بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 182

وكانت له في ذلك تراجم معروفة في أيام الشهيد، وأخباره فيها سار بها الركبان والبريد، إلا أنه كانت نفسه أبية، وعنده من ميعة الشباب نشوة السبيّة.
وكان يحدث نفسه بأمور عظيمة، وفتن لا تزال تصنع للشرور وليمة، وكان لذلك لا يقنع بغاية، ولا يرى إلا ما هو عنده نهاية، ولقد ثبت في واقعة صفد ثبوتاً دونه البال الرواسخ، وأسكن جماعة ممن خالفه البرازخ.
ويحكى عنه أنه لما نزل من القلعة ودّع صغار أولاده، وثمرات فؤاده، فقطع القلوب أسفاً، ورأى موته بعينه وهو في الحياة سلفاً، فقلت فيه:
عجبتُ من أحمد الساقي وقد برزت ... له العساكرُ في موضونةِ الزردِ
ساقٍ سقتهُ الليالي كاس حادثها ... وراحَ من صفدٍ للحتفِ في صفد
يعينُهُ ربه فيما ابتلاهُ بهِ ... فما على مثل ما لاقاه من جلد
وجاءت الأخبار بأن الأمير سيف الدين قماري لما التقاه في قطيا عامله بأنواع من الإهانة ساعة اللقيا، وأضاف زنجيراً إلى قيده، وقرم يده بشدة وأيده.
وقيل: إنه توجه به ماشياً، وكاد لذلك يصبح جسده متلاشياً، ولم يحسب له أحد في هذه المرة حساب السلامة، لأنه فعل ما يوجب العذل والملامة، ولكن " لكل أجل كتاب "، وإذا قدر أمرٌ على المرء ما يفيده زجرٌ ولا عتاب، فأقام في سجنه تلك المدة، وفرّج الله عنه من تلك الشدة، ورسم له بنيابة حماه، فتوجه إليها، وقدم بعد الذل في عز دائم عليها، فسبحان اللطيف الخبير، ومن يرسل رياح الفرج فينشق المحزون منها نشر العبير. وقلت أنا فيه أيضاً:


صفحه 183

تلق حوادث الدنيا بصبرٍ ... ففي صرف الزمان ترى العجائب
فهذا أحمدُ الساقي توالى ... عليه من القضا مطر المصائب
وما أعطى له أحدٌ حياةً ... وها هو في حماةَ اليومَ نائب
وكان فيها نائباً قد تمكن لا ترد له إشارة، ولا يعطل السلطان مما يرومه عشاره كل ما يكتب به يجاب فيه بالقبول، وكل ما يأباه يتلاشى غصنه إلى الذبول، ولكن نفسه تريد بلوغ ما فيها، وإدراك أمانيها، وعقله من الصواب نفور، ودمه - كما يقال - يفور، إلى أن دبر ما دبر، وأثار من الفتنة ما عاد على وجهه وغبر، وكان هو الذي حرك ذاك الساكن، وعمل على خراب ما دخله من المنازل والأماكن، إلى أن خرب بيده بيوته، وطار خلف الشر إلى الروم خوفاً من أن يفوته، ولم يزل بتلك الخنزوانه، إلى أن غدر به ابن دلغادر وخانه، وما زال عليه إلى أن أماته ونسي أمانه، وأراه الله عقبى جناية الخيانة، وجز في حلب رأسه، وخرق من الحياة قرطاسه، ولم ينفعه ياقوته ولا ماسه وتبرأ من فعله القبيح وسواسه، ولم يرض له بالخنا خناسه، فسبحان من بيده الحياة والنشور، وإليه ترجع الأمور، لا إله إلا هو.
وقلت لما جز رأسه، وجهز إلى مصر:
إياك والبغي فشهبُ الردى ... في أفق البغي غدت ثاقبه
ما أحمدُ الساقي الذي مذ بغى ... ما أحمد الله لهُ عاقبه

أحمد بن بكتمر
أمير أحمد بن الأمير سيف الدين بكتمر الساقي.
كان وجهه عليه لمحة من البدر، ومهابته تملأ الجوانح والصدر، مليحاً إلى غاية،


صفحه 184

جملاً في نهاية، وكان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في محبته متغالياً، ولم يره الناس في وقت منه خالياً، كان يوماً نائماً على فخذ السلطان وقد عزم على الركوب، وأحضرت الخيل والعساكر تنتظر قيامه والوثوب، وأبوه بكتمر واقفاً خجلاً، وقلبه يخفق وجلاً، وكلما هم بأخذه يمنعه، ويكابده في أمره ويخدعه، فقال: يا خوند، الناس في خدمتك وإلا في خدمته؟ فقال: ما أركب حتى ينتبه أحمد من نومته، وكان الناس يظنون أنه ابن السلطان يقيناً، ويقولن: ما رأينا مثله عنده مكيناً، وأمره مئة، جعل مقدم ألفٍ مع صغر سنه، وجعل بعد ذلك شخصه في قلبه في كنه، وكان هو صغير ضعيف القائمة، لا يستطيع النهوض لعلةٍ له ملازمة، فلم يزل السلطان عليه بالأدوية والعقاقير، والمعالجة بأنواع من التداوي والتدابير، إلى أن نهض غصنه قويماً، وانعطف قدّه من الميل سليماً، وزاد حسنهُ وبهاؤه، وذهب عنه داؤه واقبل دواؤه، وصح من خمر الشباب انتشاؤه، وثبت إلى القمرين انتماؤه.
وزوجه السلطان بابنة الأمير المرحوم تنكز نائب الشام، وجرى ذلك العقد على أحسن ما يكون من النظام، حسبك بهذه الدرة الثمينة، وما جُمع من هذا القرين وهذه القرينة، وكان عرسها عرساً ما فرحت به بوران، ولا كان للفك له دوران، ووقف السلطان بنفسه وفي يده العصار، ورتب السماط ترتيباً خالف فيه العادة وعصى، اختلف بذلك زايداً، وجعل هواه لنفسه قائداً، له العذر فيما توهمه في ذلك من الحسن والزين، لأنهما ولدا مملوكيه العزيزين.


صفحه 185

وكان أمير أحمد المذكور يقضي عند السلطان أشغالاً لا يقضيها غيره، ولا يحوم في جوها إلا طيره، ولم يزل بدره في مطلع سعوده، ومعارج صعوده، إلى أن توجه مع السلطان إلى الحجاز، وقضى فرضه وفاز من الأجر بما فاز، وعاد راجعاً، وبدره يُرى في سماء الملك طالعاً، فمرض مرضاً حداً، وزاد به جداً فأذوى ريحان شبابه، ونغص بموته حياة أترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في طريق الحجاز عائداً في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وعمره يقارب العشرين.
وقلت ذلك الوقت:
ورقيبٍ بليتي ... في الهوى منه ما تمر
ذاك قد طال عمره ... ويموتُ ابنه بكتمر
وكتب إلى أبيه تهنئة لما أعطي تقدمة الألف عن الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى من جملة كتاب: وأما ما شملت به الصدقات الشريفة للمقر العالي المولوي الأميري الولدي الشهابي من تقدمة الألف، وخصه به من هذا الإنعام الذي صح قياسه ولم يكن قياسَ الخلف، فإنه بحمد الله واحد كالألف إن أمر عنا، وفردٌ يبلغ به مولانا - أعز الله أنصاره به - الأمان من الزمان والمنى، وبه يُحقق المملوك قول الأول الذي لم يحجده جاحد: والناسُ ألفٌ منهم كواحدِ.
ولم أرَ أمثالَ الرجالِ تفاوتوا ... إلى المجد حتى عد ألف بواحد


صفحه 186

والله تعالى يديم هذه الأيام الشريفة التي أرت مولانا فيه ما سره، وبلغت به رتبةً ذبالها النجوم وطريقُها المجرة، وتقر به عين مولانا الكريمة، فمثل هذا الولد من يكون للقلب قراراً، وللعيون قرة، وكان المملوك يودّ لو كان حاضراً في ذلك اليوم الذي هو تاريخ الهناء، وموسم الفرح المؤبد على مر الآناء، وإن كان المملوك قد غاب بقالبه، فقد حضره بقلبه وعرف قيمة إيجابه وسلبه، والله تعالى يديم لمولانا وله وللمملوك حياة مولانا السلطان خلد الله ملكه، وجعل أقطار الأرض ملكه بمنه وكرمه.

أحمد بن أبي بكر
بن عرام
بهاء الدين، الأسواني المحتد الإسكندراني المولد قرأ القراءات على الدلاصي، والفقه للشافعي على الشيخ أبي بكر بن مبادر، وعلى علم الدين العراقي وقرأ عليه الأصولين على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، والنحو على محيي الدين حافي رأسه، وعلى الشيخ بهاء الدين بن النحاس.


صفحه 187

وسمع على أبي عبد الله محمد بن طرخان، وأبي الحسن الخزرجي، وعلى تقي الدين بن دقيق العيد، وعلى الدمياطي وغيرهم.
وتولى نظر الأحباس بالإسكندرية، وصحب أبا العباس المرسي، وأخذ التصوف عنه، وعن والده، أمه بنت الشيخ الشاذلي.
وكان المذكور ينظم وينثر، ويجري في ميدان الأدب ولا يعثر، وكان مقداماً متديناً، سالكاً نهج الخير صيّناً.
صنف في الفقه والعربية، وعلق على المنهاج للنووي تلعيقة أنوارها مضية، وله مناسك ما أشبه ذلك.
ولم يزل في شوطه إلى أن عثر فما قام، واتخذ بطن الأرض دار مقام.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة عشرين وسبع مئة، ومولده سنة أربع وستين وست مئة، ومن شعره:
وحقك يا مي الذي تعرفينه ... من الوجدِ والتبريح عندي باق
فبالله لا تخشي رقيباً وواصلي ... وجودي ومني وانعمي بتلاق
ومنه:
أيا طرسُ إن جئت الثغور فقبلن ... أنامل ما مدت لغير صنيع
وإياك من رشح الندى وسط كفه ... فتمحى سطور سطرت لرفيع
قتل: شعر نازل.


صفحه 188

أحمد بن أبي بكر
ابن محمد بن محمود بن سلمان بن فهد، شهاب الدين، ابن القاضي شرف الدين، لبن القاضي شمس الدين، ابن القاضي شهاب الدين محمود.
كان القاضي شهابُ الدين المذكور من جملةِ موقعي الدست، وكان أولاً من جملة كتاب الإنشاء، فلما توفي والده القاضي شرف الدين بالقدس - على ما سيأتي - أعطي مكانَ والده. فباشره، فكان هشاً بشاً بمن يراه، مكرماً لمن أمه أو قصد ذراه. نفسه متسعة للجود، قائمةٌ بما يجبُ من حلق الوفود. لا يتكلم إلا وهو يضحك، ولا يفارقُ لجود طباعه نُصحك. يقضي حوائج الناس في قصصهم، ويزيحُ عنهم ما تجرعوه من غصصهم، فأحّبه الناسُ، وردّ عليهم ما كان حصل لهم في والده من الياس. ولم يزل على حاله، إلى أن عاجله حتفه، وصرف إليه من الموت صرفه.
توفي رحمه الله تعالى - يوم عاشوراء، سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وسبع مئة.
واحتفل الناس لجنازته، ودفن في تربة جده بالصالحية.
وعهدي به، وهو كما احتلم، يجري وراء الحية، ويحملها بذنبها، ويرفعها إلى فوق، ويقصعها إلى أسفل، ويرميها من يده، وقد انقطع وسطها، وأنخلعت فقرأتُ ظهرها.


صفحه 189

وستأتي - إن شاء الله تعالى - ترجمة كل واحد من أبيه وجده في مواضعها اللائقة بها.
وقتل أرثيه من أبيات، التزمتُ فيها الفاء:
شهابُ بني محود أصبحَ أفلا ... وكان به صدرُ المجالس حافلاً
تيقظ طرفُ الدهر نحو جنابه ... وقد كان في إغفائه عنهُ غافلا
يحن إليه الجودُ من حيثُ ينتحى ... كما أنه من عزه راح جافلا
لقد كانَ في بردِ الشبيبةِ والعلا ... وبذل الندى ما زال يختالُ رافلا
سما بأصولٍ باسقاتٍ إلى العلا ... بحيث رأينا النجمَ عن ذاك سافلا
فيا ضيعةَ اللهقانِ بعد مصابه ... لقد كان في دفع الأذى عنهُ كافلا

أحمد بن أبي بكر
ابن محمد بن سلمان بن حمايل، القاضي شهاب الدين، ابن القاضي بهاء الدين، ابن القاضي شمس الدين بن غانم، كاتب الإنشاء بدمشق.
كان والده القاضي بهاء الدين صاحب ديوان المكاتبات بطرابلس، وسيأتي ذكره في مكانه من حرف الباء - إن شاء الله تعالى - ولما توفي والده بطرابلس، تركه صغيراً، فحضر إلى عند أقاربه بدمشق، ثم توجه إلى مصر، فرسم له بأن يكون من