بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 140

ومما قرأه صحيحُ مسلم والترغيب والترهيب على ابن عبد الدايم وغير ذلك.
ومما انفرد به أنه قرأ الكافية الشافية على ابن مالك.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب سنة خمس وأربعين وست مئة.

إبراهيم بن يوسف
القاضي الرئيس المؤتمن أمين الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية.
كان متصفاً بالأمانة المفرطة، ملتحفاً بالعفة التي من لم يطلع على أمره يعتقد أنها مغلطة.
حاول السلطان الملك الناصر محمد أن يأخذه من أستاذه مرات، وتحيل عليه بأنواع من وعود الإحسان والمبرات، فما وافق مخدومه، ولا هو على ذاك، وتحيد جهده، وتحيل، ولم يقع في تلك الأشراك.
وكان كاتباً خبيراً، عارفاً بأمور الديوان بصيراً، وعنده مشاركة في علوم، وممارسة لما يتصف به أهل العلوم والفهوم، وفيه سكون مفرط وعدم رهج، وانجماع سلك به في الدهر فرد نهج، وله عبارة إذا ترسل، ومقاصدُ بليغة بها يتوصل إلى مراده ويتوسل، ما خدم عند أحد إلا وسلم إليه قياده، ورأى أن بيده صلاحه وفساده.


صفحه 141

ولي نظر الجيوش بالديار المصرية في أيام الملك الصالح إسماعيل، فباشره بقعدد وسكون، وتقرر في ذهن أولياء الأمر أنه مهما رآه هو الذي يكون. وكان محظوظاً في خدمه، والسلام والأمانة، نعم العونُ لأرباب السيوف والأقلام.
ولم يزل إلى أن بلغ نهاية أمده، وتفرد في قبر بمعتقده.
وتوفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
وكان في أول أمره يكتب عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب بدمشق، ولما توجه إلى مصر أخذه معه، وهناك أسلم، وكان أولاً سامرياً، وكان يميل إلى عقله، ويعتمد إلى تصريفه، ولما أمسك الحاجب أخذه الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار الناصري، فمال إليه، واعتمد عليه، ولما مات أرسلان أخذه الأمير سيف الدين طشتمر حمصّ أخضر عنده، فدخل إليه وعلى الأمير جملة من الديوان فما كان عن قليل حتى وفى ديونه وجعل في خزانته جملة من الحاصل، فأحبه وزاد في تعظيمه وإكرامه، ولما عاد الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى الديار المصرية بعد نيابة وإكرامه، ولما عاد الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى الديار المصرية بعد نيابة صفد أراد عوده إليه، فتعذر ذلك، ودخل طشتمر إلى السلطان، وسأله في إبقاءه عنده، فرسم له بذلك، ولكن بقي أمين الدين. يتردد إلى باب الحاجب كل قليل، وما جسر على مقاطعته، وأراد السلطان الملك الناصر مراتٍ أن يأخذه ويستخدمه في نظر الدولة أو غير ذلك من الوظائف، فيدخل طشتمر على الخاصكية المقربين في ذلك، فيسألون له السلطان في ذلك، وكان طشتمر ما يفارقه، ولما أخرج لنيابة صفد


صفحه 142

أخذه معه. ولما توجه إلى حلب أخذه معه. ولما دخل البلاد الرومية أخذه معه إلى الروم. ولما عاد منها عاد معه إلى مصر، ولما مات طشتمر رحمه الله طلبه الأمير سيف الدين قماري أخو بكتمر الساقي، وكان في الأيام الصالحية أستاذ الدار فأقبل عليه إقبالاً زائداً، وعظمه، ولما مات

جمال الكفاة
، ولاه الصالح إسماعيل نظر الجيش، فأقام فيه إلى آخر أيام الصالح. ثم إنه حضر إلى القدس وأقام به، وأوقف عليه قرية تعمل في السنة بمبلغ، وحضر في أثناء ذلك إلى دمشق، ثم توجه إلى القدس. وأقام به، ولما أفرج عن الأمير سيف الدين شيخو، وأعيد إلى مكانه، طلبه إلى مصر، وجعله ناظر ديوانه، وكان عنده في الذروة من الوجاهة، واستمر عنده إلى أن مات رحمه الله في التاريخ، والله أعلم بسريرته، فإنّ الناس كانوا يتهمونه في دينه.
وكتبت إليه وأنا بالقاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة أتقاضاه نجاز منشور بإقطاع لابن أختي:
عجب الناس إذ جعلتُك قصدي ... دُون قومٍ ما فضلهم بمبين
قلت رأي الرشيد للخير هادٍ ... إذ غدا واثقاً بخير أمين

إبراهيم القاضي جمال الدين
جمال الكفاة
ناظر الدولة والجيوش والخاص، وهو ابن خالة القاضي شرف الدين النشو، والنشو هو الذي استسلمه واستخدمه مستوفياً في الدولة، ثم إنه استخدمه عند الأمير


صفحه 143

سيف الدين بشتاك الناصري، فلبث عنده مدة، ثم إن الناس رموا بينه وبني ابن خالته النشو، فوقعت بينهم المعاداة الصعبة على سوء ظن من النشو وزيادة توهم، ولم يزل الأمير بينهما إلى أن أمسك النشو، ومات هو وجماعته تحت العقوبة على ما سيأتي في ترجمته.
وتولى جمال الكفاة نظر الخاص ونظر الجيش، ولم يتفق ذلك قبله لغيره، ولم يزل في عز وجاهٍ وتمشيةِ حالِ مخدومه بشتاك إلى أن توفي السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وولي الملك ولده أبو بكر، وخلع وولي الأشرف كجك، وخلع وهو على حاله، وأحبه قوصون، وبالغ في إكرامه، ثم حضر الناصر أحمد من الكرك، واستمر به على حاله، وأخذه معه إلى الكرك، وأقام عنده، فلما تولى الملك الصالح إسماعيل وهو في الكرك بقي مدة ووظيفتاه ليس بهما أحد، فتولى مكين بن قروينه الجيش، وبقي أخو جمال الدين - الكفاة - في الخاص يسده إلى


صفحه 144

حين حضور أخيه، فلما حضر جمال الكفاه من الكرك تسلم وظيفتيه في الجيش والخاص، وبقي كذلك مدة وأضيف إليه نظر الدولة أيضاً، وصار هو عبارةً عن الدولة، ثم إنه أمسك وحمل شيئاً من الذهب تحت الليل وأفرج عنه، وخُلع عليه، وأعيد إلى وظائفه، ثم إنه أمسك، وفعل كالمرة الأولى، ثم أخرج عنه، وأعيد، وتمكن من السلطان الملك الصالح إسماعيل، وعظم عنده، وكتب له الجناب العالي، ولم يكتب ذلك إلا للوزير، ثم رسم له بإمرة مئة، وتقدمة ألف، وأن يلبس الكلوته، ويلعب الكرة مع السلطان في الميدان، فما كان إلا وهو في هذا الشأن، هل يقبل ذلك أو لا حتى عمل عليه، وأمسك هو وجماعة من مباشري الدولة، فتوهمها كالواقعة التي قبلها، فقتل هو بالمقارع وولده إلى أن مات هو تحت العقوبة، ورموه بأمورٍ الله أعلم بصحتها من فسادها.
وكان في أول أمره عند الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي كاتباً، ومدة مباشرته الخاص وما معه ست سنين.
وكان في أول أمره عند الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي كاتباً، ومدة مباشرته الخاص وما معه ست سنين.
وكان رحمه الله تعال حسن الشكل، مليح القامة، حلو الوجه ظريف العمامة، يتحدث بالتركي جيداً، ونم في ذلك اللسان عن فصاحته متحيداً، وما كتب أحدٌ أقوى من علامته ولا أكبر ولا أحسن، ولا أقعد من حروفها ولا أمدّ ولا أمتن، بزته مليحة، وعبارته فصيحة، وفكرته متسرعة، وخبرته عن صحة ذهنه متفرعة،


صفحه 145

وشجاعته بالإقدام متدرعة، وهمته عن الرذائل متورعة، مع لطف عشرة، وظرف تنديب يرقص إذا أبدى بشره، يحب الفضلاء ويدنيهم، ويعينهم بالجود ويغنيهم، يقضي أشغالهم، ويحمل أثقالهم، وكان يولعُ بفن التصحيف، ويأتي فيه بالرائق الظريف، قال يوماً ونحن جلوس في دار ابن خالته، وهو ما هو في عظمته وجلالته، وقد جرى تصحيف عجيب، بين مبتدي ومجيب، فقال لي: هو بحبل يشنق، فما مرت بأذن أحد إلا وأطرق، وغاص في بحرها واستغرق، وقمت أنا إلى الطهارة لقضاء ما لا بد منه، ولا غنى لكل أحد عنه، وخاطري بما قاله متعلق، وبرقُ فهمها غير متألق، وفي ذهابي ملتُ إلى قلبها وتصحيفها فظهرت لي فائدة تأليفها، فعدت إليه قبل ذهابي ملتُ إلى قلبها وتصحيفها فظهرت لي فائدة تأليفها، فعدت إليه قبل ذهابي، وأسرعت إيابي، وقلت له ما ظهر لي في حلها، وسقيته من وبلها وطلها. فقال: يا مولانا! كنت صبرت إلى أن قضيت شغلك، وأتيت بما وسع فضاك وفضلك. فقلت: حلاوة الفهم، أذهلتني عن رشق هذا السهم.
وكان جمال الكفاة رحمه الله تعالى في آخر أمره، ونفاسة قدره، قد سلك مسلك كريم الدين الكبير في اقتناء المماليك الأتراك، وأكثر من جباتها في العقود والأسلاك، قد تأنق في ملابسهم الفاخرة وتجديدها، وتحلية مناطقهم التي علائقها يطرب تغريدُها، ولما هلك تحت العقاب، وحمل فوق الجنوية على الرقاب، حزن لذلك أوداؤه وشمت بمصابه أعداؤه، وذلك في أوائل صفر سنة خمس وأربعين وسبع مئة.


صفحه 146

وقلت أنا فيه:
عجبتُ من أمر جمال الكفاه ... وكونه راحَ ثمال العفاه
في ليلة زالة سعادته ... عنه إلى أن رحمته عداه
تكلمت أجنابه وهو ما ... يقول في آلامه غير آه
وكيف لا يصرخ من جنبه ... فتحه ضربُ الغواني شفاه

إبراهيم الحايك
وقيل: المعمار. وقيل الحجار، غلام النوري، عامي ظريف، وشاعر عري من حلل النحو والتصريف، لكنّ قريحته نظامة، وطباعه لبرود الشعر رقامة، له ذوق قد شب عمرهُ فيه عن الطوق، وتوريات تسير الثريا من تحتها وهي من فوق، واستخدام له إلى تحريك الأعطاف وهزها شوق، ونكتّ أدبيه ما يبلّ الفاضل منها غلة الشوق، ومقاصدُ غريبة أحسنُ من روق الشباب وما أحسنه من روق إلا أن اللحنّ الخفي يخونه في بعض الأماكن وهو قليل، وتصريف الأفعال يعرض عنه بلا دليل، أما إذا ترك وعامّيته في الأزجال والبلاليق، ونفض يده من القريض لم يكن له فيه تعاليق، فإنه أتي بالعجائب، ويركب في طريق الإعجاب، والإعجاز متون الصبا والجنائب، فما يلحقه في ذلك مجار، ولا يرهقه مُبار، ولا يطمع لاحق له في شق غبار، ولا أعلم له في ذلك نظيراً، ولا استجليت في سماء فنه مثله قمراً منيراً.


صفحه 147

وكان فقيراً متخلياً، وأميراً في نفسه بالخمول متحلياً، يعرض عن الأكابر، ويعد أهل الدنيا عنده في أهل المقابر، قد لزم القناعة، وأرخى على وجه الصبر قناعة، فهو في باب اللوق سابق غير مسبوق، وفي ساحات المناشر سلطان من ينادم أو يعاشر، قد هذبه زمانُه، وأطلق في الراحة عنانُه، يكتفي بالبلاغ، ويجتزئ بما له في الحلق مساغ.
ولم يزل على عالم إطلاقه ووميض برقة وابتلاقه، إلى أن خرب من المعمار ربع الحياة، وعفر التراب محيّاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبعمئة، بعدما نظم في الطاعون قبل موته، وأنشد قبل فوته:
يا من تمنى الموتَ قم اغتنم ... هذا أوانُ الموت ما فاتا
يا من تمنى الموت قم واغتنم ... هذا أوان الموت ما فاتا
قد رخُص الموتث على أهله ... ومات من لا عمرهُ ماتا
وكان قد كتب إلي لما وردت القاهرة في خمس وأربعين وسبع مئة في زمن الملك الصالح إسماعيل قدس الله روحه:
وافى صلاح الدين مصراً فيا ... نعم خليل حلها بالفلاح
فليهنها الإقبالُ إذ أصبحت ... بالملك الصالح دارَ الصلاح