وبالسند المذكور أيضاً قوله:
تَخشى الظُّبى والظَّبا من فتكِ ناظره ... وإن تثنى فلا تسأل عن الأسلِ
ولا وَاخذَ الله عينيه فقه نشطت ... إلى تلاقي وفيها غايَةُ الكَسَلِ
ترمي القلوبَ فما تدري أقامَها ... هاروتُ أم ذاك رامٍ من بني ثُعَلِ
هذا الغزالُ الذي راقت محاسنُه ... فلا عجيبٌ عليه رقَّةُ الغَزَلِ
لما تواليتُ مِن وَجدٍ ومِن شغفٍ ... تَحقَّقَ النّاسُ أني مُغرَمٌ بعَلي
وبالسند المذكور أيضاً قوله:
لا تعجبوا للمجانيقِ التي رَشقت ... عكّا بنارٍ وهدَّتها بأحجَارِ
بل اعجبوا للسانِ النار قائلة ... هدي منازلُ أهلِ النَّارِ في النَّارِ
قلت: أحسنُ منه ما أنشدنيه لنفسه شخنا العلاّمة أبو الثناء محمود:
مررتُ بعكا عِند تَعليقِ سُورها ... وزندُ أوارِ النَّارِ مِن تحتها وارِ
فعاينتها بعد التنصُّرِ قد غَدَت ... مَجوسيّة الأحجارِ تَسجُدُ للنَّارِ
قلت: وعلى الجملة فكان الشارمساحي شاعراً جيداً.
ولم يزل يمدح ويهجو ويسنح ويرجو إلى أن سكنت شقاشقُه، وركنت إلى الخَرَسِ رواشقُه، توفي رحمه الله تعالى في حدود العشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة.
أحمد بن عبد الرحمن
ابن عبد المؤمن بن أبي الفتح المقدسي، الشيخ الصالح المسند المقرئ تقي الدين أبو العباس الصُّوري ثم الصالحي الحنبلي.
سمع حضوراً من الموفق، وهو خاتمة أصحابه، ومن ابن أبي لقمة، وابن صصرى، والقزويني، والبهاء عبد الرحمن، وابن الزُبيدي، وخرَّج أبو عمُرو المقاتلي له مشيخةُ.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: سمعناها منه خاصّة.
وحدّث عنه ابن الخبّاز في حياة ابن عبد الدائم والبرزالي والوافي والمقاتلي وابن المحب وآخرون.
وقد روى المذكور فأكثر، وأسند عن جماعة، فأثّل في السند وأثّر.
ولم يزل على ذلك النهج، والإضاءة والرَّهج، إلى أن أصبح هامداً، ونقله حامِله إلى ضريحه عامداً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وسبع مئة، وعاش أربعاً وثمانين سنة من العمر.
أحمد بن عبد الرحمن
بن ابراهيم
الهكَاري الصَرخدي ثم الصالحي القواس المُسند المعمر، شهاب الدين سمع من خطيب مرادا وغيره.
وسمع الناسُ منه لمّا تحققوا من خيره.
كان فيه دين، ولم يُر منه ما يَشين.
ولم يزل يسمع، ويلين جانبه للطلبة ويطمع إلى أن أصاب القواس سهم الموت وصرخ بالصرخدي داعي الفوت.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وسبع مئة وعاش تسعين سنة.
أحمد بن عبد الرحمن
ابن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور: الشيخ الإمام العابر الأعجوبة في هذا الفن شهابُ الدين المقدسي النابلسي الحنبلي مُفسَّر المنامات.
سمع من عّمه التقي يوسف سنة ست وثلاثين، ومن الصاحب محيي الدين بن الجوزي، وسمع بمصر من ابن زواج، والساوي، وابن الخمّيري وبالإسكندرية من السَّبط، وروى الكثير بالقاهرة.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي سمعنا منه أجزاء، وكان عارفاً بالمذهب، وذكر التدريس بالجوزيّة لما قدمَ علينا ونزل بها. وقال: حدثني الشيخ تقي الدين بن تيمية أن الشهاب العابر كان له رئيِّ من الجن يخبره عن المغيّبات. ورجل كان صاحب أوراد وصلاة ومقامات.
قلت: وكان وافر الحُرقة لا تعرف له جرمة، للناس فيه عقائد، وهو إلى الخير قائد، وله عمر الطِّبرس المجنونة التي بجانب الفيل ظاهر القاهرة، وهي في مكانها ظاهرة.
أنشدني بعضهم قال: أنشدنا ابن الصَّاحب الماجن الذي كان بالقاهرة لما عمر الطِّبرسُ المجنونة:
ولقد عجبت من الطِّبرس وصحبه ... وعقولهم بعقود مفتونه
عقدوا عقوداً لا تصح لأنهم ... عقدوا لمجنونٍ على مَجنونه
وعزم الأمير الذكور عليها جُملةً، وحباه من الدراهم حملةً، وجعله بها مقيماً، وأظهر هو من فضله في كهفها رقيماً، وكان في تعبير الرؤيا آية، وفي الكلام عليها غاية، لم أسمع بمثل كلامه على المنام إذا فسَّره، ولا أدري ما الذي أدّاه إلى تلك العجائب وجسِّره، وكان غالب الناس يعدّ ذلك من باب الكرامات، لا من باب تأويل المنامات، وبعضهم يقول: نجامة أو كهانة، وبعضهم يقول: قوةٌ في النفس لا مهانة، لأنه ربما قال لصاحب الرؤيا أخباراً ماضية ومستقبله، وأحوالاً كان صاحب الرؤيا منها في غفلة أوبله، حتى يتعجب السامع ويهوله هذا الفيض الهامع، وقام له بدمشق سوق، وأما القاهرة فيكاد يركب فيها بالعَلم والبُوق، إلى أن رُسم بتحويله منها وإبعاده عنها، فأقام بدمشق على حاله مفخَّمة، ورتبةٍ في النفوس مُعظمة، إلى أن أصبح العابر غابراً، والمكاثر في تعظيمه لمصابه مكابراً.
أخبرني الحافظ أبو الفتح اليعمري قال: كنت عنده يوماً. فجاءه إنسان
وقال: رأيت كأني قد صرت أترُجَّة. فقال. فقال: أترّجه، أت ر ج هـ، وعدها على أصابعه خمسة أحرف، وقال لصاحب الرؤيا: أنت تموت بعد خمسة أيام، قال فقال لي بعض من حضر، ذكره هو وأنسيته أنا: القاعدةُ عند أرباب التعبير أنه من رأى أنه صار ثمرة تؤكل فإنه يموت، وهذه زيادة من عنده، يعني عَدّ حروف الأترجَّة.
وأخبرني الشيخ الحافظ علاءُ الدّين مغلطاي شيخ الحديث بالظاهرية بين القصرين قال: جاء إليه إنسان فقال: رأيت في منامي قائلاً يقول: إشرب شراب الهكاري، ففكر ساعة وقال: أنت فؤادك يؤلمك، قال: نعم: قال اشرب لك عسلاً تبرأ، قال: فقيل له: من أين لك ذلك؟ قال: فكرت في أنهم يقولون: شراب ديناري كذا، شراب كذا؛ شراب كذا، فلم أجد لهم شراباً يوصف بالهكاري، فرجعت إلى الحروف فوجدتها شراب الهك أري، والأري هو العسل وذكرت الحديث " كذب عليك العسل " أو كما قال وهذا ذكاءٌ مفرط وذهن يشوب التعجب بالتحيّر ويخلط.
وحكى لي عنه القاضي بهاء الدين أبو بكر ابن غانم موقع صفد وطرابلس قال: كنا عنده بدمشق وجاء إليه اثنان، فقال أحدهما: رأيت رؤيا، وقصّها، فقال: ما رأيت شيئاً وإنما تريد الامتحان، فخرجا بعدما اعترفا، فقلنا له: من أين لك هذا؟ قال لما تكلم رأيت في ذيل أحدهما نقطة دم فذكرت الآية: " وجاؤوا على
قميصه بمٍ كذبٍ ". فاتفق أن رأيت أحدهما فيما بعد فسألته عن القضية، فقال: لما اجتزنا عليه ذكرنا أمره الغريب، وقلنا: نمتحنه وصنعنا رؤيا للوقت، فكان ما سمعت فقلت له: إنه قال: كذا وكذا فقال: صدق ونحن داخاون إليكم كان إنسان في الطريق يذبح فروجاً، فرمي به فلوثنا الدم.
وحكى لي عنه أيضاً قال: جاء إليه إنسان وقال: رأيت كأن في داري شجرة يقطين قد نبتت، فقال له: أعندك جارية غير الزوجة؟ قال: نعم، قال: يعني إياها، فقال: ما هذا؟ قال: الذي تسمعه، قال: إنها ملك زوجتي، قال: فقل لها تبيعني إياها، فراح وعاد يقول: إنها لم تبعها، فقال: تكسب مئتي درهم، فعاد وقال: لم تبعها، فألح عليها فقال: إنها لم تبعها، فقال: أما الآن فقد آن تعبير رؤياك، امض إلى هذه الجارية واعتبرها، فتوجه وعاد وقال: إنه كان عبداً وزوجتي تكتمني أمره وتلبسه لباس النساء.
وأخبرني غير واحد عنه أنه جاء إليه إنسان وقال له: رأيت كأني قد وضعت رجلي على رأسي، فقال له: أفسر لك هذه الرؤيا بيني وبينك أو في الظاهر؟ فقال بل في الظاهر، فقال له: أنت من ليالٍ شربت الخمر وسكرت ووطئت أمك فاستحيا ومضى.
وعندي عنه من هذا جملة وافرة، وأخبار على التعجب من أمره متضافرة، يضيق عنه الوقت ويؤدي سرده بعد المقة إلى المقت.
وأما خروجه من مصر، فأخبرني الشيخ الإمام الفاضل شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري عن علم الدين بن أبي خليفة رئيس الأطباء بمصر حكاية أخبره بها شخص من الهند، هي أغرب من سائر أمور شهاب الدين العابر وأعجب، ذِكرُها يهوّل العقل وأمرها ما يصدّقه أهل النقل.
وتوفي شهاب الدين رحمه الله تعالى في سنة سبع وتسعين وست مئة تاسع عشري ذي القعدة، وحضر جنازته ملك الأمراء وغيره من القضاة والأكابر.
وكانت واقعته في مصر وخروجه منها في ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وست مئة.
أحمد بن عبد الرحمن
بن رواحة
نُور الدين الأنصاري الحموي الكاتب، كتب الإنشاء بطرابلس والفتوحات لما تولّى الأمير سيف الدين أسنَدْمَرُ نيابة طرابلس عزل نور الدين هذا وجعل أمره في طرابلس جُذَاذاً، وولّى مكانه تور الدين بن المغيزل، فتوفي بعد شهور، وأعيد النور بعد النور، واستمر في مكانه إلى بعض سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، فرُتِّبَ عِوَضه ابن مقبل الحمصي، وعاد ابن رواحة إلى حماة، واستقر في أصل مخرجه ومنتماه، ولم يزل بها حتى طفِئ نوره، وبُهت لأمره حضوره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة سادس عشر شعبان.
أحمد بن عبد الرحمن
الشيخ الإمام الخطيب ابن العَجَمي خطيب جامع حلب.
اجتمعت به في حلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وأراني إجازة العلامة شيخنا شهاب الدين أبي الثناء لأخيه عبد المؤمن وهي بخطّه نظمّ ونثر، وقد أثنى عليه وعلى فضائله، وبرهن على شاهده، بنظم دلائله، وساقه في عداد الأدباء السّادة، والقالة القادة، وخطُّه يزري بوشي صَنْعَا، وحروفه تفوق النجوم جَمعَا، وطروسُه غادةٌ بالسطور فرعاً. وهو أخو الشيخ عز الدين بن عبد المؤمن، وسيأتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى.
لم يزل شمسُ الدين المذكور في دَرَج منبره، ويلتقط الناس درَّه من معبره، إلى أن كسف شمسه وضمه رمسه، وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله
الشيخ الإمام المفتي القاضي شهاب الدين فارس الظاهري الشافعي، أحَد المفتين والمدّرسين بدمشق.
أخذ العلم عن الشيخ برهان الدين الفزاري وغيره.
ولي قضاء الركب الحجازي مرات، وبرَّد شوقه برمي الجمرات، وكان حَسَن المحاضرة، لَسِنَ المذاكرة، قديم الهجرة في العلم، رأى أولئك السادة القدماء أهل الحلم،