وأنشدني أيضاً: إجازة لنفسه الشيخ زين الدين عمر بن الوردي:
قلوبُ النّاس قاسيةٌ سِلاطُ ... وليس إلى العَليا نَشاطُ
أتنشطُ قَطُّ بعدَ وفاةِ خبرٍ جَوهَره التقاطُ
تقيُّ الدين ذو وَرَعٍ وعِلمٍ ... خُروقُ المُعضِلات به تُحاطُ
تُوفي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدّنيا انبساطُ
ولو حَضروه حين قضى لألفَوا ... مَلائِكةَ النَّعيمِ به أحاطوا
قضى نَحباً وليس له قرينٌ ... وليس يلفُّ مُشبِههُ القِماطُ
قتىً في علمه أضحى فريداً ... وحَلُّ المُشكلاتِ به يُناطُ
وكان يخافُ إبليسُ سطاه ... لوَعظِ للقلوبِ هو السِّياطُ
فيا الله ما قد ضم لَحدٌ ... ويا لله ما غطى البَلاطُ
وحَبسُ الدُّرِّ في الأصدافِ فَخرٌ ... وعِندَ الشَّيخِ بالسِّجنِ اغتباطُ
بنو تيميّةٍ كانوا فبانوا ... نجومُ العلمِ أدركها انهباطُ
ولكن يا نَدَامتَنا عليه ... فشكُّ المُلحدين به يُماطَ
إمامٌ لا ولايةٌ قطُّ عانى ... ولا وقفٌ عليه ولا رباطُ
ولا جارى الورى في كسبِ مالِ ... ولم يَشغلهُ بالناس اختلاطُ
ولولا جارى الورى في كسبِ مالٍ ... لكان به لقدرهم انحطاطُ
لقد خفيت عليّ هنا أمورٌ ... وليس يليقُ لي فيها انخراطُ
وعند الله تجتمعُ البرايا ... جميعاً وانطوى هذا البِساطُ
وقلت أنا أيضاً أرثيه:
إنّ ابنَ تيميّةَ لمّا قضى ... ضاق بأهلِ العِلمِ رَحبُ الفضا
فأيُّ بدرِ قد محاه الرَّدى ... وأيُّ بحرٍ في الثرى غُيضا
وأيّ شرِّ فتحت عينهُ ... وأيُّ خيرٍ طرفُه غُمّضا
يا وَخشَةَ السُّنَّةِ من بَعدِه ... فرَبعُها المعمورُ قد قُوِّضا
كم مَجلسٍ كان هشيماً من ال ... علم فلمّا جاءه رُوّضا
وكلُّ حَفلٍ أفقُهُ مُظَّلِمٌ ... تَراه إن وافى إليه أضا
ومُشكِلٌ لمّا دَجى ليلُه ... أعادَه يومَ هُدى أبيضا
تراه إن برهن أقواله ... فقلَّ أن تُدحَرَ أو تُدحَضا
وبحُه في مَددٍ طافحٍ ... وخصمُه في وقتِه انقضا
يودُّ لو أبلعَهُ ريقه ... وهنو بالحقِّ قد أجرضا
أغصَّه حتى غدا مُطرقاً ... مِن ندمٍ كفّيه قد عضّضا
ما كان إلا أسداً حادِراً ... أضحى له غابُ النُّهى مَربَضا
وهو يرى العِلمَ في بُردِه ... وخَصمُه قد ضمّ جَمرَ الغضا
سُبحان من سخَّر قَلبَ الورى ... لقوله طوعاً وقد قيضا
قد أجمعَ النّاسُ على حُبِّه ... ولا اعتبارَ بالذي أبغضا
كان سليمَ الصَّدرِ قد سلّم ال ... أمرَ لباريه وقد فوّضا
كم حثّ للخير وكم ذي كرى ... أيقظ من نومٍ وكم حرّضا
وأمرض الإلحادَ لمّا جلى ال ... حقّ وقلبُ الزِّيغِ قد أرمضا
وغادر الباطلَ في ظُلمَةٍ ... لمّا رأى بارقَةٌ أومضا
وهو عن الدنيا زوى نفسَه ... والله بالجنَّةِ قد عوّضا
فماله في منصبٍ رغبَةٌ ... وعزمُه في ذاك ما استنهضا
كان إذا الدّنيا له عرضت ... بزُخرفِ من نفسها أعرضا
ولو رأى ذلك ما فاته ... مناصبُ من بَعضهنَّ القضا
وبعد هذا حكُمه نافذذٌ ... في كلِّ ما قد شاءه وارتضى
بنفسه جاهدَ جهراً وكم ... سَلَّ حّساماً في الوغى وانتضى
ويوم غازان غدا عندما ... شدّدَ في القولِ ومت خفَّضا
شقَّ سواد المُغلِ زاهي الطُلا ... كالماء لما مَزقَ العَرمَضا
جاذل بل جالد مُستمسِكا ... بالحق حتى إنّه أجهَضا
ولم يكن فيه سوى أنه ... خالف أشياءَ كمن قد مضى
متبعاً فيه الدّليل الذي ... بدا ولله فيه القضا
وبعد ذا راحَ إلى ربه ... ما ادّان مِن لهوٍ ولا استقرضا
ثناؤه ما انقضَّ منه البنا ... وذِكرُه بين الورى ما انقضى
فجادَت الرَّحمةُ أرضاً ثوى ... فيها وسقَّتْها غُيوثُ الرِضى
وعلى الجملة، فكان الشيخ تقي الدين بن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم، ولم يكن في الزمان مثلهم، بل ولا قبلهم من مئة سنة، وهم الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية، والشيخ تقيُّ الدين بنُ دقيق العيد، وشيخنا العلاّمة تقيُّ السبكي. وقلت في ذلك:
ثلاثةٌ ليس لهم رابعُ ... فلا تكنْ من ذاك في شكِّ
وكُّلهم مُنتسبٌ للتُّقى ... يقصًر عنهم وصفٌ من يحكي
فإن تَشَا قلت ابن تيمية ... وابن دقيق العيد والسبكي
أحمد بن عبد الحميد
ابن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قُدامة، الشيخ المُسنِد المبارك عز الدين أبو العباس بن العماد المقدسي الصالحي.
سمع من الموفق، وموسى بن عبد القادر، وابن راجخ، وابن أبي لقمة، والبهاء، وأبي القاسم بن صَصرى، وشمس الدين أحمد البخاري، وابن عسّان، وابن الزَّبيدي.
خُرّجت له مشيخةٌ في ثلاث مجلدات، وسمعها جماعة، وظهر، له أيام التتار سماعُ مُسند أبي داود الطيالسي من الموفق.
تفرد المذكور بأشياء أسمعها، وبرواية أجزاء في سماء السماع أطلعها، وصار من أعيان أهل الإسناد، وأشياخِ الرحلة إليه من البلاد.
ولم يزل على حاله إلى أن مال من ابن العماد عموده، وحان خموده من اشتعال الشيب وجموده. توفي - رحمة الله تعالى - سنة سبع مئة.
ومولده سنة اثنتي عشرة وست مئة بالجبل.
أحمد بن عبد الدائم
ابن يوسف بن قاسم بن عبد الله بن عبد الخالق بن ساهل أمره شهاب الدين الكناني الشارمساحي، أبو يوسف.
كان هجاماً هجا، وجاماً للأعراض رجا، أبى إلى دمشق في أيام القاضي الخوئي فيما أظن، ودفع إليه ورقة فيها هجوه، فلما رآها دفعها إليه وأعادها عليه، فردها إليه ثانياً، فقال: يا مولانا كأنك ذاهل؟ فقال: بل عالم غير جاهل، فقال: ما الذي حملك على هذا؟ قال: رأيت الناس قد أجمعوا على كرهك، ووفود الشعراء على حرمك، ولست مجيداً في النظم فأعرف، واسمي أحمد فما أصرف، ولو مدحتك أعطيتني قليلاً ولم يعلم بي أحد، ولم يكن لي في الشهرة مُلتَحَد، فإذا هجوتك عَزرتني، وطوّفت بي وشهرتني، فيقال: هذا الذي هجا قاضي القضاة، وقابله بما لا ارتضاه، فأحس القاضي رحمه الله تعالى صِلَتَه وأسناها، وعلم أن هذا له طِباعٌ لا ينتهي عن الشر ولا يتناهى.
ولمّا عُزل القاضي شمس الدين محمد بن عدلان عن القضاء عند ورد الملك الناصر
من الكرك، صنع قصيدة، فتح فيها من الخجو القبيح وصيدَه، فاجتمع به وقال له: يا سيّدنا.
والله ما سرَّني عزلُ ابنِ عدلان.
فقال له الشيخ شمس الدين: حاشاكم يا مولانا جزاكم الله خيراً، فقال: من غير صَفعٍ ولا والله أرضاني.
فقال: قبَحك الله يا نَجِس. وله تلك القصيدة التي أولها:
متى يسمعُ السلطانُ شكوى المدارس ... وأوقافُها ما بين عافٍ ودارس
وكان الشيخ العلاّمة أثير الدين قد توجَّه إلى الإسكندرية، فوقع الشَّناعُ أنه غرق في النيل، ودفن بقربه " بولة " وهي قرية على شاطئ النيل، فقال أبياتاً منها:
وقَد دَفنوا ذلك الخراء ببولةٍ ... وحُقً لذاك المَيتِ تلك المقابرُ
أنشدني من لفظه لنفسه شيخنا العلاّمة أبو حّيان، قال: أنشدني المذكور لنفسه بدمياط سنة أربع وتسعين من قصيدة:
فُحَجّبةً بين التَّرائب والحَشا ... فدمعي لها طلقٌ وقلبي بها رَهنُ
وحالُ الهوى ما ليس يُدرَك كُنههُ ... وهل هو وهمٌ يعتري القلب أو وهن
ومسلكُه بالطَّرفِ سَهلٌ وإنما ... له مَنهَج أعيا القُلوبَ به حُزنُ
لديه الأماني بالمنايا مَشُوَبةٌ ... وفيه الرّجا والخوفُ واليأسُ والأمنُ
وكم مَهلَكٍ فيه يقينٌ لعاشقٍ ... ومَطلبُه من دونهِ في الورى ظنٌ
وبالسند المذكور أيضاً قوله:
تَخشى الظُّبى والظَّبا من فتكِ ناظره ... وإن تثنى فلا تسأل عن الأسلِ
ولا وَاخذَ الله عينيه فقه نشطت ... إلى تلاقي وفيها غايَةُ الكَسَلِ
ترمي القلوبَ فما تدري أقامَها ... هاروتُ أم ذاك رامٍ من بني ثُعَلِ
هذا الغزالُ الذي راقت محاسنُه ... فلا عجيبٌ عليه رقَّةُ الغَزَلِ
لما تواليتُ مِن وَجدٍ ومِن شغفٍ ... تَحقَّقَ النّاسُ أني مُغرَمٌ بعَلي
وبالسند المذكور أيضاً قوله:
لا تعجبوا للمجانيقِ التي رَشقت ... عكّا بنارٍ وهدَّتها بأحجَارِ
بل اعجبوا للسانِ النار قائلة ... هدي منازلُ أهلِ النَّارِ في النَّارِ
قلت: أحسنُ منه ما أنشدنيه لنفسه شخنا العلاّمة أبو الثناء محمود:
مررتُ بعكا عِند تَعليقِ سُورها ... وزندُ أوارِ النَّارِ مِن تحتها وارِ
فعاينتها بعد التنصُّرِ قد غَدَت ... مَجوسيّة الأحجارِ تَسجُدُ للنَّارِ
قلت: وعلى الجملة فكان الشارمساحي شاعراً جيداً.
ولم يزل يمدح ويهجو ويسنح ويرجو إلى أن سكنت شقاشقُه، وركنت إلى الخَرَسِ رواشقُه، توفي رحمه الله تعالى في حدود العشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة.
أحمد بن عبد الرحمن
ابن عبد المؤمن بن أبي الفتح المقدسي، الشيخ الصالح المسند المقرئ تقي الدين أبو العباس الصُّوري ثم الصالحي الحنبلي.
سمع حضوراً من الموفق، وهو خاتمة أصحابه، ومن ابن أبي لقمة، وابن صصرى، والقزويني، والبهاء عبد الرحمن، وابن الزُبيدي، وخرَّج أبو عمُرو المقاتلي له مشيخةُ.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: سمعناها منه خاصّة.
وحدّث عنه ابن الخبّاز في حياة ابن عبد الدائم والبرزالي والوافي والمقاتلي وابن المحب وآخرون.
وقد روى المذكور فأكثر، وأسند عن جماعة، فأثّل في السند وأثّر.
ولم يزل على ذلك النهج، والإضاءة والرَّهج، إلى أن أصبح هامداً، ونقله حامِله إلى ضريحه عامداً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وسبع مئة، وعاش أربعاً وثمانين سنة من العمر.
أحمد بن عبد الرحمن
بن ابراهيم
الهكَاري الصَرخدي ثم الصالحي القواس المُسند المعمر، شهاب الدين سمع من خطيب مرادا وغيره.
وسمع الناسُ منه لمّا تحققوا من خيره.
كان فيه دين، ولم يُر منه ما يَشين.