بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 334

جمال الدين بن مالك كتابه العُمْد، وبعده على ولده بدر الدين. وقرأ الأدب على مجد الدين بن الظهير.
وفارق أباه وهو صغير وتوجّه إلى السماوة، ونزل على الأمير حسين من خفاجة، وأقام عنده مدّة يصلّي بقي شيء من العلوم، وكان الوقت قريب العهد بخراب بغداد، وتشتَّت أهل بغداد في البلاد، فظُنَّ به أنه ابن المُستعصم الخليفة ببغداد، واشتهر ذلك عنه، واتّصل خبره بالظاهر بيبرس، فلم يزل في اجتهاد إلى أن أقدمه عليه لِما أهمّه من أمره، فلمّا بين يَدَيه قال له: ابن مَنْ أنت؟ فوفّق ذلك الوقت لمصلحته وقال: ابن شمس الدين بن غانم، فطلب والده من دمشق إلى القاهرة، وحضرا بين يديّ الظاهر فاعترف والده به، فقال له: خذه، فأخذه وتوجّه به إلى دمشق.
وكان قد كتب الإنشاء بدمشق وبمصر وبصفد وبغزة وبقلعة الروم، ثم توجّه إلى اليمن، وخرج منه هارباً، وقاسى شدائد من العُرْبان وتخطّفهم له حتى وصل إلى مكة، وكان سبب خروجه إلى اليمن أنه كان يكتب الدُّرْجَ بين يدي الصاحب شمس الدين غبْريال فاتّفق أنْ هربَ مملوكٌ للأمير شهاب الدين قرطاي نائب طرابلس، فكتب بسببه إلى الصاحب، فوَقَعَ عليه، فظفر به وجهّزه إلى مخدومه،


صفحه 335

وقال لشهاب الدين: اكتب على يده كتاباً إلى مخدومه واشفع فيه، فكتب شهاب الدين الكتاب وتأنّق فيه، وجاء من جملة ذلك: وإذا خَشُن المقرّ حَسُن المفرّ، وتوهّم شهاب الدين أن ذلك يُعجب الصاحب، فلمّا وقف عليها أنكرها دون ما في الكتاب، وقال: يا شهاب الدين غيِّر هذه فإنها وحشة، فطار عقل شهاب الدين، وضرب بالدواة الأرض، وقال: ما أنا ملزوم بالغُلْف القُلف، وخَرَجَ من عنده وتوجّه إلى الحجاز، ودَخَل من مكّة إلى اليمن، وتلقاه الملك المؤيَّد، وأحسن إليه إحساناً زائداً، وجعله كاتبَ سرّه، فلم يَطِبْ له المقام، وهربَ بعد خمسة أو ستة أشهر، وقلّما خرج من مدينة إلاّ وهو مختفٍ.
وكان كاتباً مترسِّلاً، عارفاً بمقاصد الكتابة متوسِّلاً، يَستحضر من اللغة جانباً وافراً، ويُبدي في المنادمة وجهاً بالمحاسن سافراً، ويُورِدُ من كلام المعرّي قطعة كبيرة قد حفظها غائباً، ويرمي منها سهماً في البلاغة صائباً، خصوصاً من اللُّزوميات، وما له من العِظات والزهديّات. وإذا تكلّم تَفَيْهَق، وتنطَّع في كلامه وتمنطق، ويأتي في ترسُّله بالغريب، والحوشيّ العجيب، وإذا فكّر بشيء فَكَّر، وغاص في المعاني وتذكّر، ووضع شَعْر ذقنه في فيه وقَرَضَه، وقال الشعر وقَرَضَه، ويحوم بكلامه على المعنى المقصود زماناً، وما يكسوه مع ذلك بياناً، وكان مَتِع الكلام، بريئاً من النَّقْض والملام، لا يعبأ بملبس ولا مأكل، ولا يتكلّف لشيء سِوى أنه


صفحه 336

يعقلها ويتوكّل، يلبس الجمجم القَطن الصوفي، والمُقَدَّرة الصوف، والطول المقفّص المعروف بأهل إسكندرية الموصوف، وخاتَمهُ كان سِواراً، وفصّه يعمل منه شواراً، وكان يتحدّث بالتركيّ والعجميّ والكردي، وإذا سافر خلع حُلّة الكُتّاب ولبس حلّة البدَوي أو الجندي، مع تندير وتنديب وتطاريب وتطريب.
وكان قد أحبه صاحب حَماة المنصور، وجعل ظِلّه ممدوداً غير مقصور، حضر يوماً سِماطَه وكان أكثرُهُ مَرَقاً، وقد أضرم منه الجوع حُرَقاً، فقال: " بسم الله الرحمن الرحيم " نَويت رَفْعَ الحدثِ واستباحةَ الصلاة، الله أكبر. وكان المظفّر بن المنصور يكره ابن غانم، فاغتنم الوقيعة فيه وقال لأبيه: اسمع ما يقول ابنُ غانم يَعيب طعامك ويُشبّهه بالماء، فعاتبه المنصور على ذلك، فقال: هذا ما قَصَدْتُه! ولكنّ البسمَلة في كل أمر مستحبّة، والحدثُ الذي نويت رَفْعَه حَدَثُ الجوع واستباحة الصلاة في الأكل، فقال: فما معنى الله أكبر؟ قال: على كل ثقيل، فاستحسن المنصور منه ذلك. وخلع عليه.
وخرج مرّةً مع المنصور إلى شَجريّات المعرّة، وقد ضُربت الخيام وامتلأ الفضاء


صفحه 337

وما رأى الدخول إلى الخربشت، فصعِد إلى شجرة ليتحلّى والمنصور يراه، فأرسل إليه شخصاً ليرى ما يفعل، فلمّا صار تحت الشجرة وقد تهيّأ لقضاء شغله فقال له: أطْعِمني من هذه التِّينة، فقال له: خُذْ، وسلَحَ عليه سلحاً ملأت وجهه، وتركته عبرةً، فقال: ما هذا؟ قال: أطعمتك من التينة، فلمّا اطّلع المنصور على القضية خَرَّ مغشيّاً عليه من الضحك.
وكان ليلةً في سماعٍ، فرقصوا ثم جَلَسوا، فقام من بينهم شخص وطال الحال في استماعه وزاد الأمر، فظلّ شهاب الدين مُطْرقاً ساكناً، فقال له شخص آخر: ما بك مُطرِقاً كأنّما يوحى إليك؟ فقال نعم " قُلْ أُوحيَ إلَيَّ أنّه استمعَ نَفَرٌ من الجِنّ ".
واجتمع ليلة عند القاضي كريم الدين الكبير في موضع بعلاء الدين بن عبد الظاهر يتحدّث معه، فجاء إليه شخصٌ وقال له: معاوية الخادم يريد الاجتماع بك، فقال: وَاْلَك! مَنْ يفارق عليّاً ويروح إلى معاوية؟! وكتب إلى قاضي القضاة جمال الدين بن واصل، وقد أقْعَدَه بحماة في مَكتبٍ عاقداً، وفيه السيف علي بن مُغِيْزل:
مولاي قاضي القضاة يا مَنْ ... له على العَبْد ألفُ مِنَّهْ
إليكَ أشكو قَرينَ سوءٍ ... بُليتُ منه بألف مِحنهْ
شَهرْتَه بيننا اعتداءً ... أغمِدْهُ فالسيف سيفُ فِتنَهْ


صفحه 338

وكتب إلى قلعة الروم وقد جاءه ولد سمّاه أنساً واسمُ أبيه مبارك:
تَهَنَّ يا مباركاً ... بالوَلَد المبارك
بمن سَمَوه أنساً ... لأنه ابن مالكي
ومن نظمه:
تعجّبَ الناس للبطيخ حيت أتى ... بحيْن حَيْن وإذْ وافى بطاعُونِ
وكيف لا يقطعُ الأعمار مَقْدَمُهُ ... وليس يُؤكَلُ إلاّ بالسكاكين
ومنه:
ما اعتكافُ الفقيه أخْذاً بأجْرٍ ... بَلْ بحكمٍ قضى به رمضان
هو شهر تُغَلُّ فيه الشياط ... ينُ ولا شَكَّ أنه شيطان
ومنه:
طَرفْكَ هذا به فُتورٌ ... أضحى لقلبي به فُتُون
قد كنتُ لولاه في أمانٍ ... لله ما تفعلُ العيون
ومنه:
يا نازحاً عنّي بغير بعادٍ ... لولاك ما علقَ الهوى بفؤادي
أنت الذي أفردتني مني فلي ... بكَ شاغلٌ عن مَقْصَدي ومُرادي
سَهِرَتْ بحُبّكَ مُقلتي فَحَلا لها ... فيك السُّهَادُ فلا وجَدْتُ رُقادي
ورضيتُ ما تَرْضى فلو أقصيْتَني ... أيّامَ عُمري ما نَقَضْتُ وِدادي
أنت العزيز عليّ أن أشكو لك ال ... وجد الذي أهدَيته لفؤادي


صفحه 339

وأنشدني من لفظه لنفسه:
واللهِ ما أدعو على هاجري ... إلاّ بأنْ يُمحَنَ بالعشقِ
حتّى يَرى مقدارَ ما قد جرى ... منه وما قد تمَّ في حقّي
وأنشدني له أيضاً:
يا حُسْنَها مِن رِياضٍ ... مثلِ النضَار نَضارَهْ
كالزُّهر زَهْراً وعنها ... ريح العبير عِبارَهْ
وأنشدني له أيضاً:
بأبي صائغٌ مليحُ التَّتنِّي ... بقَوامٍ يُزري بخُوطِ البان
أمسكَ الكَلْبتين يا صاحِ فاعجب ... لغزالٍ بكفّه كلبتان
ومن شعره:
أيّها اللائمي لأكلي كُروشاً ... أتقَنُوها في غاية الإتقان
لا تلُمني على الكروش فحبّي ... وَطَني من علائمِ الإيمان
قلت أخذ هذا من قول النصير الحمّامي:
رأيت شخصاً آكلاً كِرشةً ... وعنده ذوق وفيه فِطَنْ
وقال ما زلتُ محبّاً بها ... قلتُ من الإيمان حُبُّ الوَطَنْ
ومن شعره في مقصوص الشَّعَرْ:
قالوا ذوائبه مَقصوصه حَسَداً ... فقلت قاطعُها للحسنِ صوّاغُ
صُدغان كان فؤادي هائماً بهما ... فكيف أسلو وكلّ الشَّعر أصداغ


صفحه 340

وكان القاضي فخر الدين ناظر الجيوش يؤثر قُربه ويحب كلامه، فاستخدمه في مصر في جملة كُتّاب الإنشاء، فأقام هناك، ولمّا توفي فخر الدين خرج ابن غانم وحضر إليه مع القاضي محيي الدين بن فضل الله سنة اثنين وثلاثين وسبع مئة.
ولم يزل بدمشق في جملة كتّاب الإنشاء إلى أن سكنت منه تلك الشقائق، وقُرطسَت تلك السهام الرواشق.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، وكان أكبر من أخيه الشيخ علاء الدين بأشهر، وكذلك توفي بعده بأشهر، وكان دائماً يقول: زاحمني أخي عليّ في كل شيء حتى في لَبَن أُمّي، واختلط شهاب الدين قبل وفاته بسنتين، وكان فيه تشبّعٌ من التشيُّع.

أحمد بن محمد بن عبد الله
الحافظ القُدوة الزاهد جمال الدين أبو العباس ابن الشيخ القدوة محمد الظاهري الحلبي مولى الظاهر صاحب حلب.
سمع سنة إحدى وثلاثين وبعدها من الفخر الإربلي، وابن اللَّتي، والموفق يعيش، وابن رَوَاحة، وابن خليل، وابن قُمَّيرة، وخلقٍ بحلب. وكريمة،


صفحه 341

والضياء، وابن مَسْلَمة، وخلق بدمشق. وصفيّة القرشيّة، وجماعة بحماة، وعبد الخالق بن أنجب النِّشْتَيري بماردين، وعبد الرزاق بن أحمد بن سَلامة الزّيات، وأحمد بن سَلامة النجّار بحرّان، وسمع من شُعيب الزعفراني، وابن الجُميّزي، والمُرْسي، وجماعة بمكّة. ويوسف الساوي، وأحمد بن الجَباب بمصر، وهبة الله بن روين الإسكندري.
وسمع بحمص وبعلبك والقدس وغير ذلك، وعني بهذا الشأن أتمّ عناية، وتعب وحصّل وكتبَ ما لا يوصف كثرةً. وكانت له إجازات عالية من أبي الحسين القطيعي وزكريا العلبي وابن روزَبة وأبي حفص السَّهْرَوَرْدي والحسين بن الزبيدي، وإسماعيل بن فاتكين والأنجب الحمّامي، وطبقتهم.
وخرّج لنفسه أربعين حديثاً في أربعين بلداً، وانتقى على شيوخ مصر والشام، وخرّج لأصحاب ابن كليب ثم لأصحاب ابن طبرزد والكندي، ثم لأصحاب