بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 317

ولم يزل على حاله إلى أن بطلت ألحانه وعطَل من الأنس حانهُ.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع عشرة وسبع مئة في شهر ربيع الأول.
وكان قد نزل عن وظائفه لولديه عماد الدين وشرف الدين إلاّ أن تلك السوق الأمرفيّة ذهبت، وأفلَت نجوم سعودها وغَربت، ودفن في مقابر الصوفيّة.

أحمد بن محمد بن أحمد
الشيخ الإمام العالم الرئيس كمال الدين أبو العباس البكري الشافعي، وكيل بيت المال بدمشق، وشيخ دار الحديث الأشرفية، ومدرّس الناصرية.
سمع جزء ابن عرفة على النجيب، وحدّث به مرات، وسمع من جماعة من أصحاب ابن طَبَرْزَد وغيرهم بالقاهرة والقدس، وقرأ بنفسه الكتب البكار، وطلب مدة، ورحل إلى الديار المصرية والإسكندرية، وناب عن القاضي بدر الدين بن جماعة مدة، وترك النيابة بالشامية ودرّس بالشامية البَرّانية والناصرية، وولي وكالة بيت المال أكثر من اثنتي عشرة سنة، وولي دار الحديث الأشرفية ومشيخة تربة أم الصالح، وولي الرباط الناصري، وحج سنة ثلاث وسبع مئة.
كان حَسَنَ الشكل مهيباً، غزير الفضل لا يرى له فيه ضريباً، من بين علمٍ


صفحه 318

وكرم وحلم، لاقَ بقلب الأفرم، وكان لا يرى أنه في مُدّة معرفته خَرَجَ ولا أخْرم، هذا مع تشدّدٍ في دينه ومهابة كأنما استعارها من الليث في عرينه، أشعريّ الاعتقاد، جوهريّ الفَحص عن أمور مباشرته والانتقاد، وشعره عند الشعرى، صرّ منه دُرّاً، وغيره صرّ بَعْرا.
لم يزل على حاله إلى أن نقص كماله، وفارقه أهله وولده وماله، وتوفي رحمه الله تعالى بالكرك، وقيل: بمنزلة الحسا سنة ثماني عشرة وسبع مئة لأنه كان قد توجه إلى الحجاز.
ومولده بسنجار سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
ومن شعره ما اشتهر عنه أن كتب به إلى بدر الدين بن الدقاق، وقال لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله: إنما بدر الدين بن العطّار:
مولاي بدر الدين صِلْ مُدنَفاً ... صيّره حُبُّك مثل الخِلال
لا تخشَ من عيبٍ إذا زرته ... فما يُعاب البدرُ عند الكمالِ
فلما بلغ صَدر الدين بن الوكيل ذلك قال:
يا بدرُ لا تسمع كلام الكمال ... فكلّ ما نمّق وزرٌ محالُ
فالنقض يَعزو البدرَ في تمّه ... وربما يُخسَف عند الكمال
وكتب الشيخ كمال الدين إلى ابن الرقاقي ناظر النظار بدمشق يستعفيه من بيت المال وقد بلغه أنه سعى له فيها:


صفحه 319

إلى بابك الميمون وجهت آمالي ... وفي فضلك المعهود قَصْدي وإقبالي
وأنت الذي في الشام ما زال محسِناً ... إليّ وفي مصرٍ على كل أحوالي
أتتني أيادٍ منك في طيّ بعضها ... تملّك رقّ الحُرّ بالثمن الغالي
وقمت بحق المكرُمات وإنما ... هو الرزق لا يأتي بحيلة محتال
عليّ لكم أن أعْمُر العُمُر بالثنا ... وبالمدح مهما عشتُ من غير إخلال
وأُهدي إليكم ما حييت مدائحاً ... يغنّي بها الحادي ويصبو بها السالي
وقد بقيتْ لي بعد ذلك حاجةٌ ... لها أنت مسؤول فلا تلغِ تَسْآلي
أرِحْني من واو الوكالة عاطفاً ... عليَّ بإحسانٍ بدأتَ وإفضالي
وصُنْ ماء وجهي عن مشاققة الورى ... فهذا على أرض وهذا على مالِ
ولا تتأوّلْ في سؤالي تركها ... فوالله ما لي نحوها وَجْهَ إقبال
ورزقي يأتيني وإني لقانعٌ ... لراحة قلبي من زماني بإقلالي
وحاليَ حالٍ بافتقارٍ يصونني ... ولبسي أسمالي مع العزّ أسمى لي
وتجبرُ وقتي كسرةُ الخبز وحدها ... وأرضى ببالي الثوب مع راحة البالِ
فهذي إليكم قصّتي قد رفعتُها ... لتغتنموا أجري ورأيُكم العالي
فقطّع الأبيات كلها من الورقة وأبقى البيت الأخير وكتب تحته: رأيُنا العالي أن تعود إلى شغلك وعملك.
وقال في القاضي حسام الدين لما عزل:
يا أحمد الرازي قم صاغراً ... عُزِلْتَ عن أحكامك المسرفة
ما فيك إلا الوزن والوزن وما ... يمنعك الصرف بلا معرفة


صفحه 320

أحمد بن محمد بن أحمد
ابن عمر بن يوسف بن عبد المنعم الأنصاري البخاري القنائي، محيي الدين بن كمال الدين بن ضياء الدين القرطبي.
كان شيخاً ثَبتاً، يلزم عدالة وصمتاً، وله في بلده رياسة ظاهرة وأخلاق طاهرة.
سمع الحديث عن شرف الدين محمد بن عبد الله المرسي وغيره، وحدّث بقوص.
ولم يزل على حاله إلى أن غَمزت قناة القنائي يد الموت، وقام بنعيه إلى أصحابه الصوت، وتوفي رحمه الله تعالى ببلده قنا سنة تسع وسبع مئة.

أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد
علاء الدين البيابانكي - بباء موحّدة، وياء آخر الحروا، وألف وباء موحدة، وبعدها ألف ونون وكاف - العلاّمة ركن الدين السمناني.
تفقّه وشارك في الفضائل، وبرع في العلم وأجوبة المسائل.
سمع من عز الدين الفاروثي، والرشيد بن أبي القاسم، ولبس منه عن السهروردي.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: أخذ عنه شيخنا صدر الدين إبراهيم بن حَمُّويَه، ونور الدين وطائفة.
وروى عنه سراج الدين القزويني المحدّث، وإمام علي بن مبارك


صفحه 321

البكري، وحدّث بصحيح مسلم وشرح السُّنة للبغوي وبعدّة كتب ألفها وهي كثيرة، قال البكري: لعلها ابلغ ثلاث مئة مصنف، منها كتاب الفلاح ثلاث مجلدات ومصابيح الجنان ومدارج المعارج.
كان من بيت وزارة، وعلى وجهه من النسك والورع إنارة، مليح الشكل خاشعاً، ساكن الشر وادعاً، كثير التلاوة، ظاهر الطلاوة، يحط على ابن عربي ويكفره، وعلى من تابعه، ويعفره، ويحط على مصنفاته وينبه على محرفاته.
وكان كثير البر والإيثار، هامي الجود على ذوي الإعسار، يدخله من أملاكه نحو تسعين ألف درهم ينفقها في وجوه البر ويتصدق بها إما في الجهر وإما في السر.
زاره القان أبو سعيد واعتد بذلك أنه يوم عيد، وبنى خانقاه للصوفية، ووقف عليها وقوفاً مختلفة، وكان قد داخل التتار أولاً، واتصل بالقان أرغونبن أبغا، ونال من دنياه ما أمل وبغا، ثم إنه أقبل وأناب، ورجع وبات، ومرض بتبريز زماناً طويلاً، وامتد مرضه إلى أن كاد يأخذه أخذاً وبيلاً، ولما عوفي تعبد وتأله واختلى بعدما تجرد، وقدم بغداد، وصحت الشيخ عبد الرحمن وحج ثلاث مرات، ورد إلى الوطن، وخرج عن بعض ماله لنفقة المبرات، تردد كثيراً إلى بغداد.
ولم يزل إلى أن دنا من قبره وتدلى، وأعرض عن هذا العرض الفاني وولى، وكانت وفاته ليلة الجمعة بعد أن أوتر في شهر رجب الفرد سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن بقربة بيابانك.


صفحه 322

أحمد بن محمد بن أحمد شهاب الدين الفار الشطرنجي، ويعرف بالجُرَّافة.
كان المذكور صغير الحبة لطيفها، كبير النفس شريفها، عليه من لقبه إشارة لا يكاد يخطئ شكل الفارة، وكان في أكله آفة، فلذلك لقب بالجرّافة.
وكان في الشطرنج عالية، والناس في عشرته متغالية، اجتمعت به غير مرة، ولقيت بمحادثه كلّ مسرّة، وكان يحفظ من المواليا شيئاً كثيراً إلى الغاية، وينظم هو أيضاً ما هو في بابه نهاية، آخر عهدي به سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، ثم توجّهت إلى الديار المصرية سنة مس وأربعين وسبع مئة، ولم أره ولا سمعت خبره، والظاهر أن الفارَ وثب عليه من الموت سنَّوْرُه، وجاء من خمر المنيّة دَوْرُه.
وكان يوماً قد اقترح عليّ نظم بيتين مواليا يكون أول نصف كل بيت قلب القافية التي قبله، وكان في المجلس أكابر ورؤساء من أهل الأقلام والمحابر، وقال: إن هذا لا يقدر على نظمه ولا يعرف ناظم الوقوف على رسمه، فقلت له: إلى أن تفرغ من دستك هذا تسمع وتطمح بطَرفك إلى ما لا تطمع، وكان الأمر كما ذكرت، ولَطَفَ الله بما أشرتُ، وقلت والقافية على ما أراده:
عَمه عذولي علي قلبي لنار ولذَع ... عَذَلَ لبَرقة بآفاق التسلي لَمَعْ
عمل على نفه قلبي لو حصل لو نفع ... عُفْنَ الحبايب وصالي كم لدمعي همعْ
وأنشدني هو من نظمه لنفسه:


صفحه 323

حبّي الذي ما حوت مثلو دمن سنجار ... ولا ثبت لِقَوامُو غصن في الأشجار
لو خَدّ أحمر وخال أخضر حكى الزنجار ... يَجبْ عليّ احتمل جورو فديتو جار
وأنشدني له أيضاً:
حبّي الذي في مديحو يعجز المحار ... أخفى الكواكب بحسنو حق في الأسحار
لو لحظ تركي فديتو بابلي سحار ... وجفن فاتر فؤادي في غرامو حار
وأنشدني له أيضاً:
جواد صبري لبعد الحبّ مني خار ... وبحر دمعي جَرى في عشقتو زخّار
ظبي يخير الجواهر وهو من فخار ... قد ادّخرته لأيام الوغى ادّخار
وأنشدني له أيضاً:
وهبت للحِبّ مركوبي وهو غدّار ... غضب وولى بوجهو صرت في أكدار
ناديت يا منيتي يا عالي المقدار ... خدلك بِدالو ودر وجهك فديتو دار
وأنشدني له أيضاً:
حبّيت عطّار لحظو في المهج جَزّار ... يغلب بحسنو ملاح الترك في البازار
صادق إذا قال هو في الوعد لا نزّار ... قصدي رضا انقطه عني الرجا أوزار
وأنشدني له أيضاً:
سلطان حسنو قد أرسل للمُهج أفكار ... يجرد البيض من لحظو بلا إنكار
نكّسْ بقدّو عصايب ساير الأبكار ... وطُلْبْ جيش عذارو دار بالبيكار
وأنشدني له أيضاً:


صفحه 324

غنّت فأغنت عن المسموع في الأقطار ... ودقّت الدف أجرت أدمعي أمطار
وصِرتُ في حبّها لا أختشي أخطار ... لما استمع لُبّ قلبي من يديها طار
وأنشدني له أيضاً:
ترجّلوا من على نجبٍ غدت أطوار ... وحَولها من خدمها والحشم أدوار
فخلتُ تلك المعاطف في ضيا الأكوار ... قضبان فضه من انقضّت من الأكوار
وأنشدني له أيضاً:
بسالفو خِمْل ينمو مثل خضرة غار ... في ورد جُوري على قلبي بجُورو غار
رشا وفا لي على كيد العِدا في غار ... واكمد حسودي وضدي في الثرى قد غار
وأنشدني له أيضاً:
جاني بشير أتى مقبل وأطفا نار ... وبت مسرور مفلج والدجا قد نار
وارتجي إقبال ساعة نصر من خُنّار ... مختص بالحسن كم أرسلت لو دينار
وأنشدني له أيضاً:
من أُمها في القيادة أصبحت آفة ... وأختها في ربوع الحيّ وقافة
فكيف يمكن تجي في القصف خوّافه ... وستّها الأصل شامية وطوّافة

أحمد بن محمد بن الرفعة
الشيخ الإمام العلاّمة نجم الدين بن الرِّفعَةِ الشافعي.