فوق غرضه، فاتفق نضج الألم الناتئ في حلقه، ولم يجسر أحدّ يمدّ يده غليه لشراسة خُلقه، فمدّ علم الدين يده إلى فيه، وأدخلها، وقرص الورم، فانفجر لوقته، وخرجت المواد التي حار اللبيب في وصف ألمها ونعته، فعوفي السلطان من ألمه المبرح، ووهبه الأمراء شيئاً يطول في ذكره الشرح، فما سمحت نفس السلطان له بمجموع ما وهب، وخصه ببعض ذاك الذي حصل ونهب، وشال الباقي إلى الخزانة، وقال: خروج هذا خفة وعدم رزانة.
ولم يزل علم الدين على حالته إلى أن نزلت به مصيبة ما لها علاج ولا رقى، ونزل حفرة لا يجد له منها مرتقى.
وقيل: إن تركته بلغت ثلاث مئة ألف دينار، وهذا أمر تجاوز الحد والمقدار.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة.
إبراهيم بن لاجين بن عبد الله
الشيخ الإمام العالم الفاضل البليغ برهان الدين الأغري، بفتح الغين المعجمة، الرشيدي الشافعي، خطيب الجامع الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر بك بحكر جوهر النوبي بالقاهرة.
أخذ القراءات عن الشيخ تقي الدين - الصائغ، والفقه عن الشيخ علم الدين
العراقي، والأصول عن الشيخ تاج الدين الباربناري، والفرائض عن الشيخ شمس الدين الرواندي، والنحو عن الشيخ بهاء الدين بن النحاس، العلم العراقي، وأثير الدين أبي حيان، والمنطق عن سيف الدين البغدادي. وحفظ الحاوي والجزولية والشاطبية، وأقرأ الناس في أصول ابن الحاجب وتصريفه وفي التسهيل. وكان يعرف الطب والحساب وغير ذلك.
ولخطبته في النفوس تأثير، وللدموع لها على الخدود جري وتعثير، ترق له القلوب القاسية، وتتذكر النفوس الناسية. وعلى قراءته في المحراب مهابة وفصاحة، ولها إلى الجوانح جنوح وفي الجوارح جراحة. لم أرَ في عمري مثل اتضاعه على علو قدره، ولا رأيت ولا غيري مثل سلامة صدره. مطرح التكلف، راضٍ بالقعود عن الدنيا والتخلف، يحمل حاجته بنفسه، ولا يحتفل بمأكله ولبسه.
تخرج به جماعة وانتفعوا، ورد بمواعظة أهل الجرائم عن طريقهم واندفعوا.
وعرض عليه سنة خمس وأربعين وسبع مئة قضاءُ المدينة الشريفة وخطابتها فامتنع، وانخزل عن قبول ذلك وانجمع.
وله نظم إلا أنه ما أظهره، ولا كلف خاطره أن يؤلف جوهره، إما عدم رضى بما يأتيه منه، أو تورعاً عن قبوله ونفوراً عنه.
ولم يزل على حاله في أشغاله الطلبة، والإمامة والعمل على ما فيه خلاصه يوم القيامة، إلى أن سار إلى الآخرة، وصار بالساهره.
وكانت وفاته بالقاهرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وقلت أرثيه:
ملتُ بعدَ البرهان للتقليد ... في انسكاب الدموع فوق الخدود
ما أنا واثقاً بتسفاح دمعي ... خان صبري الأمينُ بعد الرشيد
كيف لا تسفح الدموعُ على من ... كان للطالبين خير مفيد
قال لما احتواه طاعونُ مصر ... كم قتيل كما قتلتُ شهيدِ
فهو في قبره مع الحُور يلهو ... ببياض الطلى وورد الخدود
ما تملت جفونهُ ببدور ... قبلها في براقع وعقود
يا عذولي على تعذر صبري ... في مُصاب عدمتُه في الوجود
كان إن قام في الأنام خطيباً ... علم الناس كيف نثر الفريد
ثم أجرى الدموع خوفاً ولو ... أن قلوب العُصاةِ من جلمود
بكلام مثل السهام مصيبا ... تٍ تشقّ القلوبَ قبل الجلود
حزنَ مستعمل الكلام اختياراً ... وتجنبن ظلمة التعقيد
ما على زهده وفضل تقاه ... علومس قد حازها من مزيد
أيها الذاهبُ الذي نحن فيه ... في لظى وهو في جنان الخلود
لا ترع في المعاد حيث وجوه ... الناس فيه ما بين بيض وسود
لك في موقف القيامة وجهّ ... يخجل البدر في ليالي السعود
وثناءً كأنما ضُربَ العن ... بر فيه بماء وردٍ وعود
قنتعت أنفسُ البرية إذ غبت بع ... يش مُعجل التنكيد
فسقى الله تربة أنت فيها ... كل يوم مضي سحائب جُود
إبراهيم بن يونس
ابن موسى بن يونس بن علي الغانمي البعلبكي.
رحل وسمع وعلق وكان جيد القراءة فصيحاً، حسن الود صحيحاً.
سمع بالبلاد أشياخ عصره، وعلق الفوائد وغيرها من أهل مصره، وارتحل إلى الحجاز، وسمع هناك وفاز، وجاور بمكة، وكتب بها من الفوائد شكه.
ولم يزل على حاله إلى أن حل به غريم أجله، وقابل مهله بعجله.
توفي، رحمه الله تعالى، في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. نقلت من خطه له:
قال لي العاذلُ يوماً: ... أنت بدري حنيني
قلت: لا، قال: فمصري، ... قلت: لا، إني حُسيني
إبراهيم بن يحيى
ابن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الشيخ الفقيه الإمام المحدث عمادُ الدين أبو إسحاق البصروي، ثم الدمشقي الحنفي.
قرأ القرآن وسمع الحديث في سنة ثلاث وسبعين وست مئة وبعدها. وقرأ على الشيوخ كثيراً من الكتب والأجزاء، وكان مشهوراً بحسن القراءة.
ومن شيوخه: ابن عبد الدايم، وابن أبي اليُسر، وأيوب الحمامي، ومظفر بن الحنبلي، وابن النشبي، ابن عبد.
قال شيخنا علم الدين: وجمعت له مشيخة عن نحو ثمانين شيخاً.
ثم إنه بعد ملازمته الطلبة والاشتغال بالعلم، ودخل في الجهات الديوانية، وخدم بديوان الحشر، ومهر في ذلك، وحصل أموالاً، ثم إنه رأى رؤيا أوجبت له التوبة والإقلاع، فحج وترك الديوان، ولازم المسجد والتلاوة، وبقي على ذلك نحو عشرين سنة، وحصل له صمم، وقوي به، فكان لا يسمح إلا بمشقة، وكان يحدث من لفظه.
ومما قرأه صحيحُ مسلم والترغيب والترهيب على ابن عبد الدايم وغير ذلك.
ومما انفرد به أنه قرأ الكافية الشافية على ابن مالك.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب سنة خمس وأربعين وست مئة.
إبراهيم بن يوسف
القاضي الرئيس المؤتمن أمين الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية.
كان متصفاً بالأمانة المفرطة، ملتحفاً بالعفة التي من لم يطلع على أمره يعتقد أنها مغلطة.
حاول السلطان الملك الناصر محمد أن يأخذه من أستاذه مرات، وتحيل عليه بأنواع من وعود الإحسان والمبرات، فما وافق مخدومه، ولا هو على ذاك، وتحيد جهده، وتحيل، ولم يقع في تلك الأشراك.
وكان كاتباً خبيراً، عارفاً بأمور الديوان بصيراً، وعنده مشاركة في علوم، وممارسة لما يتصف به أهل العلوم والفهوم، وفيه سكون مفرط وعدم رهج، وانجماع سلك به في الدهر فرد نهج، وله عبارة إذا ترسل، ومقاصدُ بليغة بها يتوصل إلى مراده ويتوسل، ما خدم عند أحد إلا وسلم إليه قياده، ورأى أن بيده صلاحه وفساده.
ولي نظر الجيوش بالديار المصرية في أيام الملك الصالح إسماعيل، فباشره بقعدد وسكون، وتقرر في ذهن أولياء الأمر أنه مهما رآه هو الذي يكون. وكان محظوظاً في خدمه، والسلام والأمانة، نعم العونُ لأرباب السيوف والأقلام.
ولم يزل إلى أن بلغ نهاية أمده، وتفرد في قبر بمعتقده.
وتوفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
وكان في أول أمره يكتب عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب بدمشق، ولما توجه إلى مصر أخذه معه، وهناك أسلم، وكان أولاً سامرياً، وكان يميل إلى عقله، ويعتمد إلى تصريفه، ولما أمسك الحاجب أخذه الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار الناصري، فمال إليه، واعتمد عليه، ولما مات أرسلان أخذه الأمير سيف الدين طشتمر حمصّ أخضر عنده، فدخل إليه وعلى الأمير جملة من الديوان فما كان عن قليل حتى وفى ديونه وجعل في خزانته جملة من الحاصل، فأحبه وزاد في تعظيمه وإكرامه، ولما عاد الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى الديار المصرية بعد نيابة وإكرامه، ولما عاد الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى الديار المصرية بعد نيابة صفد أراد عوده إليه، فتعذر ذلك، ودخل طشتمر إلى السلطان، وسأله في إبقاءه عنده، فرسم له بذلك، ولكن بقي أمين الدين. يتردد إلى باب الحاجب كل قليل، وما جسر على مقاطعته، وأراد السلطان الملك الناصر مراتٍ أن يأخذه ويستخدمه في نظر الدولة أو غير ذلك من الوظائف، فيدخل طشتمر على الخاصكية المقربين في ذلك، فيسألون له السلطان في ذلك، وكان طشتمر ما يفارقه، ولما أخرج لنيابة صفد
أخذه معه. ولما توجه إلى حلب أخذه معه. ولما دخل البلاد الرومية أخذه معه إلى الروم. ولما عاد منها عاد معه إلى مصر، ولما مات طشتمر رحمه الله طلبه الأمير سيف الدين قماري أخو بكتمر الساقي، وكان في الأيام الصالحية أستاذ الدار فأقبل عليه إقبالاً زائداً، وعظمه، ولما مات
جمال الكفاة
، ولاه الصالح إسماعيل نظر الجيش، فأقام فيه إلى آخر أيام الصالح. ثم إنه حضر إلى القدس وأقام به، وأوقف عليه قرية تعمل في السنة بمبلغ، وحضر في أثناء ذلك إلى دمشق، ثم توجه إلى القدس. وأقام به، ولما أفرج عن الأمير سيف الدين شيخو، وأعيد إلى مكانه، طلبه إلى مصر، وجعله ناظر ديوانه، وكان عنده في الذروة من الوجاهة، واستمر عنده إلى أن مات رحمه الله في التاريخ، والله أعلم بسريرته، فإنّ الناس كانوا يتهمونه في دينه.
وكتبت إليه وأنا بالقاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة أتقاضاه نجاز منشور بإقطاع لابن أختي:
عجب الناس إذ جعلتُك قصدي ... دُون قومٍ ما فضلهم بمبين
قلت رأي الرشيد للخير هادٍ ... إذ غدا واثقاً بخير أمين
إبراهيم القاضي جمال الدين
جمال الكفاة
ناظر الدولة والجيوش والخاص، وهو ابن خالة القاضي شرف الدين النشو، والنشو هو الذي استسلمه واستخدمه مستوفياً في الدولة، ثم إنه استخدمه عند الأمير