بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 330

فكتب الجواب عن ذلك قاضي القضاة نجم الدين ابن صَصْرى:
وافَى كتابك فيه الفضل والكرمُ ... فجَلّ قدراً وجَلّت عنديَ النعَمُ
وجاء من بحرٍ قد سَما وطَمى ... دُرُّ المعاني في الألفاظ تنتظمُ
وصفتَ حالي حتى خلتُ أنك قَدْ ... شاهدتها ولهيبُ الحَرَب تضطرم
وما جرى في سبيل الله محتسَبٌ ... فهو الذي لم يزل تسمو له الهِمَمُ
وجاءنا النصر والفتح المبين فلو ... شاهدت نورَ الظُّبى تُجلى به الظلمُ
غدا العَدُوُّ ذليلاً بعد عِزّته ... حُليُّ أجيادهم بَعْدَ العُقود دمُ
قد فرّق الجَمعَ منهم عَزْمُ طائفة ... لم يثنِ همتها يوم الوغى سَأمُ
تُرْكٌ إذا ما انتضوا عزماً لهم تركوا ... أمامهم كُلّ جمع وهو منْهَزمُ
لَمّا بقَتْل العِدى خاضت سيوفُهم ... صَلَّت فقبّلها يوم الوغى القمَمُ
حازوا الثوابَ الذي راموا وبعضُهم ... فازوا بما كسَبُوا منها وما غنُموا
وكنت مشتغلاً في يوم كسبهم ... عنه بما كَسْبُه عندي هو النِّعَمُ
فكيف يُطلَبُ مني الأرفغان وقد ... شَهِدْتَ لي ولهذا بيننا حكم
ألستَ أنت الذي قد قال مبتدئاً ... وذاك قولٌ بحكم الحق مُلتزم
هَجَمْتَه وسيوفُ الهند مُصْلَتةٌ ... وعُدْتَ والسَّبْيُ والأموال تقتسم
وكان همُّك في الأرواح تكسبُها ... وهمُّ غيرك فيها المالُ والنَّعَمُ


صفحه 331

ورثاه جماعة من شعراء عصره منهم العلامة شيخنا أبو الثناء، أنشدنيها إجازة وهي قصيدة عُظمى يَرْوَى بها مَنْ يظما:
أترى دَرَى داعي المنيّة مَنْ دَعا ... أم أيّ ركن للشريعة ضُعضعا
أم أيّ طودِ حجىً ترفَع في العُلا ... عصفت به ريح الصبا فتصدّعا
أم أي نجمِ هدى هوى من بعدما ... ردّ الكواكب عن مداه طُلَّعا
أم هل درى ناعيه أن الدين وال ... تقوى ونَشْر العدل أوّلُ ما نعى
أصمى فؤادَ الحكم سهمُ فجيعةٍ ... لم يبقِ في قوس النكاية منزعا
وأعاد شرح الشرع أضيع سائم ... لمّا رماه بقصد أفضل من رعى
لله أي زريّةٍ أضحى بها ... قلب الهدي حين السكون مروّعا
طرقت جناباً بالفضائل آهلاً ... فثَنَتْه مِنْ ربّ الفضائل بَلْقَعا
وردتْ مَعين ندى ففاض وقد طمى ... ورنتْ إلى نَوْء النوال فأتلعا
ما خصَّ ما طرقت به خلصاءه ... بل عمّ فادُحها البريَّة أجمعا
قاضي القضاة ومَنْ حوى رتباً سَمَتْ ... عَنْ أن تُسامَ وبزّت مَنْ سعى
شيخ الشيوخ العارفين ومَن رقا ... رتب السلوك تعبّداً وتورُّعا
يأتمّ منه السالكون بعارفٍ ... بلغ العناء به المقام الأرفعا


صفحه 332

وجرت له عين اليقين ففجّرت ... في حالتيه لكلّ ظام منبعا
حاوي العلوم فما تفرّق في الورى ... إلاّ الذي منها لديه تَجَمّعا
بَهَرت خلال كماله فسيادةٌ ... لا تُرْتَقى ومكارمٌ لا تُدّعى
وخلائق كالروض دبّجه الحيا ... أُصُلاً فوشّى حُلَّتَيْه ووشّعا
تواضعٌ أمسى سناه كَنَعْته ... يَدنو وقد سكن السماء تَرَفُّعا
ورياسة مُذ كان لم نعرف لها ... إلاّ إلى رتب الكمال تَطَلُّعا
ووفور حلن إن يضق عن مذنب ... عذرٌ أقام العذر عنه ووسّعا
وكتابة يكسو السجلّ جلالها ... تاجاً يزين النيّرات مُرَصَّعا
وبلاغة لا قلب إلاّ ودّ أن ... تُمْلَى وتنشَر لو تحوَّل مسمعا
وفصاحة في القول أتقن عِلْمَها ... نظماً ونثراً حين حازهما معا
وتثبّت في حكمه ومضاؤه ... تعنو له البيض القواضب خُضَّعا
وعبارة كالنيل نِيل بَيَانها ... مع أنها أروى وأعذب مشرعا
وعبادة في الليل يجزيه بها ... في الحشر مَنْ يجزي السعودَ الركّعا
مَنْ للأيامى واليتامى فارقوا ... بالرغم ذاك الكافلَ المتبرِّعا
مَنْ للجدال تضايقت طرق الهوى ... فيه يَبين به الطريق المَهْيعا
مَنْ للقضايا العقم أصبح وجهها ... إلاّ عن الذهن السليم مبرقعا
ولَكَمْ له مِن قَبْلُ غُرُّ رسائلٍ ... أبدى بها دُرَرَ البيان فأبدعا
من كل شاردةٍ ترفّعَ قَدرْها ... أن يُرتقى وسبيلها أن يُتْبَعا
الدهر أبخلُ حين جادَ بمِثله ... مِنْ أن يُديم به الوجود ممتَّعا
فأعاد وَجْهَ الأرضِ منه مُجْدِباً ... كَلْحاً وبَطنَ الأرض منه مُمْرَعا


صفحه 333

يا مَنْ يَقِلّ له البكاء ولو غدا ... ذوبَ القلوب أسىً يَمُدّ الأدمُعا
لو سالم الدهرُ امرءاً لكماله ... لغدا لنا في خُلْد مثلك مَطعما
لكنّه الدهرُ الذي ساوى الردى ... فيه الأنامَ عصيّهم والطيِّعا
فَلأبكيّنك ما حييتُ وما البكى ... في فَقْدِ مثلكَ يا خليليَ مُقْنِعا
ولألبسنّ عليك ثوبَ كآبةٍ ... مهما تمادت مُدّتي لن يُنزعا
ولأبعثنّ من الرثاء قوافياً ... محزونةً تُبكي الحَمام السُّجعا
ولأمنَعَنْ عَيْنيَّ بعدك إن جفا ... طيفُ الخيال جُفونها أن تهجعا
ويَقِلّ ذام فإنها جهد الأخ ال ... محزون أن يُبكيك أو يتفجّعا
قلت: هذا القدر منها كافٍ، وقد بقي منها خمسة وعشرون بيتاً.

أحمد بن محمد بن سلمان بن حمايل
القاضي الكاتب الأديب شهاب الدين أبو العبّاس بن غانم، هو ابن بنت الشيخ القُدوة غانم، وكان يَذكُرُ نَسبَه إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، أملاه من فمه على الشيخ أثير الدين أبي حيّان.
سمع من ابن عبد الدائم، وقرأ على ابن مالك جمال الدين، وخرَّج له البِرزالي مشيخةً، منهم ابن أبي اليُسر وأيّوب الحمّامي، والزين خالد، وعبد الله بن يحيى البانياسي، ومحمد بن النُّشَّبي، ويحيى بن الناصح، وعرض على الشيخ


صفحه 334

جمال الدين بن مالك كتابه العُمْد، وبعده على ولده بدر الدين. وقرأ الأدب على مجد الدين بن الظهير.
وفارق أباه وهو صغير وتوجّه إلى السماوة، ونزل على الأمير حسين من خفاجة، وأقام عنده مدّة يصلّي بقي شيء من العلوم، وكان الوقت قريب العهد بخراب بغداد، وتشتَّت أهل بغداد في البلاد، فظُنَّ به أنه ابن المُستعصم الخليفة ببغداد، واشتهر ذلك عنه، واتّصل خبره بالظاهر بيبرس، فلم يزل في اجتهاد إلى أن أقدمه عليه لِما أهمّه من أمره، فلمّا بين يَدَيه قال له: ابن مَنْ أنت؟ فوفّق ذلك الوقت لمصلحته وقال: ابن شمس الدين بن غانم، فطلب والده من دمشق إلى القاهرة، وحضرا بين يديّ الظاهر فاعترف والده به، فقال له: خذه، فأخذه وتوجّه به إلى دمشق.
وكان قد كتب الإنشاء بدمشق وبمصر وبصفد وبغزة وبقلعة الروم، ثم توجّه إلى اليمن، وخرج منه هارباً، وقاسى شدائد من العُرْبان وتخطّفهم له حتى وصل إلى مكة، وكان سبب خروجه إلى اليمن أنه كان يكتب الدُّرْجَ بين يدي الصاحب شمس الدين غبْريال فاتّفق أنْ هربَ مملوكٌ للأمير شهاب الدين قرطاي نائب طرابلس، فكتب بسببه إلى الصاحب، فوَقَعَ عليه، فظفر به وجهّزه إلى مخدومه،


صفحه 335

وقال لشهاب الدين: اكتب على يده كتاباً إلى مخدومه واشفع فيه، فكتب شهاب الدين الكتاب وتأنّق فيه، وجاء من جملة ذلك: وإذا خَشُن المقرّ حَسُن المفرّ، وتوهّم شهاب الدين أن ذلك يُعجب الصاحب، فلمّا وقف عليها أنكرها دون ما في الكتاب، وقال: يا شهاب الدين غيِّر هذه فإنها وحشة، فطار عقل شهاب الدين، وضرب بالدواة الأرض، وقال: ما أنا ملزوم بالغُلْف القُلف، وخَرَجَ من عنده وتوجّه إلى الحجاز، ودَخَل من مكّة إلى اليمن، وتلقاه الملك المؤيَّد، وأحسن إليه إحساناً زائداً، وجعله كاتبَ سرّه، فلم يَطِبْ له المقام، وهربَ بعد خمسة أو ستة أشهر، وقلّما خرج من مدينة إلاّ وهو مختفٍ.
وكان كاتباً مترسِّلاً، عارفاً بمقاصد الكتابة متوسِّلاً، يَستحضر من اللغة جانباً وافراً، ويُبدي في المنادمة وجهاً بالمحاسن سافراً، ويُورِدُ من كلام المعرّي قطعة كبيرة قد حفظها غائباً، ويرمي منها سهماً في البلاغة صائباً، خصوصاً من اللُّزوميات، وما له من العِظات والزهديّات. وإذا تكلّم تَفَيْهَق، وتنطَّع في كلامه وتمنطق، ويأتي في ترسُّله بالغريب، والحوشيّ العجيب، وإذا فكّر بشيء فَكَّر، وغاص في المعاني وتذكّر، ووضع شَعْر ذقنه في فيه وقَرَضَه، وقال الشعر وقَرَضَه، ويحوم بكلامه على المعنى المقصود زماناً، وما يكسوه مع ذلك بياناً، وكان مَتِع الكلام، بريئاً من النَّقْض والملام، لا يعبأ بملبس ولا مأكل، ولا يتكلّف لشيء سِوى أنه


صفحه 336

يعقلها ويتوكّل، يلبس الجمجم القَطن الصوفي، والمُقَدَّرة الصوف، والطول المقفّص المعروف بأهل إسكندرية الموصوف، وخاتَمهُ كان سِواراً، وفصّه يعمل منه شواراً، وكان يتحدّث بالتركيّ والعجميّ والكردي، وإذا سافر خلع حُلّة الكُتّاب ولبس حلّة البدَوي أو الجندي، مع تندير وتنديب وتطاريب وتطريب.
وكان قد أحبه صاحب حَماة المنصور، وجعل ظِلّه ممدوداً غير مقصور، حضر يوماً سِماطَه وكان أكثرُهُ مَرَقاً، وقد أضرم منه الجوع حُرَقاً، فقال: " بسم الله الرحمن الرحيم " نَويت رَفْعَ الحدثِ واستباحةَ الصلاة، الله أكبر. وكان المظفّر بن المنصور يكره ابن غانم، فاغتنم الوقيعة فيه وقال لأبيه: اسمع ما يقول ابنُ غانم يَعيب طعامك ويُشبّهه بالماء، فعاتبه المنصور على ذلك، فقال: هذا ما قَصَدْتُه! ولكنّ البسمَلة في كل أمر مستحبّة، والحدثُ الذي نويت رَفْعَه حَدَثُ الجوع واستباحة الصلاة في الأكل، فقال: فما معنى الله أكبر؟ قال: على كل ثقيل، فاستحسن المنصور منه ذلك. وخلع عليه.
وخرج مرّةً مع المنصور إلى شَجريّات المعرّة، وقد ضُربت الخيام وامتلأ الفضاء


صفحه 337

وما رأى الدخول إلى الخربشت، فصعِد إلى شجرة ليتحلّى والمنصور يراه، فأرسل إليه شخصاً ليرى ما يفعل، فلمّا صار تحت الشجرة وقد تهيّأ لقضاء شغله فقال له: أطْعِمني من هذه التِّينة، فقال له: خُذْ، وسلَحَ عليه سلحاً ملأت وجهه، وتركته عبرةً، فقال: ما هذا؟ قال: أطعمتك من التينة، فلمّا اطّلع المنصور على القضية خَرَّ مغشيّاً عليه من الضحك.
وكان ليلةً في سماعٍ، فرقصوا ثم جَلَسوا، فقام من بينهم شخص وطال الحال في استماعه وزاد الأمر، فظلّ شهاب الدين مُطْرقاً ساكناً، فقال له شخص آخر: ما بك مُطرِقاً كأنّما يوحى إليك؟ فقال نعم " قُلْ أُوحيَ إلَيَّ أنّه استمعَ نَفَرٌ من الجِنّ ".
واجتمع ليلة عند القاضي كريم الدين الكبير في موضع بعلاء الدين بن عبد الظاهر يتحدّث معه، فجاء إليه شخصٌ وقال له: معاوية الخادم يريد الاجتماع بك، فقال: وَاْلَك! مَنْ يفارق عليّاً ويروح إلى معاوية؟! وكتب إلى قاضي القضاة جمال الدين بن واصل، وقد أقْعَدَه بحماة في مَكتبٍ عاقداً، وفيه السيف علي بن مُغِيْزل:
مولاي قاضي القضاة يا مَنْ ... له على العَبْد ألفُ مِنَّهْ
إليكَ أشكو قَرينَ سوءٍ ... بُليتُ منه بألف مِحنهْ
شَهرْتَه بيننا اعتداءً ... أغمِدْهُ فالسيف سيفُ فِتنَهْ