتبه إلى أن توفي رحمه الله تعالى فكتبت أنا إلى ولده القاضي