قال شيخنا البرزالي: وروى لنا عن ابن المقير الأربعين للحاكم قرأتها ببعلبك، وسمع أيضاً من ابن رواحة في أول سنة إحدى وعشرين وست مئة وسمع من الشرف المرسي، وغيرهم، ولزم المسجد في آخر عمره والعبادة.
وكان حسن السمت كثير المروءة، ديِّناً عفيفاً.
توفي رحمه الله تعالى في ثالث شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وست مئة.
أحمد بن عثمان
الأديب النظّام شهاب الدين الأمشاطي.
كان ينظم الشعر القريض، وهو فيه ذو طرفٍ غضيض، ولكنه في الأزجال والموشحات وما يحتاج الأدباء فيه إلى رأي العوام من الزيلجات قيّم في وقته بالشام، يعظمه أرباب هذا الفن بشهادة الحكام، أخذ على ذلك دراهم، واستعمل بها لحراجاتهم مراهم، لعب مراتٍ وغَلَب، ونُودي له بقيّم الشام من دمشق إلى حلب، وكان له قدره لنظمه الشعر، فإنه به غَلالة الشعر.
ولم يزل على حاله إلى أن سُرحَ الأمشاطي إلى البرزخ، وأقام به إلى يوم القيامة مرسىً ومرشح.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأول من شهر رمضان سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ومات في عشر الستين.
وكتب عنه ابن طغريل.
ومن شعره:
وفتَّاكِ اللواحظ بعد هَجرٍ ... حنا كرماً وأنعم بالمزار
وظل نهاره يرمي بقلبي ... سهاماً من جفونٍ كالشفار
وعند النوم قلت لمقلتيه ... وحكم النوم في الأجفان جار
تعالى من توفاكم بليلٍ ... ويعلم ما جرحتم بالنَهارِ
وكان الأمشاكي قد نظم هو وابن مقاتل زجلين، فقطع أرباب فنّهما للأمشاطي بأنه الغالب، وابن مقاتل يدعي أنه سافر إلى مصر وأخذ خطَّ الشيخ صدر الدين بن الوكيل وخط شخنا أثير الدين وغيرهما من المصريين بأنه هو الغالب والأمشاطي رحمه الله تعالى.
لك خَدْيا أح مذ حاز مُلح ... روضو اصطبح فيه واغتبق
خال من سبح أسبى المهج ... زهرٌ خرج وأظهرُ فَرج
من هام بيه ليسَ يُلاَمْ
مُعَيشِقي النادر ... ليس في الملاح ندُّو
وجهو المضي الزاهر ... يدر الكمال عبدو
ولو قوام ناضر ... في اللين أخذ حَدُّو
قام في الرياض خاطر ... رأى الغُصِين قدّو
عليه رَجَح مات وانطرح ... لما افتضح وفي الورق
صار مندرج ومُندمج ... وراح همج من العِوَج
حين قام ذاك القوام
جيت في الملامح نَدرة ... مطبوع حلو سُكّر
لك جفن بالكسرَة ... على الملاح يُنصَر
والريق لنا سَكرّة ... آه لو نطيق نسكرِ
وخد فيه خُضرَة ... أبيض شريق أحمر
نُورو اتضح لِمن لُمح ... كِنّو قَدَح رَاقَ للحدَق
صَفَا نتج لمّا ابتهج ... نار دون وهج أو امتزج
والتام ماء والمدَام
صادفت من عزَّر ... هجري في وَحد اليوم
دَنَا رقيق أصفر بحال هلال الصوم
شكيت لو كم نسهر ... قال لي: اكتحل بالنوم
فناديت وقد أبحر ... دمعي ولي فيه عوم
يا من قداح رق وجرح ... وما صفح ولي شُقَق
سُقمي نسج من صار نهج ... وَك مُتَّهج وفي لُجَج
قد عام كيف لو مُنام
ظهرَ وكان يخفي ... عني وصال حُبّي
وارتدَّ عن خُلفي ... ومال إلى قُربي
نحمد ونشكر ونشكر في ... كل الأمور ربّي
فقرَّ يا طرفي ... والتَذّ يا قلبي
وابدي الفرح واخفي الترح ... أمرك نجح كم بالقلق
تعمل حجج وتنزعج ... جاد بالفرج بعد الحرج
قسَّام رزق الأنام
معك قوَّام أرشق ... من الغصن وأنضرُ
بليل شعرو أورق ... وبالقمر أثمر
وخذ رُزضُوا عبق ... جنّانُو خال عبر
وكل من حقق ... في طلعتك يبصَر
لك خديا أح مذ حاز مُلح ... روضوا اصطبح فيه واغتبق
خال من سَبَح أسبى المهج ... زهرُ وخرج وأظهر فَرج
من هام بيه ليس يلام
والذي نظمه علاء الدين بن مقاتل:
طرفي لمح بدر اتضح ... لي فيه مُلَح ماعو حَدق
إذا اختلج فيها الدعج ... يسبي المهج ولو نسج
رَقام عذارو لام
جل الإله منشيه ... من بعض اياتُو
خَدّو المضرج فيه ... نارُو وجَنَّاتُو
والورد كاد يبديه ... في غير أوقاتو
ومن جنا عينيه ... لمى في وجناتو
وردُو اتّفح نشرُو انفضح ... وفيه نضح طلَّ العرق
وامتزج ذاك الوهج ... من الضَرَج فاح لو أرَج
نّمام على الخزام
واعظ هويت وعظوُ ... والخطبة والإنشاد
والختمة من حفظو ... والدرس والإسناد
ومزدوج لفظو ... قد أفرد العُبّاد
شبّهو من حَظوّ ... في ليلة الميعاد
حين قال صح في ما شرح ... وقد فَضَح لما نطق
بالمزدوج وابتهج ... وقد عَرَج على الدرج
وانقام بدر التمام
محبوبو لما احرَف ... عنُّو لشومِ قسمُو
سَقمو عليه أسرف ... حتّي محا رسمُو
وما بقي يُعرف ... مِنّو سوى إسمو
وعلى الممات أشرف ... ومن نحول جِسمُو
قد صار سَبَح ولا برح ... ولا انتزح عَّمن عشق
ولا انحرج ولا انزعج ... لو اندرج واندمج
لا لام ولا يُلام
سمع بأوصافي ... وما رويت عنّو
عمل على إنصافي ... ووصلي صار فنُّو
وعيشنا الصافي ... زال الكدَر عنّو
مع حظي الوافي ... وما احلا ما إنّو
معي مَزَح ولي فتح ... باب الفرح وقد غلق
باب الحرج وللفرج ... معي درج وجا الفر
والتام حفظ الذمام
ما ذي الملاّح إلا ... فتنة لمن يعشق
الله لهم حلَّى ... بالبهجة والرونق
بحالهم أصلاً ... في الجنة ليس يخلق
فكيف نطيق نسلا ... عنهم وفي جلَّق
طرفي لمح بَدرَ اتضح ... في فيه مُلح ما عُو حَدَق
إذا اختلج فيها الدعج ... يسبي المهج ولو نَسجَ
رقّام عذارو لاَم
قلت: أنا أحاشي الشيخ صدر الدين والشيخ أثير الدين رحمهما الله تعالى أن يكونا حكماً لابن مقاتل على الأمشاطي، وابن مقاتل قد جاء معه عدة عيوب منها قوله " جنا عينيه " مع قوله " منشية ومبدية "، وهذا لا يجوز قريضاً ولا زجلاً، ومنها قطع همزة الوصل وهو غير جائز عند الزجّالة، ويسمون مثل هذا: " ركبة "، ومنها أنه ذكر الواعظ وما لذكره هنا بمعنى، لأنهما ما تفقا على أن ينظما في واعظ، هذا إلى غير هذه الأشياء من العيوب.
أحمد بن عسكر بن شدّاد
الفقيه الفاضل كمال الدين.
كان رجلاً صالحاً فقيهاً نبيهاً متقشفاً مقلاً من الدنيا.
سمع كثيراً مع شيخه ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسر، وغيرهما.
وحدَّث وحجَّ غير مرة، وكان يسافر إلى القدس ماشياً كلَّ سنة.
توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة اثنتين وسبع مئة. وحضر جنازته القضاةُ والعلماء.
أحمد بن علي بن عبد الوهاب
ابن يوسف بن منجا، شهاب الدين الأدفوي.
كان من الأذكياء العقلا، والدَّينةِ النبلا، صدوق اللهجة، ظاهرَ الوضاءة من الخير والبهجة، تفقه للشافعي، وقرأ النحو، وكان فهماً ذكياً ذا همة، وقريحة تخلو له الليالي المدلهمة، وفيه صدقه وبِرّ، وإخلاصُ باطنٍ وسِرّ، وإكرامٌ للفقراء والصالحين والضيوف الواردين.
حضر إلى القاهرة، وشرع في حفظ التسهيل، فقرأ منه القليل، ونزل به حادث المنايا، ووارث الرزايا.
وتوفي بالمدرسة الصالحية في صفر سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
أحمد بن علي بن عبد الله
ابن أبي البدر. المحدث جمال الدين أبو بكر البغدادي القلانسي.
كان مفيد بغداد، عُني بالرواية وهو ابن عشرين سنة، وسمع الكثير من عبد الصمد، ومحمد بن أبي الدينَّة وابن بلدخي وعدَّه. وخرّج وأفاد، وكتب وروى قليلاً.
وحدّث عنه التقي محمد بن محمود الكرخي وابنه أحمد، وأحمد بن عبد الغني الوفاياتي، وعبد الله بن سليمان الغراد، ومحمد بن يوسف بن منكلي.
وكان صدوقاً فما يدَّعيه وما يقوله ويعيه.
لم يزل يفيد ويطلب، ويزيد ويكتب عن المشايخ في الإجازات، ويكتب ما في الجزازات، إلى أن باخ جمره، وأناخ عليه بكلكله دهره.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وسبع مئة.
ومولده في جمادى الآخرة سنة أربعين وست مئة
أحمد بن علي بن هبة الله
شمس الدين بن السّديد الإسنائي الشافعي.
قرأ الفقه على الشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي، وتولى الخطابو بإسنا، وناب بها في الحكم وبأدفُو بقوص، ودرس بها، وبنى بها مدرسة، ووقف عليها أملاكاً جيَّدة، ووقف على الفقراء.
وكان قويَّ النّفس يبذل الألوف ليقهر أعداءه ويذيقهم الحتوف، محافظاً على الرياسة ملازماً لطريق الخدمة للأكابر والسياسة، واقفاً مع هواه لا يحذر من مَهوَاه، مُمدَّحاً معطاءً مَهيباً، واجداً بالتقدم في الدنيا وجد المتيَّم إذا رأى حبيباً، انصرف