لم يزل في حاله، على صحته وانتحاله، إلى أن هانت من بان مصعب حياته، وتسلطت عليه من ثمرة الموت جناته.
وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
ومن شعره ما كتبه في كمال الدين بن النجار وكيل بيت المال:
وكنا عهدنا أرض جلق روضة ... بها الحسن يجري مطلقاً في عنانه
خشينا بها عين الكمال تصيبها ... فما زال حتى ساءها بلسانه
أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن
الشيخ القدوة عماد الدين بن العارف الواسطي الشافعي الصوفي نزيل دمشق.
لقي المشايخ وتعبد، ترك الرئاسة وتزهد، وقطع العلائق وتجرد، وكتب المنسوب حتى أخمل الحدائق، وأتى في طرسه بكل سطر على العقد فائق.
وكان يرتزق بنسخه، ويتبلغ منه بصيد فخه، ولا يحب الخوانق، ولا الاحتجاز ولو في دانق.
وتفقه للشافعي، ونظر في الروضة والرافعي، وكان عنده أدب يتحلى بقلائده وتتجلى محاسنه في فرائده، واختصر دلائل النبوة، والسيرة لابن
إسحاق مع القدرة والقوة، وتسلك به جماعة، ألف الضراعة من الرضاعة، ونابذ الاتحادية وأرباب المعقول، وقال فيهم ما أحبّ أن يقول.
عاش بضعاً وسبعين سنة، وعينه من الانقطاع عن الدنيا وسنة، ولم يزل على حاله إلى أن التقمته الأرض، وأودعته بطنها إلى يوم العرض.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى عشرة وسبع مئة بالبيمارستان الصغير.
ومولده في سنة سبع وخمسين وست مئة بواسط، ومن شعره..
أحمد بن إبراهيم
ابن الزبير بن محمد بن إبراهيم بن عاصم.
الإمام العلامة المقرئ المحدّث النحوي الحافظ المنشئ، عالم الأندلس.
طلب العلم في صغره، وتلا بالسبع على الشيخ علي بن محمد الشاري، صاحب ابن عبيد الله الحجري، وعلى إسماعيل بن يحيى الأزدي العطار صاحب ابن حسنون.
وسمع من سعد بن محمد الحفار، ويحيى بن أبي الغصن، وإسحاق بن إبراهيم بن عامر الطوسي - فتح الطاء -، ومحمد بن عبد الرحمن بن جوير البلنسي، وإبراهيم بن محمد الكماد، والوزير عبد الرحيم بن عبد المنعم بن الغرس، وأحمد بن محمد السراج، المؤرخ أحمد بن يوسف بن فرتون، ومحمد بن أحمد بن خليل السكوني الكاتب، والقاضي محمد بن عبد الله الأزدي، والقاضي يحيى بن أحمد بن عبد الرحمن بن المُرابط، والحافظ أبي يعقوب المحساي، وطائفة سواهم.
قال لي العلامة شيخنا أثير الدين رحمه الله: كان يحرر اللغة، ويعلمني المنطق، يعني النطق بها. وكان أفصح عالم رأيته، وأشفعه على خلق الله تعالى.
وقال الشيخ شمس الدين الذهبي فيما أخبرني به: من مسموعاته السنن الكبير للنسائي سمعه من أبي الحسن الشاري بسماعه من أبي محمد بن عبد الله الحجري عن أبي جعفر البطروجي سماعاً متصلاً بينه وبين المصنف ستة، وعني بالحديث عناية
تامة، ونظر في الرجال، وفهم وأتقن، وجمع وألف. أخذ عنه أبو حيان وأبو القاسم محمد بن سهل الوزير، وأبو عبد الله محمد بن القاسم بن رمان، والزاهد أبو عمرو ابن المرابط وأبو القاسم بن عمران السبتي انتهى.
قلت: كان المذكور علامة عصره، وفريد دهره، ووحيد قطره. هو في القراءات عالمها الدرب، وبحرها الذي يبعث درة للمغترب.
وفي الحديث حافظه، وجامعه إذا رأى غيره وهو لافظه.
وفي أسماء الرجال جهبذها الناقد والساهر في شأنها وطرف النجم راقد.
والتاريخ قيم هذا الفن، وقانص ما سنح منه وما عنّ. وجمع تاريخاً ذيل به على ابن بشكوال في الصلة، وجعل النسخة بذلك إلى زمانه متصلة.
وفي النحو فريد فنونه المتشعبة، أفانينه المتلعبة، نظر فيه ودقق، وبحث وحقق، وحذف كثيراً من الفضول ومزق، وغاظ قلوب مناظريه وحرق.
وله مشاركة في أصولي الفقه والدين، وقوة نظرية فتت في عضد الملحدين.
وكان صباراً على محنه، واقفاً على أطلال الجلد ودمنه، يضحك تبسماً، ويشارك أصحابه في الخير مقسما، وعنده ورع زائد، وله عقل إلى الصواب قائد. ارتحل
الناس إليه لاتساعه في العلوم، ومدّ باعه في المعارف التي من شبههُ فيها بالبحر فهو غير ملوم.
ولم يزل على هذه الطريق المثلى، وحقيقته الفضلى، إلى أن راحِ ل كان خبراً، وشارك قوماً على البلى صبراً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة. وقيل: في شهر رمضان سنة سبع وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وعشرين وست مئة.
أنشدني من لفظه لنفسه شيخنا أبو حيان رحمه الله تعالى من قصيدة يشير إليه فيها:
جزى الله عنا شيخنا وإمامنا ... وأستاذنا البحر الذي عم فائده
لقد أطلعت جيان أوحد عصره ... فللغرب فخر أعجز الشرق خالده
مؤرخه، نحويه، وإمامه، ... محدثه جلت وصحت مسانده
إذا جاهلٌ يغشاه فهوُ مفيده ... وإن آمل يعشو إليه فرافده
أحمد بن إبراهيم
بن أحمد بن راجح
الإمام نجم الدين ابن الشيخ عماد الدين ابن القاضي نجم الدين بن الشهاب المقدسي الحنبلي، سبط الشيخ شمس الدين بن أبي عمر.
تفقه واشتغل، ودأب ولكن ما أتم العلم، وحصل له جنون، وانخراط بلا عقل في فنون، وكان يقف في الطرق، وينشد أشياء مفيدة، ويحكي أشياء قديمة وجديدة ويخالط الجد بالهزل، ويساوي بانحرافه بين الولاية والعزل، وينبسط على المرد الذين ما تدبجت خدودهم، لا تسيجت بآس العذار ورودهم، ويشحذ في كفه ويحط في فكه، ويجوز زغل ديناره على من يجهله من غير حكه.
وكان له تلاميذه وربون، وحربه زبون، ثم إنه يثوب إليه عقله، ويجلو شيفه من صدإ به صقله، فعل ذلك مرات، واعتمده كرات.
ولم يزل على ذلك على أن خنقته يد منونه، في وسط جنونه، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة عشر وسبع مئة.
ومولده في نحو سنتين وست مئة.
وهو أخو المفتي شمس الدين الحنبلي نزيل مصر. قال الشيخ شمس الدين: كان يأكل الحشيشة.
أحمد بن إبراهيم بن صارو
شهاب الدين أبو العباس البعلبكي، نزيل حماة.
طلب الحديث في الكبر، وسمع من المزي، وزينب، وأبي العباس
الجزري، وعدة. وتلا بالسبع على الجعبري.
كان له ذوق في العلم، وطوق تحلى به من الحلم، وله شعر يظن أنه سحر. نزل بحماة. وجعلها بعد بعلبك حماه.
ولم يزل يتقلب مع دهره، ويتبرض بحلوه وبمره، إلى أن حل به الموت، ونزل به الفوت.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وأربعين وسبع مئة بحماة.
ومولده سنة عشر وسبع مئة.
ومن شعره: ...
أحمد بن إبراهيم
ابن عبد الغني شمس الدين قاضي القضاة الحنفي بالديار المصرية، المعروف بالسروجي.
كان فاضلاً في المذهب، يغير ذهنه على المعضلات وينهب، والعدول يلتفعون به، ويتمسكون بسببه، عدل جماعة، وأغناهم عن المجاعة. ولم يُسمع أنه ارتشى،
ولا راقب جاها ولا اختشى، ذا همة وافرة، وكلمة على الحق متضافرة، له مشاركة جيدة في النحو والتصريف، يطرز بها دروسه، ويجلي بها في المحافل عروسه.
شرح الهداية في مذهبه شرحاً كبيراً، وحشاها من الفوائد لؤلؤاً نثيراً، ولكن ما كمله، ولا غشاه بالتتمة ولا زمله، وكان فيه سماحة، وميل إلى الجود ورجاحة.
درس بالصالحية، والناصرية، والسيوفية، والأركسية، والجامع الطولوني، وعزل غير مرة بالقاضي حسام الدين وأعيد، وزان بذلك صناعة الترديد، ولم يزل حاكماً إلى أن عاد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك، فعزله لما في نفسه من القضاة، وأظهر لذلك عذراً، وإنما كان قد أسر أمراً في نفسه وقضاه، فتألم السروجي، وبات بليل من الهم دجوجي، وأظهر القناعة بتدريس الصالحية والإقامة فيها، ومنى النفس بالعودة، وتلا آيات تلافيها، فأخرجه ابن