أيا قاصداً في مدحه أشرف الورى ... وخير نبي في البرية أرسلا
جلوت علينا فيه وجه قصيدةٍ ... أجل من البدرِ المنير وأجملا
إذا نحن شبهنا به نظم شاهرٍ ... وكل قوافيها الحسانِ تقولُ: لا
أحمد بن أبي بكر
الأمير شهاب الدين ابنُ الأمير الكبير سيف الدين نائب الشام، وأحدُ الولدين الذكرين اللذين خلفهما الأميرُ سيفُ الدين تنكز، كانا بمصر من جملة الأمراء، وكان هذا أحمد هو الصغير، والأمير ناصر الدين محمد هو الكبير، وكان أسمر طويلاً، وقد اثر الجدري في وجه.
توفي - رحمه الله تعالى - في طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
أحمد بن حامد بن عُصبة
القاضي، جمال الدين الحنبلي، قاضي بغداد.
تولى قضاء بغداد، وكان فيها بمنزلة الأستاذ إلا أن خربندا تغير عليه خاطرهُ، وتنكبَ عنه من نسيم إقباله عاطرهُ، فيقال إنه أخرق به وعزره، وكاد لولا قليلٌ أن يُرى وقد نقبَ جبنه وفزره.
ما زال في حاله إلى أن عاملته الحياة بالجفاء، وأعوزته الوقوف على ربوع الشفاء.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن علي
الإمام الحاكم بأمر الله، أبو العباس بن الأمير أبي علي القبي - بالقاف والباء الموحدة - وعلي المذكور ابن الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر الهاشمي العباسي البغدادي، قدم مصر، ونهض ببيعته الملكُ الظاهر، وبويع سنة إحدى وستين وست مئة، وخطب بالناس، وعقد بالسلطنة للملك الظاهر بيبرس.
وكان ملازماً لداره، وكان شجاعاً له إقدام، وعنده ثباتُ جنان في الحرب وإقدام، لا يفر من الحين المجتاح، ولا يرى في وسط المعركة إلا هو إلى الموت يرتاح. هذا إلى ديانة متينة وصيانة مبينة. له راتب يكفيه من غير سرف، ويُقيم أوده إذا ماد أو انخرف.
امتدت أيامه قريباً من أربعين سنة، ثم إنه عهد بالخلافة إلى ولده المستكفي بالله أبي الربيع سليمان، وكان الحاكم قد نجا في كائنة بغداد، واختفى، ثم إنه سار مع الزين صالح بن البنا والنجم بن المشا، وقصدوا أميرَ خفاجة حسين بن فلاح، وأقاموا مدّة، ثم توصلوا إلى دمشق، وأقام بالبر عند عيسى بن مهنا، فعرف به الناصر
صاحب حلب، فطلبه، وجاء هولاكو، ولما جرى ما جرى، ودخل المظفر دمشق بعد واقعة عين جالوت، بعث أميراً يطلب الحاكم، فاجتمع به وبايعه، وتسامع به عربُ الشام، فساروا معه، وآل فضل خلق، فافتتح بهم عانة وهيت والأنبار، وحارب القراؤول في سنة ثمان وخمسين وست مئة، فهزمهم، وقتل منهم ثمانية مقدمين، وأزيد من ألف، وما قُتل من عسكره سوى ستة، فأقبل التتار مع قرابغا، فتحيز الحاكم، وأقام عند ابن مهنا، ثم كاتبه طيبرس نائب دمشق، فقدمها، فبعث به إلى مصر، وصحبه الثلاثة الذين رافعوه من بغداد، فاتفق وصول المستنصر قبله إلى مصر بثلاثة أيام، فخاف الحاكم منه وتنكر، ورجع ماشياً وصحبته الزين الصالحي إلى دمشق، فاختفى بالعقيبة، ثم قصدا سلمية وصحبتهما جماعة أتراك، فقاتلهم قوم، ونجا الحاكم، وقصد الأمير البرلي، فقبل البرلي، فقبل البرلي يده وبايعه هو وأهل حلب، وساروا إلى حران فبايعه بنو تيمية بها، وصار معه نحو ألف من التركمان وغيرهم، وقصدوا عانة فصادفوا المستنصر الأسود، فعمل عليه، واستمال التركمان فخضع الحاكم وبايعه، والتقوا التتار، فانكسر المسلمون، وعدم المستنصر ونجا الحاكم، فأتى الرحبة ونزل على ابن مهنا، فكتب إلى السلطان، فطلبه، فسار إلى القاهرة، وبويع بإمرة المؤمنين، وسكن في برج القلعة ليس له في الأمر شيء
سوى الدعاء في الخطبة، وطلب له إلى مصر الإمام شرف الدين بن المقدسي، فأقام معه نحو سنة يفقهه ويعلمه ويُكتّبه، وأجاز له ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر، ولم يحدّث.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: وخرج له ابن الخباز بخطه الوحش وانتخابه العفش أربعين جزءاً بالإجازة، فبعث بذلك إلى الوراقة.
وكانت وفاته سنة إحدى وسبع مئة، في ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، ودفن بمشهد السيدة نفيسة.
وتقدم ذكر حفيده أحمد بن سليمان، وسيأتي ذكر ولده سليمان - إن شاء الله تعالى - في حرف السين مكانه.
أحمد بن الحسن
ابن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي.
قاضي القضاة، شهاب الدين أبو العباس ابن الشيخ شرف الدين ابن الحافظ جمال الدين.
كان من أعيان الحنابلة وفرسانها المُقاتلة، جيداً في ذاته، خيراً في صفاته، درّس بالصالحية وبحلقة الحنابلة، وولي الإمامة بمحرابها، وولي القضاء بالشام نحواً من ثلاثة أشهر عوضاً عن قاضي القضاة تقي الدين سليمان في سنة تسع وسبع مئة في مستهل جمادى الآخرة، ولما جاء الملك الناصر من الكرك إلى دمشق عزله، وأعاد قاضي القضاة تقي الدين سليمان.
وكان فاضلاً، فقيهاً، مناضلاً نبيهاً، حسن العبارة، إذا جرى في ميدان علمه لا يشق أحدّ غباره.
وقرا الحديث، وروى عن ابن عبد الدائم.
ولم يزل على حاله إلى أن قضى إلى سبيل ربه، وعجز المداوي عن رقاه وطبه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في تاسع عشري شهر ربيع الأولى سنة عشر وسبع مئة.
ومولده ثاني عشر صفر سنة ست وخمسين مئة بسفح قاسيون.
أحمد بن الحسن بن محمد
مجير الدين الخياط الدمشقي.
كان المذكور شيخاً خياطاً، وناظماً في ليل جهالته خباطاً، وربما ندر له البيت والبيتان، ورمى بالدرة فلقفها من أقلامه الحيتان، مع ثقل في ألفاظه، ما تنوء به أذهان حُفاظه. وكان كثير الداوى في هذا الفن، غزير الإدلال على من يسمع الحمام، وينشد قصدية قد عارضها في وزنها، ويقول: هكذا تكون الدرر في خزنها.
والبارحة ضربت المتنبي بألف بابوج، وجعلت طرطوره مثل السراقوج، وينشد قصيدة يعتقد أنها نظيرُ شعر ذاك، ويقول: هكذا تكون الجواهر في الأسلاك.
وشعره في عدة مجلدات، وليس لها نظير في بابها ولا لدات. قال لبنته المسكينة قبل موته: لا تبيعي كل مجلد من هذه بأقل من مئتي دينار، وإياك أن يغرك أحد، فيأخذها بدون هذا المقدار. فكانت بعد موته تبيع كل مجلد منها بدرهمين أو ثلاث، وتتعجب من الناس كونهم ما لهم عليها إقبال ولا انبعاث.
ولم يزل على ذلك الحال إلى أن لم يجد لمجير من الموت مجيراً، وبطل ما كان له من العادة والهجيرى.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وقد قارب السبعين أو تجاوزها.
ومن شعره، ومن خطه نقلت:
إلى كم أيها الدهر الخؤون ... أهونُ وأنت صعبٌ لا تهونُ
ثكلتك لا خليل لديك يرجى ... صفاء الود منه ولا خدينُ
ولا سكن إليه من الليالي ... إذا اضطربت حوادثها سُكونُ
لا قرنٌ من الإخوانِ دمر ... به يحمى الذمار ولا قرين
ولا تربٌ يُصابُ ولا صديقٌ ... كما لم يجتمع ضب ونونُ
فدحضا ثم تعساً ثم عثراً ... لخطوكَ أيها الصعبُ الخؤون
فيا شر الدهور إلام ظمئي ... لديك ولا معينُ ولا معينُ
أكذبُ في لئام بنيك ظني ... فتصدقني المآربُ والظنونُ
وأسمح أهلِ هذا العصرِ نفساً ... بنائلِ خيره كزضنينُ
ولست فتى على وعك الليالي ... إلى غير المهيمن أستكينُ
وإن جار الزمان فلي قناةٌ ... على غمر الحوادث لا تلينُ
لأني من بني بيتٍ رفيعٍ ... عليه تنزلُ الروحُ الأمينُ
يغر ذوي الجهالةِ في حلمّ ... إذا طاشت حلومُهم رزينُ
وما علموا بأن جبال حلمي ... لهم من خلفها مقتي كمينُ
وألفاظّ أحدُّ من المواضي ... إذا شحذت مضاربها العيونُ
ومنها:
وفي متشاعري عصري أناسٌ ... أقل صفاتِ شعرهُم الجنون
يظنون القريضَ قوامَ وزنٍ ... وقافية وما شاءت تكون
وما علموا بأنّ الشعر مرقى ... دوينَ صعوده يندى الجبينُ
وعبء لو تحمله ثبير ... لأطاله ومنه بدا الأنينُ
وبحر نهى له غورٌ بعيد ... عزيزُ فيه لؤلوه الثمين
ومضمارُ فحولُ الشعر فيه ... لهم من وعر شقتهِ صفونُ
وقافيةٌ هي الذهبُ المصفى ... إذا امُتحن بل السحُر المبينُ
معانيها الثواقبُ والقوافي ... إذا يُفزعن أبكارٌ وعين
أحمد بن حسن
الأمير شهاب الدين بن المرواني.
كان أول متولي البر بالكرك، وأخوه علاء الدين بن المرواني متولي البر بدمشق، فأعرف في وقت أنه طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، وكتب الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - على يده مطالعةً، وكتبا إلى الأمير سيف الدين بكتُمر الساقي وغيره بالشكر منه والوصية به، فأخذ الكتبَ وتوجّه بها، ولم يفتقدها إلا وهو بين يدي السلطان، فمدّ يده ليخرجَ المُطالعة، فمل يجد لها أثراً، فسقط في يده ودهش، فتلافى أمره سيف الدين بكتمر الساقي، وكتب إلى تنكز في معناه، فاستأنف المكاتبة له ثانياً، وجهزها في البريد إليه، فاقبل السلطان عليه بعد ذلك وعاد مكرماً.
وتولى نيابة بعلبك، ولم يزل فيها إلى أن طلب أخوه الأمير علاء الدين إلى مصر، وولاه السلطان الوجه القبلي، فطلبه الأمير سيف الدين تنكز من بعلبك وولاه مكانه في ولاية البر، فأقام به إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ثامن عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وسبع مئة، وكان قد توجه إلى مصر، فحضر وهو مريض.
وكان فيه دين، يتلو القرآن ويتنفل وفيه خير وعبادة.
أحمد بن زكريا بن أبي العشائر
الشيخ شهاب الدين أبو العباس المارديني.
روى الجزء الثاني من مشيخة ابن سلمة عنه. وكان مقيماً بدمشق يصحب القاضي