بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 180

والبندق والرصاص والزيارات والنفط، وجرح بعض الخيل، وطلع القلعة وأغلقها، وشال الجسر.
ولما كان يوم الجمعة ثامن عشر المحرم اتفق العسكر على الزحف على القلعة وإحراق الجسر، وجهزوا إليه يعلمونه أنهم في غداة السبت يفعلون ذلك، فاتق الله واحقن دماء المسلمين. فأطلق من كان عنده في الاعتقال، وقال للعسكر: احلفوا أن لا تؤذوني وأنا أتوجه إلى باب السلطان، فحلفوا له، وأخذوا سيفه، وجهزوه صحبة الأمير سيف الدين قطلوبغا الكركي وجهز مملوكه الطنبغا إلى نائب الشام يطلب منه شفاعة، فكتب له ذلك، وجهزوا معه أميراً من الشام وأميراً من طرابلس، وأميراً من صفد، وأميراً من غزة، وساروا به إلى باب السلطان في ثالث عشري المحرم، ورجعت العساكر إلى أماكنها.
ولما وصلوا به إلى قطيا، تلقاه الأمير سيف الدين قماري، فأخذه في زنجير مقرم اليدين - على ما قيل - وتوجه به إلى ثغر الإسكندرية، ولم يزل بها معتقلاً، إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وتولى الملك الصالح صالح، فأطلقت المعتقلين الذين في سجن الإسكندرية جميعهم، وولاه نيابة حماة، فوصل إلى دمشق في حادي عشري شعبان سنة اثنتين خمسين وسبع مئة، وصحبته الأمير سيف الدين جركتمر عبد الغني، ليقره في النيابة، ولم يزل في حماة نائباً حاكماً، إلى أن اتفق هو والأمير سيف الدين بيبغاروس نائب حلب، والأمير سيف الدين بكلمش نائب طرابلس، على الخروج على الملك الصالح، وراسلوا الأمير سيف الدين أرغون الكاملي نائب الشام على ذلك فما وافقهم. ولما تم أمرهم وهموا بالخروج حلف نائب الشام عسكر دمشق للملك الصالح في العشر الأولى من شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وجرى ما يأتي ذكره أن شاء الله تعلى في ترجمة أرغون الكاملي.


صفحه 181

ولما وصل بيبغاروس ومن معه إلى دمشق نزل على قبة يلبغا ظاهر دمشق، وتوجه أحمد الساقي ومعه ألف فارس، وأقام على المزيريب مدة أربعة وعشرين يوماً ولما وصل الأمير سيف الدينين طاز إلى لد هرب ابن دلغادر من دمشق، وجاء بيبغاروس إلى المزيريب، واجتمع وباتا ليلةً، ثم إنهما هربا بمن معهما من العساكر إلى حلب.
ووصل السلطان الملك الصالح إلى دمشق، وجهز الأمير سيف الدين شيخو، والأمير سيف الدين طاز، والأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى حلب، فهرب بيبغاروس ومن معه، واجتمعوا بابن دلغارين، وأقاموا هناك يعيثون في الأرض، إلى أن أمسك ابن دلغادر أحمد وبكلمش، وجهزها إلى حلب، فوصلا إليها، والأمير سيف الدين أرغون الكاملي بها نائب في ثاني عشر ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، فاعتقلا بقلعة حلب، وطلع بأمرهما، فعاد الجواب على يد سيف الدين طيدمر أخي طاز بأن يجهز رأسيهما، فحزّ رأس أحمد وبكلمش في حلب في العشر الأوسط من شهر الله المحرّم سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وتوجّه بهما المذكور إلى مصر، وكان ذلك آخر أمر الساقي، والله الباقي.
وكان هذا أمير أحمد شاباً طويلاً رقيقاً، تراه بالإقدام والشجاعة حقيقياً، حلو الوجه خفيف اللحية، يعلوه رونق، وعليه قبول وحظّ ما فرح به السدير في أيامه ولا الخورنق، يميل إلى الصورة المليحة، ويتعبد بهواها كل بكرة وصبيحة، لا يملك نفسه إذا رأى وجهاً حسناً، ولا يرجع إلى عذل من يرده عن ذلك ولو كان لسناً،


صفحه 182

وكانت له في ذلك تراجم معروفة في أيام الشهيد، وأخباره فيها سار بها الركبان والبريد، إلا أنه كانت نفسه أبية، وعنده من ميعة الشباب نشوة السبيّة.
وكان يحدث نفسه بأمور عظيمة، وفتن لا تزال تصنع للشرور وليمة، وكان لذلك لا يقنع بغاية، ولا يرى إلا ما هو عنده نهاية، ولقد ثبت في واقعة صفد ثبوتاً دونه البال الرواسخ، وأسكن جماعة ممن خالفه البرازخ.
ويحكى عنه أنه لما نزل من القلعة ودّع صغار أولاده، وثمرات فؤاده، فقطع القلوب أسفاً، ورأى موته بعينه وهو في الحياة سلفاً، فقلت فيه:
عجبتُ من أحمد الساقي وقد برزت ... له العساكرُ في موضونةِ الزردِ
ساقٍ سقتهُ الليالي كاس حادثها ... وراحَ من صفدٍ للحتفِ في صفد
يعينُهُ ربه فيما ابتلاهُ بهِ ... فما على مثل ما لاقاه من جلد
وجاءت الأخبار بأن الأمير سيف الدين قماري لما التقاه في قطيا عامله بأنواع من الإهانة ساعة اللقيا، وأضاف زنجيراً إلى قيده، وقرم يده بشدة وأيده.
وقيل: إنه توجه به ماشياً، وكاد لذلك يصبح جسده متلاشياً، ولم يحسب له أحد في هذه المرة حساب السلامة، لأنه فعل ما يوجب العذل والملامة، ولكن " لكل أجل كتاب "، وإذا قدر أمرٌ على المرء ما يفيده زجرٌ ولا عتاب، فأقام في سجنه تلك المدة، وفرّج الله عنه من تلك الشدة، ورسم له بنيابة حماه، فتوجه إليها، وقدم بعد الذل في عز دائم عليها، فسبحان اللطيف الخبير، ومن يرسل رياح الفرج فينشق المحزون منها نشر العبير. وقلت أنا فيه أيضاً:


صفحه 183

تلق حوادث الدنيا بصبرٍ ... ففي صرف الزمان ترى العجائب
فهذا أحمدُ الساقي توالى ... عليه من القضا مطر المصائب
وما أعطى له أحدٌ حياةً ... وها هو في حماةَ اليومَ نائب
وكان فيها نائباً قد تمكن لا ترد له إشارة، ولا يعطل السلطان مما يرومه عشاره كل ما يكتب به يجاب فيه بالقبول، وكل ما يأباه يتلاشى غصنه إلى الذبول، ولكن نفسه تريد بلوغ ما فيها، وإدراك أمانيها، وعقله من الصواب نفور، ودمه - كما يقال - يفور، إلى أن دبر ما دبر، وأثار من الفتنة ما عاد على وجهه وغبر، وكان هو الذي حرك ذاك الساكن، وعمل على خراب ما دخله من المنازل والأماكن، إلى أن خرب بيده بيوته، وطار خلف الشر إلى الروم خوفاً من أن يفوته، ولم يزل بتلك الخنزوانه، إلى أن غدر به ابن دلغادر وخانه، وما زال عليه إلى أن أماته ونسي أمانه، وأراه الله عقبى جناية الخيانة، وجز في حلب رأسه، وخرق من الحياة قرطاسه، ولم ينفعه ياقوته ولا ماسه وتبرأ من فعله القبيح وسواسه، ولم يرض له بالخنا خناسه، فسبحان من بيده الحياة والنشور، وإليه ترجع الأمور، لا إله إلا هو.
وقلت لما جز رأسه، وجهز إلى مصر:
إياك والبغي فشهبُ الردى ... في أفق البغي غدت ثاقبه
ما أحمدُ الساقي الذي مذ بغى ... ما أحمد الله لهُ عاقبه

أحمد بن بكتمر
أمير أحمد بن الأمير سيف الدين بكتمر الساقي.
كان وجهه عليه لمحة من البدر، ومهابته تملأ الجوانح والصدر، مليحاً إلى غاية،


صفحه 184

جملاً في نهاية، وكان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في محبته متغالياً، ولم يره الناس في وقت منه خالياً، كان يوماً نائماً على فخذ السلطان وقد عزم على الركوب، وأحضرت الخيل والعساكر تنتظر قيامه والوثوب، وأبوه بكتمر واقفاً خجلاً، وقلبه يخفق وجلاً، وكلما هم بأخذه يمنعه، ويكابده في أمره ويخدعه، فقال: يا خوند، الناس في خدمتك وإلا في خدمته؟ فقال: ما أركب حتى ينتبه أحمد من نومته، وكان الناس يظنون أنه ابن السلطان يقيناً، ويقولن: ما رأينا مثله عنده مكيناً، وأمره مئة، جعل مقدم ألفٍ مع صغر سنه، وجعل بعد ذلك شخصه في قلبه في كنه، وكان هو صغير ضعيف القائمة، لا يستطيع النهوض لعلةٍ له ملازمة، فلم يزل السلطان عليه بالأدوية والعقاقير، والمعالجة بأنواع من التداوي والتدابير، إلى أن نهض غصنه قويماً، وانعطف قدّه من الميل سليماً، وزاد حسنهُ وبهاؤه، وذهب عنه داؤه واقبل دواؤه، وصح من خمر الشباب انتشاؤه، وثبت إلى القمرين انتماؤه.
وزوجه السلطان بابنة الأمير المرحوم تنكز نائب الشام، وجرى ذلك العقد على أحسن ما يكون من النظام، حسبك بهذه الدرة الثمينة، وما جُمع من هذا القرين وهذه القرينة، وكان عرسها عرساً ما فرحت به بوران، ولا كان للفك له دوران، ووقف السلطان بنفسه وفي يده العصار، ورتب السماط ترتيباً خالف فيه العادة وعصى، اختلف بذلك زايداً، وجعل هواه لنفسه قائداً، له العذر فيما توهمه في ذلك من الحسن والزين، لأنهما ولدا مملوكيه العزيزين.


صفحه 185

وكان أمير أحمد المذكور يقضي عند السلطان أشغالاً لا يقضيها غيره، ولا يحوم في جوها إلا طيره، ولم يزل بدره في مطلع سعوده، ومعارج صعوده، إلى أن توجه مع السلطان إلى الحجاز، وقضى فرضه وفاز من الأجر بما فاز، وعاد راجعاً، وبدره يُرى في سماء الملك طالعاً، فمرض مرضاً حداً، وزاد به جداً فأذوى ريحان شبابه، ونغص بموته حياة أترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في طريق الحجاز عائداً في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وعمره يقارب العشرين.
وقلت ذلك الوقت:
ورقيبٍ بليتي ... في الهوى منه ما تمر
ذاك قد طال عمره ... ويموتُ ابنه بكتمر
وكتب إلى أبيه تهنئة لما أعطي تقدمة الألف عن الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى من جملة كتاب: وأما ما شملت به الصدقات الشريفة للمقر العالي المولوي الأميري الولدي الشهابي من تقدمة الألف، وخصه به من هذا الإنعام الذي صح قياسه ولم يكن قياسَ الخلف، فإنه بحمد الله واحد كالألف إن أمر عنا، وفردٌ يبلغ به مولانا - أعز الله أنصاره به - الأمان من الزمان والمنى، وبه يُحقق المملوك قول الأول الذي لم يحجده جاحد: والناسُ ألفٌ منهم كواحدِ.
ولم أرَ أمثالَ الرجالِ تفاوتوا ... إلى المجد حتى عد ألف بواحد


صفحه 186

والله تعالى يديم هذه الأيام الشريفة التي أرت مولانا فيه ما سره، وبلغت به رتبةً ذبالها النجوم وطريقُها المجرة، وتقر به عين مولانا الكريمة، فمثل هذا الولد من يكون للقلب قراراً، وللعيون قرة، وكان المملوك يودّ لو كان حاضراً في ذلك اليوم الذي هو تاريخ الهناء، وموسم الفرح المؤبد على مر الآناء، وإن كان المملوك قد غاب بقالبه، فقد حضره بقلبه وعرف قيمة إيجابه وسلبه، والله تعالى يديم لمولانا وله وللمملوك حياة مولانا السلطان خلد الله ملكه، وجعل أقطار الأرض ملكه بمنه وكرمه.

أحمد بن أبي بكر
بن عرام
بهاء الدين، الأسواني المحتد الإسكندراني المولد قرأ القراءات على الدلاصي، والفقه للشافعي على الشيخ أبي بكر بن مبادر، وعلى علم الدين العراقي وقرأ عليه الأصولين على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، والنحو على محيي الدين حافي رأسه، وعلى الشيخ بهاء الدين بن النحاس.


صفحه 187

وسمع على أبي عبد الله محمد بن طرخان، وأبي الحسن الخزرجي، وعلى تقي الدين بن دقيق العيد، وعلى الدمياطي وغيرهم.
وتولى نظر الأحباس بالإسكندرية، وصحب أبا العباس المرسي، وأخذ التصوف عنه، وعن والده، أمه بنت الشيخ الشاذلي.
وكان المذكور ينظم وينثر، ويجري في ميدان الأدب ولا يعثر، وكان مقداماً متديناً، سالكاً نهج الخير صيّناً.
صنف في الفقه والعربية، وعلق على المنهاج للنووي تلعيقة أنوارها مضية، وله مناسك ما أشبه ذلك.
ولم يزل في شوطه إلى أن عثر فما قام، واتخذ بطن الأرض دار مقام.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة عشرين وسبع مئة، ومولده سنة أربع وستين وست مئة، ومن شعره:
وحقك يا مي الذي تعرفينه ... من الوجدِ والتبريح عندي باق
فبالله لا تخشي رقيباً وواصلي ... وجودي ومني وانعمي بتلاق
ومنه:
أيا طرسُ إن جئت الثغور فقبلن ... أنامل ما مدت لغير صنيع
وإياك من رشح الندى وسط كفه ... فتمحى سطور سطرت لرفيع
قتل: شعر نازل.