ودرّس بالدماغية في وقت، وحصَل له بها المِقَة لا المقت، وكان كثير الاشتغال والمطالعة والمبادرة إلى الأجوية والمسارعة.
ولم يزل على حاله إلى أن حان حَينه، وآن أن يكون تحت الأرض أيْنُه.
وتوفي رحمه الله تعالى سادس عشري ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده بالكفر من أعمال بُصرى سنة أربع وأربعين وست مئة.
وحدّث عن القاضي شمس الدين بن عطا بأحاديث من المسند والغيلانيات. قرأ عليه شيخنا البِرزالي في طريق الحجاز لابنه محمد بالزرقاء، وبوادي القُرى.
أحمد بن محمود
الإمام الأديب، الكاتب البليغ، الناظم الناثر كمال الدين أبو العباس بن أبي الفتح الشيباني الدمشقي، المعروف بابن العطار.
أجاز له ابن رُوزبة، وسمع من ابن المقيّر، وأبي نصر بن الشيرازي، والسَّخاوي، وخُرِّجَت له مشيخة، وسمعها الشيخ شمس الدين الذهبي، وحدّث ب، صحيح البخاري بالكرك بالإجازة سنة سبع مئة.
وكان ديّناً وقوراً، عارفاً بفنّ الترسُّل خبيراً، هو والقاضي محيي الدين بن فضل الله يكتبان الأسرار ويحفظانها من استراق الشياطين الأشرار، يقرأان البريد، ويُدبّران الأمر في دمشق بالرأي السديد. ولم يزل كذلك إلى أن تفرّد القاضي
محيي الدين بصحابة ديوان الإنشاء، وهو كبير الديوان يجلس فيه كأنّه كِسرى في الإيوان، وخطّه يُزري بالحدائق، والمطالعة تروح إلى باب السلطان بخطه كالريحان فوق الشقائق، وكان قد أتقن كتابة المطالعة، وعرف البداءة في ذاك والمراجعة، وكتب النسخ من أحسن ما يُرى، وأبرز سطوره كأنما قد رصّعه جوهراً.
له ردّ على المعاني المبتدعة لابن الأثير، وله رسالة سمّاها رصف الفريد في وصف البريد، نظماً ونثراً.
ولم يزل على حاله إلى أن ورد النقض على كماله، ورُدّ بدره إلى أسرار هلاله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وعشرين وست مئة.
وكانت وفاته في ذي القعدة ثالث عشري الشهر المذكور من السنة المذكورة.
ومن شعره:
ولما بدا مُرخى الذوائب وانثنى ... ضحوك الثنايا مسبل الصدغ في الخدّ
بدا البدر في الظلماء والغصن في النَّقا ... وزهر الربا في الروض والآس في الوردِ
أنشده يوماً القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر:
لا تنكرنّ على الأقلام إنْ قصُرتْ ... لها مساعٍ إذا أبصرتَها وخُطَا
فعارض الطَّرْس في خد الطروس بدا ... من أبيض الرمل شيبٌ منه قدْ وخطا
فقال كمال الدين بن العطّار:
أقلام فضلك ما شابتْ ولا قصُرتْ ... لها مساعٍ إذا أنصفتها وخُطا
بل عارض الطَّرْس لما شاب عنبره ... بعشبه قيل شيبٌ فيه قدّ وخَطا
وكتب هو إلى القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:
سقى وحيّا الله طيفاً أتى ... فقمت إجلالاً وقبّلتُه
لشدّة الشوق الذي بيننا ... قد زارني حقاً وقدْ زرتُهُ
فكتب الجواب عن ذلك:
في النوم واليقظة لي راتبٌ ... عليك في الحالين قرّرْتُه
تفضّل المولى إذا زاره ... طيفي خيالي منه أنْ زُرتُه
أحمد بن محمود بن عبد السيد
القاضي نظام الدين بن الإمام العلاّمة الشيخ جمال الدين الحَصيري الحنفي.
كان يدرّس بالنورية إلى حين وفاته.
قال شيخنا علم الدين البِرزالي: لا أعرف له رواية. وتاب مدة في الحكم بدمشق، وكان يكتب في الفتاوى، وله ذهنٌ جيّد وعبارةٌ طَلْقة.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر المحرّم سنة ثمان وتسعين وست مئة.
أحمد بن محمد بن مري
الشيخ الإمام الفاضل شهاب الدين البعلبكي.
كان في مبدأ حاله منحرفاً عن الشيخ تقي الدين بن تيمية، وممن يحطّ عليه، فلم يزل من أصحابه إلى أن اجتمع به فمال إليه، وأحبّه ولازمه وترك كل ما هو فيه، وتلمذ له ولازمه مدة، وتوجّه إلى الديار المصرية، واجتمع بالأمير بدر الدين جنكلي بن البابا، فأذن له في الجلوس والكلام على الناس بجامع الأمير شرف الدين حسين بن جندر بحكر جوهر النوبي، لأن الأمير بدر الدين كان الناظر في أمر الجامع المذكور، فجلس وتكلم مدة، إلى أن تكلم في مسألة الاستغاثة والوسيلة برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمنعه قاضي القضاة المالكي من الجلوس في سادس عشري شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ثم إنه أُحضر بيد يديّ السلطان، وأُحضر بعد ذلك عند النائب في خامس شهر ربيع الآخر وحبسه القاضي المالكي، ثم غلَّظ عليه، وقيّده، ثم إنه ضربه نحو خمسين سَوطاً في تاسع عشري جمادى الأولى، وتسلّمه والي القاهرة وأقام عنده يومين، وسفّره هو وأهله إلى بلد الخليل عليه السلام، ثم إنه حضر وحده إلى دمشق في شهر رمضان من السنة المذكورة. وكان قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة قد أثنى عليه هو والأمير بدر الدين جنكلي وغيره من الأمراء قدّام السلطان.
أحمد بن مسعود بن أحمد
ابن ممدود بن برشق، شهاب الدين أبو العباس الضرير السنهوري - بالسين المهملة
والنون والهاء والواو والراء، على وزن منصور - المعروف بالمادح، لأنه كان يكثر من أمداح سيدنا محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اجتمعت به غير مرة عند الصاحب أمين الدين في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالديار المصرية، وكان قد أضرّت عيناه، وجعلت قلبه الذكي ميناه، حفَظة لُفَظة، يتأثّر بكلامه كلّ من وعظَه، له قدرة زائدة على النظم، والنفَس الذي يذوب له اللحم، وينخر العظم من الالتزام الذي يأتي به، ويبدع في أسلوبه، فينظم قصيدة في كل بيت منها حروف المعجم، أو في كل بيت في كل كلمة منه ضاد أو حرف ظاء، أو غير ذلك من الحروف التي ما لها في دور الكلام اعتضاد.
ولم يزل على حاله إلى أن سكن جلده التراب، وفارق من يعزّ عليه من الأتراب.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
أنشدني من لفظه لنفسه:
إن أنكرتْ مقلتاكَ سفكَ دمي ... فوردُ خدّيك لي به تشهدْ
يُجرّحه ناظري ويشهد لي ... أليس ظلماً تجريحي الشاهدْ
أطاعك الخافقان تِهْ بهما ... قلبي المعنّى وقُرطك المائد
قلت: هو من قول ابن سناء الملك:
ملكتِ الخافقين فتُهتِ عُجباً ... وليس هما سوى قلبي وقرطك
وأنشدني له:
يا من له عندنا أيادٍ ... تعجز عن وصفها الأيادي
فيك رجاءٌ وفيك يأسٌ ... كالحرّ والبرد في الزِّناد
أحمد بن المسلم بن محمد
ابن المسلّم، الأجلّ عز الدين ابن الشيخ شمس الدين بن علاّن القيسي الدمشقي.
سمع من أبي نصر بن الشيرازي، وشيخ الشيوخ ابن حَمّوُيَه والسخاوي، وإبراهيم الخشوعي، ولم يُرَ له سماع من ابن اللتي، ولا من ابن الزبيدي. وحفظ كتاب التنبيه، وخدم في الجهات السلطانية، وولّي نظر بعلبك مرات.
ولم يزل على حاله إلى أن هبط ابن علاّن إلى حضيض قبره، ولحق بمن يعامله بلطفه وجَبره.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة أربع وعشرين وست مئة.
أحمد بن مظفر بن مزهر
القاضي فخر الدين النابلسي، الكاتب المشهور أخو الصاحب شرف الدين بن مُزهر.
رُتب أول الدولة المظفر قُطر مقابل الاستيفاء بدمشق، ولما ولي الأمير علاء الدين طَيبُرس النيابة في أول الدولة الظاهرية عزله وجعله ناظر بَعْلبك.
قال ابن الصُّقاعي: فحصل له من جهة الأمير ناصر الدين بن التبنيني النائب بها صداع وإخراق لأمر تعرّض إليه بسبب الحريم، وأرسله مُقرَّما إلى النائب بدمشق، وكان طَيبُرس يكره بني مزهر من أجل نجم الدين أخيه لملازمة علاء الدين البندقدار، وكان طيبرس راكباً فلما أقبل من الركوب ورآه أمر برمْيه في البركة وأن يدوسه المماليك بأرجلهم وأن يحمل عشرة آلاف درهم، ثم إنه عاد بعد ذلك إلى مقابلة الاستيفاء ورتّبه الأفرم صاحب الديوان بدمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن مزهر وقد ذوى، وأمسى فخره المُشمخر وقد هوى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة.
أحمد بن مظفر بن أبي محمد
ابن مظفّر بن بدر بن الحسن، الشيخ الإمام الحافظ الثبت المسند الحجة شهاب الدين أبو العباس النابلسي الأشعري.
كان ثبتاً، حافظاً متقناً تخاله بالدر لافظاً، متحرّياً لا متجرّياً، متحلياً بالقناعة
عن الدنيا متخلياً، لا يزاحم الناس في دنياهم، ولا يسعى مسعاهم، قد قنع من العيش بالبَرْص، وتخيّل أنه قد ملك الأرض، وكان لا يحدث إلا من أصوله، ولا يتكل إلا على محصوره في محصوله، وكان جَلْداً في أشعريته، مبالغاً في الانتصار لعقيدته، قيل: إنه لم يحدّث حنبلياً، ويرى أنه لو فعل ذلك كان بالدم مليّاً، وبه تخرّج شيخنا الحافظ الذهبي، ومنه أصبح في علْم الرواية وهو غير غبي، على أن ابن مظفر ما سلم من جَرْح الذهبي ولا طعنه، وساقه في ركب مَنْ جَرّحه وظَعَنَه، وروماه بما الله به عليم، وتحمّل من إثمه ما يثقله " يوم لا ينفع مالٌ ولا بَنونَ إلاّ مَنْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ ".
ولم يزل ابن مظفّر إلى أن علقت به أظفار شُعوب، وآذن شهابه بعد الطلوع بالغروب.
وتوفي في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع، وقيل: سنة خمس وسبعين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى ولم يكن عنده في بيته أحد، ففُقد بعد ثلاثة أيام وأربعة، ففُتح عليه الباب ودخلوا إليه، فوجدوه ساجداً وهو ميّت.
أخبرني نور الدين أبو بكر أحمد بن علي بن المقصوص الحنفي، وكان به