بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 374

القلوب، واستوحش الناس منه، ولم يعد يحضر من الكرك كتاب ولا توقيع بخطّ موقَّع، إنما يرد ذلك بخط نصراني يُعرف بالرضي، وإذا توجّه أحد إلى الكرك لا يرى وجه السلطان، وإنما الذي يدبّر الأمور واحدٌ من أهل الكرك يعرف بابن البصّارة، فماج الناس لأجل ذلك في الشام ومصر، وجهّز المصريون إليه الأمير سيف ملكتمر الحجازي ليرى وجه السلطان، فلما بلغه وصوله جعله مقيماً بالصافية أياماً، ولم يستحضره ولا اجتمع به، فرُدّ على حاله إلى مصر، فأجمع المصريون رأيهم على خلعه وإقامة أخيه إسماعيل مكانه، فخلعوه، وحلفوا للصالح إسماعيل، وحضر الأمير سيف الدين طقتمر الصلاحي للبشارة إلى دمشق، وحلّف عساكر الشام، وكان يوم خلعه يوم الخميس ثاني عشر شهر الله المحرَّم سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وكان مدّة ملكه بالقاهرة والكرك دون الأربعة أشهر.
ولما استقرّت الأحوال وثبت ملك الصالح أمر بتجهيز العساكر من مصر والشام لحصار الكرك، فتوجّه الناس، وكلما حضرت فرقة توجّهت فرقة من مضر والشام، فيُجرح من هؤلاء ومن هؤلاء ويقتل منهم جماعة، وهلك الناس أجمعون بسببه من التجاريد، وسُخّر الناس لحمل الأتيان والشعير والمؤن للعساكر، وجرّ المجانيق والأثقال والسلاح وآلات الحصار من الدبّابات وغيرها، وطال الأمر ولم يبق أمير في مصر والشام حتى تجرّد إليه مرة ومرتين.
قال لي الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا رحمه الله تعالى الذي خصني على الناصر في كلفة قدومه من التقدمة له ومن النفقة على التجاريد والتوجّه إليه ألف ألف


صفحه 375

وأربع مئة ألف، وأمسك بسببه جماعة من أمراء مصر، ثم أمسك نائب مصر السلاري، ووُسِّط الأمير سيف الدين بكا الخضري ومعه جماعة من المماليك السّلطانية، وأمسك أخوه رمضان وأخوه يوسف، وقضى الله أمره فيهما، وأخذ أمرُ الناصر أحمد في التلاشي، وهلك مَنْ عنده من الجوع، وذبح تلك الخيول الثمينة والأبقار والأغنام وقدّدها، وضرب الذهب دنانير وخلط فيها الفضة والنحاس، وكان يباع الدينار بخمسة دراهم، وهرب الناس من عنده.
ثم إن الأمير هام الدين سنجر الجاولي جدّ في حِصاره لأنه وقف يوماً من القلعة وسبّه ولعنه وشيخه، فقال له: الساعة أفرّجك كيف يكون الحصار، ونقل المنجنيق إلى مكان يعرفه، ورمى القلعة فوصل الحُجر إليها وأنكى فيها وخرّب السور، وطلع الناس إليها وأمسكوه في يوم الاثنين ثاني عشر صفر سنة خمس وأربعين وشبع مئة وجزّوا رأسه، وجهّزوه مع الأمير سيف الدين منجك إلى القاهرة.
وقلت أنا فيه:
أعوذ بالله مما راح يعكسه ال ... باري تعالى وما يُجري به الفلكا
كأحمد الناصر بن الناصر انعكست ... سعوده عنه حتى راح ما ملكا
فما تمتع بالملك المعظم في ... مصر وزال وما أبقى له الكركا

أحمد بن محمد بن عثمان
القاضي صفيّ الدين بن قاضي القضاة شمس الدين الحريري الحَنَفي، وسيأتي ذِكر والده في المحمدين إن شاء الله تعالى.


صفحه 376

كان هذا القاضي صفيّ الدين شكِلاً ضخماً مفرطاً يخطئ العاقل إذا جاء في الاستفهام عنه ب مَنْ، له نوادر مُضحكة ما قَرِحَ بمثلها جُحا، ومتى سُمعتْ كان الثاني على الأول مرجَّحاً، أعجوبة من الأعاجيب، وأحدوثة لم يُسمع بمثلها إلا وظنّ أنها من الأكاذيب، يتداول الناس أخبارها، ويتشوَّفون إلى أن يَسمعوا علماءَها بذلك وأحْبارها، إلا أنه كان يَنطوي على ديانة، ويجعل الخوف من ربّه عِيانه.
ولم يزل على حاله إلى أن حلّت به الدُّرخمين، وصدق في عدمه الحَدْس والتخمين.
وتوفي رحمه الله تعالى في نهار السبت تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وسبع مئة.
كان مدرّساً بالمدرسة الصادرية بباب البريد بدمشق، وبيده، على غالب ظنّي، إمامة الظاهرية داخل دمشق الحنفية.
طلبة السلطان إلى مصر وولاّه التدريس فقال والده: هذا ابني ما يصلح، فقال السلطان: لهذا الملاك أنا أولّيه، وألبسه تشريفاً، وأعاده إلى دمشق.
وله غرائب تُحكى عنه؛ منها: انه تأذّى من بغلةٍ كانت عنده يركبها، فقال للغلام: لا تعلّق عليها شيئاً هذه الثلاثة أيام، فجاء إليه وقال: هذه البغلة إذا لم تأكل عليقها تحمَرُ، فقال له: علّق عليها ولا تقل إنك قلت شيئاً.


صفحه 377

ولامه بعض الناس في كبرها وأن يستبدل بها، فقال: لا والله هذه أشمّ فيها روائح الوالد، يعني أنها من خَيْله.
ومناه أنه كان في يوم طينٍ راكب البغلة وهو مارّ في الطريق، فرأى قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرى متوجّهاً إلى الجامع الأموي ماشياً، فرجع بين يديه بالبغلة يحجُبه وهو يقول له: يا مولانا ارجع حسبنا الله، فيقول: الله الله يا مولانا قاضي القضاة، ولم يزل حتى وقع حافر البغلة في طين وفَقَس عليه، فطلع من ذلك ما جعل ثياب قاضي القضاة شهرة، فقال له: ارجع يا مولانا فقد حصل المقصود.
ومنها أن والده أحضر له شيخاً يقرئه النحو، فلازمه مُدّة، فأراد والده امتحانه يوماً، فقال له: " قنديل " اسم أو فعل أو حرف؟ فقال: فعل، فقال: لمَ قلت إنه فعل؟ قال: لأنه يحسن دخول قد عليه. فقال له: كيف يكون ذلك؟ فقال: لأنك تقول قِد قنديل يعني بكسر القاف مِنْ قِد يُريد فعل أمر من الوقيد.
ومنها أنه أراد أن يُشغّله في الحساب، فأحضر إليه من يقرئه ذلك فقال له الشيخ: أحد في أحد أحد، فقال هو: لا نُسلّم، أحدٌ في أحد اثنين. فقال الشيخ: يا سيّدي أحد مرّة واحدة، فقال: نعم، ظهر، فقال الشيخ: اثنان في أحد اثنان، فقال: نُسلّم. اثنان في أحد ثلاثة، فقال الشيخ: لا نسلم، أحد في ثلاثة أربعة، فقال الشيخ: يا سيّدي المراد أحد ثلاث مرّات، فقال: نعم ظهر، ولم


صفحه 378

يزل الشيخ إلى أن قال: اثنان في اثنين أربعة، فقال: هذا مسلَّمٌ، فقال له الشيخ: اثنان في ثلاثة سنة، فقال: لا نُسلّم، اثنان في ثلاثة خمسة، فقال الشيخ: يا سيدي المراد اثنان ثلاث مرات، فقال: نعم ظهر، فقال الشيخ: اثنان في أربعة ثمانية، فقال: لا نسلّم، اثنان في أربعة ستة، فنفر الشيخ وقال: إنْ سلّمت وإلا، الله لا يُقدّر لم تسلّم، ومضى وتركه.
ومناه أنه دخل يوماً إلى المدرسة الصادرية، فرأى الشيخ نجم الدين القحفازي خارجاً من بيت الطهارة، فقال له: يا مولانا آنستم محلّكم، فقال الشيخ نجم الدين: قبحك الله.
ومنها أنه شكا لطبيب يوماً سمنه، وما يجده من البلغم، فقال له: يا مولانا تعانَ الرياضة كل يوم بُكرةً إما أن تعالج بشيء ثقيل، فقال: ما أقدر فقال: خذ قوس كُبّاد ومُدّه كل يوم بكرة عشرين ثلاثين مرّة، فقال: هذه نعم، ومضى إلى القوّاسين وطلب قوس كبّاد، فأحضر إليه ذلك، فذاقه بلسانه وردّه، وقال: هذا ما هو الغرض، قيل له: لأي شيء، قال: ما هو حامض مثل الكبّاد.
وحكاياته كثيرة، وهذا القَدْر منها كافٍ.


صفحه 379

أحمد بن محمد بن أحمد بن سليمان
الواسطي الأصل الأُشْمُومي المولد والدار، الشيخ الإمام الفقيه جمال الدين أبو العباس المعروف بالوَجيزي لحفظه كتاب الوجيز واعتنائه به.
كان من الفقهاء القدماء والأئمة الذين هم للعلم في الليل والنهار من الندماء. تولّى قليوب والجيزية، ثم ضعُف عن الحركة لبرد الحرارة الغريزية، فلزم بيته حتى فَنيَ ذبولاً، ولقي من الله تعالى قُبولاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس شهر رجب الفرد سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وكان يَذكُر أنه أسنّ من قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بسنةٍ أو سنتين، ودفن بالقرافة.

أحمد بن عباس بن جَعْوان
الشيخ الإمام الزاهد الورع شهاب الدين بن كمال الدين الأنصاري الشافعي.
كان فقيهاً فاضلاً متقشّفاً منقطعاً عن الناس، سمع الكثير بإفادة أخيه شمس الدين وحدّث ب جزء ابن عرفة عن ابن عبد الدائم، وكان يكتب في الفتوى، ويُعتمد عليه في نقل المذهب.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة بالمدرسة الناصرية، ودفن برّا الباب الصغير.


صفحه 380

أحمد بن محمد بن قطّينة
الشيخ الجليل العَدْل شهاب الدين الزَّرعي التاجر.
كان تاجراً مشهوراً بدمشق، ذا أموال ومتاجر وسعادة وبضائع في كل صنف. ذكر أنه في سنة قازان بلغت زكاة ماله خمسة وعشرين ألفاً، والله أعلم يما تجدّد له بعد ذلك.
توفي رحمه الله تعالى في بستانه المعروف بالمدفع في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
وكان في شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وسبع مئة قد أُمسك هو وعبد الكريم الحريري لمرافعة وقعت في حقهما وأنهما يكاتبان قراسنقر، وأن لهما تجارة في السلاح إلى البلاد الشرقية، ثم ظهر كذبُ المرافع، فقطع لسانه وعُزّرَ، ثم ضرب ضرباً كثيراً ومات وأُفرج عنهما. وفي سابع عشري ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة خُلع على الصاحب عزّ الدين بن القلانسي باستمراره على نظر الخاص، وعلى الصاحب شمس الدين غبريال بتولية الأوقاف المنصورية، وعلى شهاب الدين بن قطّينة بوكالة الخواص السلطانية.

أحمد بن محمد بن محمد بن علي
ابن محمد بن سليم الصدر الرئيس الفاضل شهاب الدين بن قُطب الدين بن الصاحب تاج الدين بن فخر الدين بن الصاحب بهاء الدين بن حنّا الشافعي العَدْل.


صفحه 381

كان فاضلاً رئيساً كبير الهِمّة نفيساً، مليح المحيّا من بيتٍ يتضوّع في السيادة ريّاً، حسن العبارة جميل الشارة لطيف الإشارة. لم يزل إلى أن حنّ الموتُ إلى ابن حنّا، وجعل جَسده في البلى شنّاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ودفن عند أهله بالقرافة، وكان في عُشر الأربعين.

أحمد بن محمد بن إسماعيل الإربلي
الشيخ شهاب الدين المعروف بالتعجيزي، لأنه كان يحفظ التعجيز، وحفظ شيئاً من الحديث وعلومه، ومعه خطوط الأشياخ بذلك.
كان نوعاً غريباً وشخصاً عجيباً، وعقله أعجبُ من كل عجب، وشعره كما قيل في المثل: " ترى العجَبَ في رجَب "، ألفاظ لا يقدر الفاضل الذكيّ على أن يأتي لها بنظير، ولا يتكلّف البارع النحرير على أن يجيء بمثلها إلاّ إن كان في باشة وزنجير، شعرٌ في غير الوزن، وألفاظٌ ما تحدّث بها أهل سَهلٍ ولا حَزن، فإذا أنصف العاقل وفكّر فيه جدّ الفكرة علم أن هذا في الوجود فذّ، وهو مما ندر وجوده في العالم وشذّ، وهذا لو لم يكن طباعاً منه بلا تكلّف وسجيّة يوردها على رسله من غير تخلّف، لقدر الفضلاء على محاكاته وتكلّفوا المشابهة له في بعض حركاته، هذا مع صورة جَلّ مَنْ خلقَها، ولحيةٍ ما ظلم مَنْ أخذ الموسى وحلقها، رأيتُه مرات عديدة، ولقيته في مظاهر جديدة، فما كنت أقضي العجب من كلامه، وأتطفّل على سلامه.