والله تعالى يديم هذه الأيام الشريفة التي أرت مولانا فيه ما سره، وبلغت به رتبةً ذبالها النجوم وطريقُها المجرة، وتقر به عين مولانا الكريمة، فمثل هذا الولد من يكون للقلب قراراً، وللعيون قرة، وكان المملوك يودّ لو كان حاضراً في ذلك اليوم الذي هو تاريخ الهناء، وموسم الفرح المؤبد على مر الآناء، وإن كان المملوك قد غاب بقالبه، فقد حضره بقلبه وعرف قيمة إيجابه وسلبه، والله تعالى يديم لمولانا وله وللمملوك حياة مولانا السلطان خلد الله ملكه، وجعل أقطار الأرض ملكه بمنه وكرمه.
أحمد بن أبي بكر
بن عرام
بهاء الدين، الأسواني المحتد الإسكندراني المولد قرأ القراءات على الدلاصي، والفقه للشافعي على الشيخ أبي بكر بن مبادر، وعلى علم الدين العراقي وقرأ عليه الأصولين على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، والنحو على محيي الدين حافي رأسه، وعلى الشيخ بهاء الدين بن النحاس.
وسمع على أبي عبد الله محمد بن طرخان، وأبي الحسن الخزرجي، وعلى تقي الدين بن دقيق العيد، وعلى الدمياطي وغيرهم.
وتولى نظر الأحباس بالإسكندرية، وصحب أبا العباس المرسي، وأخذ التصوف عنه، وعن والده، أمه بنت الشيخ الشاذلي.
وكان المذكور ينظم وينثر، ويجري في ميدان الأدب ولا يعثر، وكان مقداماً متديناً، سالكاً نهج الخير صيّناً.
صنف في الفقه والعربية، وعلق على المنهاج للنووي تلعيقة أنوارها مضية، وله مناسك ما أشبه ذلك.
ولم يزل في شوطه إلى أن عثر فما قام، واتخذ بطن الأرض دار مقام.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة عشرين وسبع مئة، ومولده سنة أربع وستين وست مئة، ومن شعره:
وحقك يا مي الذي تعرفينه ... من الوجدِ والتبريح عندي باق
فبالله لا تخشي رقيباً وواصلي ... وجودي ومني وانعمي بتلاق
ومنه:
أيا طرسُ إن جئت الثغور فقبلن ... أنامل ما مدت لغير صنيع
وإياك من رشح الندى وسط كفه ... فتمحى سطور سطرت لرفيع
قتل: شعر نازل.
أحمد بن أبي بكر
ابن محمد بن محمود بن سلمان بن فهد، شهاب الدين، ابن القاضي شرف الدين، لبن القاضي شمس الدين، ابن القاضي شهاب الدين محمود.
كان القاضي شهابُ الدين المذكور من جملةِ موقعي الدست، وكان أولاً من جملة كتاب الإنشاء، فلما توفي والده القاضي شرف الدين بالقدس - على ما سيأتي - أعطي مكانَ والده. فباشره، فكان هشاً بشاً بمن يراه، مكرماً لمن أمه أو قصد ذراه. نفسه متسعة للجود، قائمةٌ بما يجبُ من حلق الوفود. لا يتكلم إلا وهو يضحك، ولا يفارقُ لجود طباعه نُصحك. يقضي حوائج الناس في قصصهم، ويزيحُ عنهم ما تجرعوه من غصصهم، فأحّبه الناسُ، وردّ عليهم ما كان حصل لهم في والده من الياس. ولم يزل على حاله، إلى أن عاجله حتفه، وصرف إليه من الموت صرفه.
توفي رحمه الله تعالى - يوم عاشوراء، سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وسبع مئة.
واحتفل الناس لجنازته، ودفن في تربة جده بالصالحية.
وعهدي به، وهو كما احتلم، يجري وراء الحية، ويحملها بذنبها، ويرفعها إلى فوق، ويقصعها إلى أسفل، ويرميها من يده، وقد انقطع وسطها، وأنخلعت فقرأتُ ظهرها.
وستأتي - إن شاء الله تعالى - ترجمة كل واحد من أبيه وجده في مواضعها اللائقة بها.
وقتل أرثيه من أبيات، التزمتُ فيها الفاء:
شهابُ بني محود أصبحَ أفلا ... وكان به صدرُ المجالس حافلاً
تيقظ طرفُ الدهر نحو جنابه ... وقد كان في إغفائه عنهُ غافلا
يحن إليه الجودُ من حيثُ ينتحى ... كما أنه من عزه راح جافلا
لقد كانَ في بردِ الشبيبةِ والعلا ... وبذل الندى ما زال يختالُ رافلا
سما بأصولٍ باسقاتٍ إلى العلا ... بحيث رأينا النجمَ عن ذاك سافلا
فيا ضيعةَ اللهقانِ بعد مصابه ... لقد كان في دفع الأذى عنهُ كافلا
أحمد بن أبي بكر
ابن محمد بن سلمان بن حمايل، القاضي شهاب الدين، ابن القاضي بهاء الدين، ابن القاضي شمس الدين بن غانم، كاتب الإنشاء بدمشق.
كان والده القاضي بهاء الدين صاحب ديوان المكاتبات بطرابلس، وسيأتي ذكره في مكانه من حرف الباء - إن شاء الله تعالى - ولما توفي والده بطرابلس، تركه صغيراً، فحضر إلى عند أقاربه بدمشق، ثم توجه إلى مصر، فرسم له بأن يكون من
جملة كتاب الإنشاء بطرابلس، ثم إنه سعى وانتقل بمعلومه إلى دمشق، ورتب في جملة كتاب الإنشاء في سنة خمس وأربعين أو ما بعدها في غالب الظن، وأقام بدمشق إلى أن توجه في سنة ست وخمسين وسبع مئة إلى الديار المصرية، وسعى هناك إلى أن رتب في جملة كتاب الإنشاء في باب السلطان على معلومه الذي بدمشق، بزيادةِ في مصر.
ولم يزل هناك مريضاً متوعكاً، يقومُ ويقع، إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
وكان مولده بصفد تقريباً في سنة أربع وعشرين وسبع مئة أو في سنة ثلاث وعشرين.
وكان فيه سعي وحسنُ توسل ولطفُ توصل، وعلى أنفه في مارنه شامةٌ كبيرة حسناء خضراء. وكانت كتابته قوية، ولم يكن له نظم ولا نثر.
أحمد بن أبي بكر
شهاب الدين أبو جلنك - بالجيم واللام والنون والكاف - الحلبي الشاعر المشهور. بالعشرة والخلطة التي تركته بروة، وجردت قشره.
كان فيه همةٌ وعنده شجاعة، ولديه من الإقدام في المعارك أجزلُ بضاعة، نزل من قلعة حلب للإغارة، والتتار يتوقدُ من شرهم كل شرارة، فوقع في فرسه سهمٌ
عقره، وفتق جنبه وبقره، فبقي على ضخامته راجلاً، وأمسك به عاجلاً، وجاؤوا به مقدم التتار، فسأله عن عسكر المسلمين فرفع شأنهم، وأعلى في الفروسية مكانهم. فغاظه ذلك منه وضرب عُنقه في الحال، وشتمر للارتحال.
وأصل منادمته لصاحب ماردين أو الموصل تنديبة، بدت منه بغير قصد، وهي عجيبة. لأنه قصد الطهارة وعلى بابها خادمٌ، يناول كيلاً من الماء لكل قادم، فدخل على عادة البلاد، وما هي عليه من الأمر المعتاد، فصاح به الخادم قف خذ هذا الكيل. قال: لا، أنا أخرى جزافاً من الويل. فبلغت السلطان، فقال: هذا ظريف يصلح لأن ننادمه، ونزيد خوافي جناحه وقوادمه.
وأخبرني عنه الصاحب جمال الدين سليمان بن ريان، قال: لزمنا أبو جلنك مدة، ونام عندنا ليالي عدة، وكانت ينتبهُ نصفاً من الليل، ويكررُ علي محافيظه، ومنها مختصرُ ابن الحاجب، ثم يشببُ بشبابه يزمزم، وإذا أصبح توضأ وأتى بالواجب.
وما زال على حاله إلى أن ضربت عنقه، وخلا من كوكبه أفقه، وذلك سنة سبع مئة.
وأنشدني القاضي جمال الدين بن ريان قال: أنشدني من لفظه أو جلنك لنفسه لغزاً:
اسم الذي أهواه في حروفه ... مسألةٌ في طيها مسائل
خمساه فعل وهو في تصحيفه ... مبينٌ والعكسُ سمِّ قاتل
تضيء بعد العصر إن جئت به ... مكرراً من عكسك المنازلُ
وهو إذا صحفته مكرراً ... فاكهةٌ يلتذ منها الآكل
وهو إذا صحفته جميعه ... وصفُ امرئٍ يعجبُ منه العاقل
وفيه طيبُ مطربٌ جميعه ... هاجت على أمثاله البلابلُ
قتل: هذا لغز في مسعود وهو لغز جيد، ومقاصده جيدة، إلا أن قوله وصف امرئ يعجب منه العاقل فيه تسامح، فإنه لا يُقال: مشعوذ وإنما يقال مشعبذ بالباء مكان الواو.
وأنشدني شيخنا العلامة أثيرُ الدين، قال: أنشدنا علاءُ الدين علي بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الرحمن الحلبي، قال: أنشدنا أبو جلنك لنفسه، وكان قد مدح قاضي القضاة شمس الدين بان خلكان، فوقع له بثلثي رطل خبزاً، فكتب أو جلنك على بستانه:
عجنا ببستانٍ حللنا دوحه ... في جنةٍ قد فتحت أبوابها
والبانُ تحسبُها سنانير رأت ... قاضي القضاة فنفشت أذنابها
قلت: بلغني أن الشيخ بدر الدين محمد بن مالك وضع على هذين البيتين كراسة في البديع، وأنشدني بالسند المذكور أيضاً:
أتى العذارُ بماذا أنت معتذرُ ... وأنت كالوجد لا تُبقي ولا تذرُ
لا عذر يقبل إن تم العذار ولا ... ينجيك من خوفه بأسٌ ولا حذرُ
كأنني بوحوشِ الشعرِ قد أنست ... بوجنتيك وبالعشاقِ قد نفروا
ومن شعر أبو جلنك أيضاً:
جعلتك المقصد الأسنى وموطنك ال ... بيتُ المقدس من روحي وجثماني
وقلبك الصخرة الصماءُ حين قست ... قامت قيامة أشواقي وأحزاني
أما إذا كنت ترضى أن تقاطعني ... وأن يزورك، ذو زورٍ وبُهتان
فلا يغرنك نارٌ في حشاي فمن ... وادي جهنم تجري عينُ سلوان
قلت: ألطفُ من هذا وأحضرُ وأجمع، قول القال:
يا قدسُ حسنٍ قلبهُ الصخرة التي ... قست فهي لا ترثي لصب متيم
ويا سؤلي الأقصى عسى بابُ رحمة ... ففي كبد المشتاق وادي جهنمِ
وأنشدني العلامة أبو حيان، قال: أنشدنا علاء الدين علي بن سيف الدين تنكز، قال: أنشدنا أبو جلنك لنفسه:
ماذا على الغصن الميال لو عطفا ... ومال عن طريق الهجرانِ وانحرفا