بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 234

وابن الصيرفي، والشيخ شمس الدين والقاسم الإربلي، وابن علاّن، وخلقٍ كثير.
وبالغ وأكثر، وقرأ بنفسه على جماعة، وانتخب ونسخ عدة أجزاء، وسنن أبي داود، ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر، مع التدين والتأله، ثم أقبل على الفقه ودقائقه، وغاص على مباحثه.
تحول به أبوه من حران إلى دمشق سنة سبع وستين وست مائة. و" تيمية " لقبٌ لجده الأعلى.
تمذهب للإمام أحمد بن حنبل، فلم يكن أحد في مذهبه أنبه ولا أنبل. وجادل وجالد شجعان أقرانه، وجدّل خصومهُ في وسط ميانه، وفرّج مضائق البحث بأداةٍ قاطعة، ونصر أقوالهُ في ظلمات الشكوك بالبراهين الساطعة، كأن السُّنة على رأس لسانه، وعلوم الأثر مساقة في حواصل جنابه، وأقوال العلماء مجلوةٌ نُصب عيانه. لم أر أنا ولا غيري مثل استحضاره، ولا مثل سبقه إلى الشواهد وسرعة إحضاره، ولا مثل عزوه الحديث إلى أصله الذي فيه نقطةُ مداره.
وأما علم الأصلين فقهاً وكلاماً، وفهماً فكان عجباً لمن يسمعه، ومُعجزاً لمن يُعد ما يأتي به أو يجمعه. يُنزل الفروع منازِلها من أصولها، ويرد القياسات إلى مآخذها من محصولها.


صفحه 235

وأما الملل والنحل، ومقالات أرباب البدع الأُول، ومعرفةُ أرباب المذاهب، وما خصوا به من الفتوحات والمواهب، فكان بحراً يتموج، وسهماً ينفذ على السواء لا يتعوج.
وأما المذاهب الأربعة فإليه في ذاك الإشارة، وعلى ما ينقله الإحاطة والإدارة. وأما نقل مذاهب السَّلف، وما حدث بعدهم من الخلف، فذاك فنُّه، وهو في وقت الحرب مجنُّه، قل أن قطعة خصُمه الذي تصدى له وانتصب، أو خلص منه مناظرهُ إلا وهو يشكو من الأين والنَّصب.
وأما التفسير فيدُه فيه طولى، وسردُه فيه يجعل العيون إليه حُولاً. إلا أنه انفرد بمسائل غريبة، ورجَّح فيها أقوالاً ضعيفة عند الجمهورُ معيبة. كاد منها يقع في هُوَّة، ويسلم منها لما عنده من النيّة المرجوة، والله يعلم قصده، وما يترجّح من الأدلة عند وما دمر عليه شيء كمسألة الزيارة، ولا شنّ عليه مثلها إغارة، دخل منها إلى القلعة مُعتقلا، وجفاه صاحبه وقلا، وما خرج منها إلا على الآلة الحدبا، ولا درج منها إلا إلى البقعة الحدبا، والتحق باللطيف الخبير، وولّى والثناء عليه كنشر العبير.
وكان ذا قلم يسابقُ البرق إذا لمع، والودق إذا همع، يُملي على المسألة الواحدة ما شاء من رأس القلم، ويكتب الكرَّاسين والثلاثة في قعدة، وجدُّ ذهنه ما كل ولا انثلم، قد تحلى بالمُحلى، وتولّى من تقليده ما تولى، فلو شاء أورده عن ظهر قلب وأتى بجملة ما فيه من الشناع والثَّلب.


صفحه 236

وضيع الزمان في ردّه على النصارى والرافضة، ومن عائد الدين أو ناقضه؛ ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم.
وكان من صغره حريصاً على الطلب، مجدّاً على التحصيل والدأب، لا يؤثرُ على الاشتغال لذة، ولا يرى أن تضيع لحظةٌ منه في البطالة فذّة، يذهلُ عن نفسه ويغيب في لذّة العلم عن حسه، لا يطلب أكلاً إلا إذا أحضر لديه، ولا يرتاحُ إلى طعام ولا شراب في أبرديه.
قيل: إن أباه وأخاه وأهله وآخرين ممن يلوذون بظله سألوه أن يروح معهم يوم سبت ليتفرج، فهرب منهم وما ألوى عليهم ولا عرج، فلما عادوا آخر النهار لاموه على تخلُّفه، وتركه لاتباعهم وما انفرده من تكلُّفه، فقال: أنتم ما نزيد لكم شيئاً ولا تجدد، وأنا حفظت في غيبتكم هذا المجلد، وكان ذلك كتاب " جنة الناظر وجنّة المناظر "، وهو مجلد صغير، وأمره شهير.
لا جرم أنه كان في أرض العلوم حارثاً وهو همام، وعلومُه كما يقول الناس تدخل معه الحّمام. هذا إلى كرم يضحك البرقُ منه على غمائمه، وجودٍ ما يصلحُ حاتمٌ أن يكون في فضِّ خاتمه، وشجاعة يفرّ منها قشورة، وإقدام يتأخر عنه عنترة. دخل على محمود غازان وكلمه كلاماً غيظاً بقوه، وأسمعه مقالاً لا تحملّه الأبوةُ من البنوّة.
وكان في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مائة، قد قام عليه جماعة من الشافعية، وأنكروا عليه كلاماً في الصفات، وأخذوا فُتياه الحموية، وردوا عليه


صفحه 237

فيها، وعملوا له مجلساً، فدافع الأفرم عنه ولم يُبلّغهم فيه أرباً، ونودي في دمشق بإبطال العقيدة الحموية، فانتصر له جاغان المشدّ، وكان قد مُنع من الكلام، ثم إنه جلس على عادته يوم الجمعة، وتكلم ثم حضر عنده قاضي القضاة إمام الدين، وبحثوا معه، وطال الأمر بينهم، ثم رجع القاضي إمام الدين وأخوه جلال الدين وقالا: من قال عن الشيخ تقي الدين شيئاً عزّرناه.
ثم إنه كُلب إلى مصر، هو والقاضي نجم الدين صَصرَى، وتوجها إلى مصر في ثاني عشر شهر رمضان سنة خمس وسبع مائة، فانتصر له الأمير سيف الدين سلاّر، وحطّ الجاشنكير عليه، وعقدوا له مجلساً انفصل على حبسه، فحُبس في خزانة البنود، ثم نقل إلى الإسكندرية في صفر سنة تسع وسبع مائة، ولم يمكن أحد من أصحابه من التوجه معه، ثم أفرج عنه وأقام بالقاهرة مُدة. ثم اعتقل أيضاً، ثم أُفرج عنه في ثامن شوال سنة تسع وسبع مائة، أخرجه الناصر لمّا ورد من الكرك، وحضر إلى دمشق، فلما كان في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبع مائة جمع الفقهاء والقضاة عند الأمير سيف الدين تنكز، وقرأ عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلق بالشيخ تقي الدين بسبب فُتياه في مسألة الطلاق، وعُوتب على فُتياه بعد المنع، وانفصل المجلس على توكيد المنع.


صفحه 238

ثم إنه في يوم الخميس ثاني عشري شهر رجب الفرد سنة عشرين وسبع مائة عُقد له مجلس بدار السعادة وعاودوه في فتيا الطلاق وحاققوه عليها، وعاتبوه لأجلها. ثم إنه حُبس بقلعة دمشق، فأقام بها إلى يوم الاثنين يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين وسبع مائة، فأخرج من القلعة بعد العصر بمرسوم السلطان، وتوجه إلى منزله. وكانت مدة سجنه خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً.
ولما كان في يوم الاثنين بعد العصر، سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبع مائة في أيام قاضي القضاة جلال الدين القزويني تكلموا معه في مسألة الزيارة، وكُتب في ذلك إلى مصر، فورد مرسومُ السلطان باعتقاله في القلعة، فلم يزل بها إلى أن مات رحمه الله تعالى في ليلة الاثنين عشري ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مائة بقلعة دمشق في القاعة التي كان بها محبوساً.
ومولده بحرّان سنة إحدى وستين وست مائة.
وأول ما اجتمعت أنا به كان في سنة ثماني عشرة، وهو بمدرسته في القصاعين بدمشق المحروسة، وسألته مسألة مشكلةً في التفسير في الإعراب، ومسألة مشكلة في الممكن والواجب، وقد ذكرت ذلك في ترجمته في تاريخي الكبير. ثم اجتمعت به بعد ذلك مرّات، وحضرت دروسه في الحنبلية، فكنت أرى منه عجباً من عجائب البرّ والبحر، ونوعاً فرداً وشكلاً غريباً وكان كثيراً ما ينشد قول ابن صردر.


صفحه 239

تموتُ النفوسُ بأوصابها ... ولم تشكُ عُوّادها ما بها
وما أنصفت مُهجةٌ تشتكي ... أذاها إلى غير أحبابها
وينشد أيضاً:
من لم يُقد ويُدسٌ في خيشومه ... رهجُ الخميس فلن يقود خميساً
رأيته في المنام بعد موته رحمه الله تعالى كأنه في جامع بني أمية، وأنا في يدي صورةُ عقيدة ابن حزم الظاهري التي ذكرها في أول كتاب المُحلَّى، وقد كتبها بخطي، وكتبت في آخرها:
وهذا نصُّ ديني واعتقادي ... وغيري ما يرى هذا يجوزُ
وقد أوقفته على ذلك، فتأملها ورآها وما تكلم بشيء.
ذكر شيء من تصانيفه

كتب التفسير
قاعدة في الاستعاذة، قاعدة في البسملة، قاعدة في قوله تعالى " إياك نعبد وإياك نستعين "، قطعة كبيرة من أول سورة البقرة، وفي قوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر " نحو ثلاثة كراريس، وفي قوله تعالى: " مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً " نحو كراسين، وفي قوله تعالى: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " سبع كراريس، وفي قوله تعالى: " إلا من سفه نفسه " كراس، آية الكرسي كراسان، وغير ذلك من سورة البقرة. "


صفحه 240

منه آيات محكمات " إلى آخرها نحو مجلد، " شهد الله أنه لا إله إلا هو " ستة كراريس، " ما أصابك من حَسَنة " عشر كراريس، وغير ذلك من سورة آل عمران.
تفسير المائدة مجلد كبير، " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة " ثلاث كراريس، " وإذا أخذ ربُّك من بني آدم " سبع كراريس، قواعد سورة يوسف، مجلد كبير، سورة النور، مجلد لطيف، سورة تبت والمعوذتين، سورة الكافرين، سورة الإخلاص، مجلد، سورة القلم، وأنها أول سورة أنزلت، تضمنت أصول الدين مجلد، سورة " لم يكن " وغير ذلك من آيات مُفّرقة.

كتب الأصول
" الاعتراضات المصرية على الفُتيا الحموية " أربع مجلدات، أملاه في الجب، " بياتُ تَلبيس الجَهميّة في تأسيس بدَعن الكلامية "، وربما سمّاه " تلخيص التلبيس من تأسيس التقديس "، " شرح أول المحصّل " للرازي، بلغ ثلاث مجلدات، شرح بضعةِ عشر مسألة من الأربعين للإمام فخر الدين الرازي، " تعارض العقل والنقل " أربع مجلدات، " جواب ما أورده كمال الدين ابن الشريشي " مجلد، " الجواب الصحيح لِمّن بدّل دين المسيح "، ثلاث مجلدات، " منهاج الاستقامة " " شرح عقيدة الأصبهاني " مجلد، " نقض الاعتراض " عليها لبعض المشارقة أربع كراريس، " شرح أول كتاب الغَزْنَوي "، مجلد، " الرد على المنطق " مجلد، ردّ آخر لطيف، " الرد على الفلاسفة " مجلدات، " قاعدة في القضايا الوهمية "، " قاعدة فيما يتناهى ومالا يتناهى "، "


صفحه 241

جواب الرسالة الصفدية "، " جواب في نقص قول الفلاسفة: إن معجزات الأنبياء قوى نفساني "، " إثبات المعاد والرد على ابن سينا "، " شرح رسالة ابن عبدوس " في كلام الإمام أحمد في الأصول، " ثبوت النبوات عقلاً ونقلاً "، و" المعجزات والكرامات "، " قاعدة في الكليات "، مجلد لطيف، " الرسالة القبرسية "، " رسالة أهل طبرستان وجَيْلان في خلق الروح والنور والأئمة المقتدى بهم "، " مسألة ما بين اللوحين كلامُ الله "، " تحقيق كلام الله لموسى "، " هل سمع جبريل كلام الله أو نقله من اللوح المحفوظ "، " الرسالة البعلبكية "، " الرسالة الأزهرية "، " القادرية "، " البغدادية "، " أجوبة الشكل والنقط "، " إبطال الكلام النفساني ": أبطله من نحو ثمانين وجهاً، " جواب مَن حلف بالطلاق الثلاث " أن القرآن حرف وصوت. وله في إثبات الصفات وإثبات العلو والاستواء مجلدات، " المراكشيّة "، " صفات الكمال والضابط فيها "، " أجوبة في مباينة الله تعالى لخلقه "، " جواب في الاستواء، وإبطال تأويله بالاستيلاء "، " جوابُ من قال لا يمكن الجمعُ بين إثبات الصفات على ظاهرها مع نفي التشبيه "، " أجوبة كونِ العرش والسموات كُرَويّة " وسبب قصد القلوب جهةَ العلو، " جواب كون الشيء في جهة العلوّ مع أنه ليس بجوهر ولا عرض معقول أو مستحيل "، " جواب هل الاستواء والنزول حقيقة، وهل لازم المذهب مذهب "، شمَّاه " الأربلية "، " مسألة النزول " واختلاف وقته باختلاف البلدان والمطالع، مجلد لطيف، " شرح حديث النزول " في أكثر من مجلد، " بيان حل إشكالات ابن حزم الواردة على الحديث "، " قاعدة في قرب الرب من عابديه وداعيه "، مجلد، " الكلام على نقض المرشدة "، " المسائل الإسكندرانية في الرد على الاتحاد والحلولية "، ما تضمنه فصوص الحكم من الكفر والإلحاد والاتحاد والحلول، " جواب في لقاء الله "، " جواب رؤية النساء رَبّهُنّ في