على العادة، إلا أنه كان كثير العبادة، يسرد الصوم إرادَه، مع أورّادَهُ، ويكفل الأيتام ويزين خنصر البر بخَيتَام، وطال عمره، وتفرد برواية أشياء، وألحق بالأموات الأحُيَاء.
ولم يزل على حاله إلى أن " أخنى عليه الذي أخنى على لُبَد " وعَدم الرواة عنده من الزّبَد.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده في أحد الربيعين ست وثلاثين وست مئة.
أحمد بن علي بن الزبير
ابن سليمان بن مظفر: القاضي الفقيه شمس الدين أبو العباس الجيلي أبُوه، الدمشقي الشافعي الشاهد من صوفة الطواويس.
سمع مجلدين من " سنن البيهقي " من ابن الصلاح.
وروى عنه سائر من طلب ورحل الناس إليه حتى من حلب.
وكان ديّناً منطبعاً، نازلاً بأكناف التلاوة متربعاً، حسن المنادمة حتى حص الإقلاق خوافيه وقوادمه، ولم يزل على ذلك إلى أن غُصَّ بالحِمام وما وفي له الأمل بالذمام.
وتوفي رحمه تعالى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة.
أحمد بن علي بن نصر بن عمر
فخر الدين السوسي المصري الشافعي، نزيل القاهرة.
كان فقيهاً بارعاً في الأدب، حَسَن الخلق، مليح المحاضرة، محبوباً إلى الناس، له النظم والنثر.
توفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة ودفن بالقاهرة وله ثلاثون سنة.
ومن شعره:
شكت دارها فعل الهوى بقطينها ... وما استبدلته العَينُ من بعد عينِها
وكثرة أنصار النوى وانفرادها ... فأنجدتُها مِن غبرتي بكمينها
وما ادّخرت عيني مياهَ شؤونها ... لشيء سوى إنفاقه في شؤونها
جزاءً وفاقاً لو قنعت بنظرةٍ ... من الشمس لم يُرمِدكَ ضوءُ جبينها
أعد نظراً فالحسن في الكون كله ... مُعَارٌ له من كاف ليلى ونونها
يعانِقُك الغصن الرطيب بقدّها ... وتَسبيك غزلان النقا بعيونها
وقد حاق فيك السحر من ظبَياتها ... وقد ملت سكراً عند مَيل غصونها
فهل غيرُ ليلى فاعلٌ فيك فِعلَها ... إذن لست في دعوى الهوى بأمينها
وما شهد العشاق غيرَ جمالها ... ولا دانَ من دين الهوى غير دينها
ولا خَرِسُوا إلاّ لهيبة حسنها ... ولا نطقوا إلا بفضل فنونها
ولا دارَ في أفهامهم وعقولهم ... من السحر شيء غير سحر جفونها
ومن شرطها أن لا ينال محبُّها ... مُنى وصلها ما عاف طعم منُونها
ولا تكتفي من نُدَّعٍ فرط حُبّها ... بدعوى ولا أن أكِّدت بيمينها
لها شاهد منها تميَّزَ عندها ... صدوقُ الدعاوى في الهوى من ظَنينُها
فقم صادقاً أو نم فللحب أهله ... وبه زلفاً بيضَ الليالي بجونها
وها كلمات في النصيحة من فتىً ... فصيح بألفاظ العِظات مُبينها
خذ العفو ممن تصطفيه ولا تسل ... عن الغيب واعرف خلة بقرينها
وأخرى أضاء الحق في جنباتها ... وخرَّقَ ليلَ الشك صبحُ جبينها
إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن ... على حاله إلا رضيت بدونها
أحمد بن علي بن محمد
بن سلمان بن حمائل
القاضي الفاضل الكاتب البليغ الناظم الناثر، نجم الدين أبو العباس ابن الشيخ علاء الدين بن غانم.
أحد كتاب الإنشاء بدمشق، وسيأتي ذكر جماعة من أهل بيته كل منهم في مكانه.
كان القاضي نجم الدين هذا أكبر من أخيه القاضي جمال الدين عبد الله الآتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى، ولكنه لم يتفق له الدخول إلى ديوان الإنشاء إلا بعد أخيه جمال الدين عبد الله بمدة، وكان نجم الدين ينظم القريض غيدَّعي سامعُهُ أنه أنقُ من الروض الأريض، وأنه للطافته يأسو به القلب المريض، وتنظر الزهر الثواقب إلى زهرة الغض بطرفٍ غضيض، ويكتب فيوشِّي برود المهارق بقلمه ويرصع تيجان الطروس بجواهر كلمه، كأنما طروسُه وجتات طرّز وردها أسُ العذرار أو قطعٌ من الليل الداجي جرت فيها أنهارٌ من النهار:
زهراء أحلى في النفوس من المنى ... وألذّ من ريق الأحبّة في الفمِ
وكان دخوله في الديوان بعد موت والده رحمهما الله تعالى في سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة.
جاء إلى مصر وتوصّل بالأمير بدر الدين بن الخطير وتنجَّز له توقيعاً من السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأقام إلى أن حضر القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء بدمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز، فجرت له معه كائنة خرج بسببها من الديوان، ثم إنه توجه إلى مصر وعاد بتوقيع ثان في زمن الملك الصالح إسماعيل.
وقد خرج القاضي شهاب الدين بن فضل الله وعزل، ولم يزل نجم الدين المذكور يكتب في ديوان الإنشاء إلى أن توجه في شهر رمضان سنة ثمانٍ وخمسين وسبع مئة إلى
ثغر بيروت لضبط متحصل الموقَّعين من الميناء. فأقام بها تارة يمرض إلى أن مات بعِلَّة الذَّربِ في أوائل ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، ولم يخلف ابناً غير ابنةٍ صغيرة عمرها تقدير سبعة أشهر.
وكنت قد كتبتُ إليه وأنا بمرج الغسُّوبلة:
مولاي نجم الدين يا من فضله ... قد عمَّني بخصائص الإحسانِ
أوحشتني في سفرة قضَّيتُها ... بالمرجِ منفرداً عن الخلان
فبكيتُ لما أن ذكرتك بالدِّمَا ... حتى مَلأتُ المَرجَ بالمرجان
فكتب هو الجواب إليَّ عن ذلك:
شوقي صلاحَ الدين نحوك لم يزل ... مع فرط وجدي آخذاً بعناني
أوحشت عيني منذ سِرت ولم تزل ... والله يا مولاي نصب عياني
راسلتني بلطائف يا حُسنها ... هي في الضمير رسائلُ الإخوانِ
لا كان هذا المرجُ أجرى عبرتي ... في الخد كالبحرين يلتقيان
لما بكيتُ الخلّ صار الدمع في ... عنق المحب " قلائد العقيان "
وكتبتُ أنا إليه وقد انقطع من الديوان:
أمولاي نجم الدين أوحشت خاطراً ... لبعدك بعد القرب والأنسُ دائبُ
فنار الجوى لم يطفِها من مدامعي ... لفقدك لما غبت عني السحائبُ
وقد أظلم الديوان بعدك وحشةً ... وما حال أفقٍ نجمُه عنه غائبُ
فكتب هو الجواب إليَّ عن ذلك:
أيا مالكاً لي من علاه رغائب ... وفي كل وقت من نداه غرائبُ
أتتني أبيات حسانٌ لطائفٌ ... فقلبي عليها دائم الوجد ذائبُ
وأنت الذي مازلت كالبحر للورى ... لنا من أياديكِ الكرامِ عجائبُ
وكتبت أنا إليه وقد وعدني أن يربط لي بغله على حشيشٍ عنده:
بغلتي هذه تريد حشيشاً ... ما أنا وزنه بعقلي المعيشي
فكتب هو الجواب عن ذلك:
يا إماماً قد حاز كل المعاني ... طول دهري إليه كُلّ هشيشي
إنّ ذاك الحشيش صار يبيساً ... فرغاه يا مالكي إكديشي
وكتبت أنا إليه ملغزاً في " تميم ":
مولاي نجم الدين يا من له ... خليلُ ودِّ وهو أزكى حميمٍ
ما اسمٌ رباعيٌّ له أوّلٌ ... إن زال عنه لم نجد غير ميم
فكتب هو الجواب عن ذلك:
مولاي قد قلدت جيدي حُليً ... من جوهر اللفظ بعقد نظيمٍ
أدَيته من مجر علم له ... ذخائر والقلب منها يهيم
موَّهتَ معناه فتم العنا ... والبدر يسبي منه تاء وميم
وكتب إليَّ وقد انقطعتُ عن الديوان، وهو ضعيفُ:
أصبحتُ في الديوان وحدي في عنا ... وأذى أراه بخاطري وبعيني
كُنَّا به مستأمنين ولفظنا ... من لطفه يدعى بذي السجعين
وبه صلاح لم يزل مع علمه ... تروى معاليه على السمعين
فنأى فصراُ على البلى مستوقفاً ... أبكي على ما فات بالدمعين
وبلوت أقواماً لبستُ لأجل ما ... أخشاه من تنكيدهم درعين
فكتبتُ أنا الجواب إليه:
حاشاك تصبح في عنىً أو في ضنىً ... نفسي فداؤك في الردى من ذين
والقصد أن تمسي وتصبح دائماً ... في صحةٍ ثبتت قرير العين
فإذا سلمت ودُمت لي ما ضرني ... من رحت أفقدُه من الحيين
أدري محبتك التي صحت وما ... رُمينُ بشيء في الوفا من شين
من صدق ودِّك تشتهي وتودُّ لو ... أصلحتَ ما بين الزمان وبيني
ما هذه الفتن التي إن أُخمِدت ... نار أجدَّت بعدها نارين
فكأنها الفتنُ التي يُحكى لنا فيما مضى من فتنة الحكمين
ألقى العدى وحدي وما درعي سوى ... صبرٍ تتناهَبَه ظُبى الجمعين
يا دهر كفّ فقد كفيتُ فما أنا ... كابن الزبير ولا أبي السبطين
ومن الذي لم يهتضمه زمانه ... أر ما رماه عدوه بالمين
دع ذا فإقبالي على شأني غدا ... أولى لتبرأ ساحتي من دَيْني
ما بعد هذا الشيب والسنّ الذي ... أربت على الستين غير الحَيْن
والله أعدل حاكمٍ بين الورى ... وقضاؤه فَضْلٌ على الخَصْمين
أحمد بن عمر بن زهير
ابن عمر بن زهير بن حسين بن زهير بن عقبة الزرعي، الشيخ الأصيل الفاضل شهاب الدين أبو العباس الزُّرْعي الحنبلي.
كان جيّداً في قومه، معروفاً بالعدالة والأمانة، وله معرفة بالقسمة والمساحة، وفيه تودُّدٌ وكرم.
سمع من جده.
وروى عنه بدمشق وزُرّع وبصرى. وكتب عنه شيخنا البرزالي من نظمه، كان بينهما مودّة قديمة، وكان التتار قد أسَرُوا له ولداً نوبة " غازان "، فتوجه إليهم في طلبه، وله قصائد في التشوق إلى زُرع، وله مراثٍ في ولده عمر، كان كثير التلاوة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
أحمد بن عمر بن عبد الله
ابن عمر بن يوسف بن يحيى بن عامر بن كامل بن يوسف بن يحيى بن قابس، الشيخ الصالح أبو العباس بن الخطيب نجيب الدين ابن خطيب بيت الآبار.