بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 395

قلت: في البيت الثالث نظر.
وكان مقيماً بدمياط، وهو خفيف الحركة، جمُّ النشاط لأنه كان خطيب الورّادة، يجيء إليها كل جمعة، ويخطب بها على العادة، ثم يعود إلى دمياط.
ولم يزل على حاله إلى أن صار ابن الجبّاس في الجبّان، وانتقل إلى رحمة الملك الديّان.
وتوفي رحمه الله تعالى....
وسألته عن مولده فقال: في سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وأجاز لي بخطه ما يجوز لي تسميعه، وأنشدني من لفظه لنفسه يصف المور:
كأنما الموز في عراجنه ... وقد بدا يانعاً على شجرهْ
فروع شعرٍ برأس غانيةٍ ... عُقصن من بعد ضمّ منتشره
وفي اعتدال الخريف أحسن ما ... تراه في وَردِه وفي صدره
كأنّ مَنْ ضمّه وعقّصه ... أرسل شُرّابةً على أثره
كأن أشجاره وقد نُشرتْ ... ظلال أوراقه على ثمره
حاملةٌ طفلها على يدها ... تظلّه بالخِمار من شَعره
كأنما ساقُه الصقيل وقد ... بدت عليه نقوش معتبره
ساقُ عروسٍ أُميط ميزرُها ... فبان وشيُ الخضاب في حبره
يصاغ من جدولٍ خِلاخلها ... فتنجلي والنشار من زهره
حدائقٌ خفقت سناجقُها ... كأنها الجيش أمّ في زُمره


صفحه 396

زُهي فَراق العيون منظره ... فما تملُّ العيونُ من نظره
وكل آياته فباهرةٌ ... تَبين في وِرده وفي صدره
كأنما عمره الحقير حكى ... زمان وصل الحبيب في قصره
كأن عرجونه المشيب أتى ... يخبر أنْ خانه انقضى عمره
كأنه البدر في الكمال وقد ... أصيب بالخُسف في سنا قمره
كأنه بعد قطعه وقد اص ... فرّ لما نال من أذى حِجره
متيّمٌ قد أذابه كَمدٌ ... يبيت من وَجْده على خَطَره
معلّقٌ بالرجاء ظاهره ... يخبر عمّا أجنّ من خَبره
يطيب ريحاً ويُستلذّ جنىً ... على أذىً زاد فوق مُصطَبره
كأنه الحُرّ حالَ محنته ... يزيد صبراً على أذى ضرره
قلت: قد تكرر معه لفظ في وِرده وفي صدره في موضعين وهو عيب جائز، وفي بقية الأبيات لا يجوز من حيث العربية، ولكن لهذه الأبيات ديباجة لحلاوة هذه القافية.
وأنشدني من لفظه لنفسه في رمّانة:
كتمتْ هوىً قد لجَّ في أشجانها ... وحشَتْ حشاها من لظى نيرانها
فتشقّقتْ من حبّها عن حبها ... وجداً وقد أبدى خَفا كِتمانها
رُمّانةٌ ترمي لها أيدي النوى ... من بعدما رُمّا على أغصانها
فاعجبْ وقد بكت الدموع عَقائقاً ... لا مِنْ محاجرها ولا أجفانها
ومن نظمه أيضاً، والتزم الهاء الأولى.
أفنيتُ ماء الوجه من طول ما ... أسأل مَن لا ماء في وجهه


صفحه 397

أُنهي إليه شرحَ حالي الذي ... يا ليتني متُّ ولم أُنهه
فلم يُنلني كرماً رَفْدُه ... ولم أكد أسلم من جبهه
الموت من دهرٍ جهابيذه ... ممتدّة الأيدي إلى بُلْهه
ومن نظمه أيضاً وقد اشتهر:
وقائلةٍ ما بالُ دمعك أسوداً ... وقد كان محمرّاً وأنتَ نحيلُ
فقلت دمي والدمع أفناهما البكا ... وهذا سوادُ المقلتين يَسيل
وأنشدني من لفظه قطعةً خمَّس بها قصيدة شيخنا العلاّمة أبي الثناء في مدح سيّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، التي أولها:
هذا اللقاء وما شِفيتُ غليلاً ... كيف احتيالي إن عزَمتُ رحيلا
وكتب بخطّه على كتابي جنان الجناس:
أتطنّ قلباً منك يوماً قد خلا ... وهواك ما بين الضلوع تخلّلا
وكتابك البحر المحيط بفضل ما ... عَقَد الجمان معقداً ومفصّلا
بهر العقول جِناسه فجنانه ... تُدني جَناه يانعاً ومذلَّلا
روض تفتّق زهره وتكهّلا ... أفقٌ تألّق بدره فتكمّلا
يهدي المعاني من مغانيها التي ... غَنيت فأغنت كلّ فهْم أمحلا
إن قال غرٌّ مثله فيما مضى ... فلقد تأوّل باطلاً وتقوّلا
فليهني العلياء ما تجري به ... أقلامك الغرُّ الميامنة العُلا
وليهنئ القرطاس ما قلدته ... يا ابن الكرام من المآثر والحُلا
كتبتْ عليه من الأفاضل سادةٌ ... مدْحاً يروق مدبَّجاً ومسلسلا
ورأيتُ أني عن مداهم قاصرٌ ... فقعدتُ ثم أتيتهم متطفّلا


صفحه 398

أين الثريّا والثرى أين السهى ... ممن سها أن التداني والقلا
دُم في سعودك يا خليل فلا خلا ... منك المكان ولا سلا عنكَ الملا

أحمد بن مهنا بن عيسى
الأمير شهاب الدين أمير آل فضل، يأتي ذكر أبيه وإخوته في مكانهم.
لم يكن في أولاد الأمير حسام الدين مهنّا أدين منه، ولا أكثر رجوعاً إلى الحق فيما استفاض عنه، وهو شقيق موسى وسليمان، وكان يرجع في المعاملة إلى أمان وإيمان، ويستدين على ذمته بلا حجة ولا رهن ولا أيمان، ويفي لمن عاهده، ويعجب في أحواله من شاهده، وكان يُباري الغمائم بكرمه، ويجير الخائف في حَرَمه، حُمل إليه يوماً من أنعامه وهو في مشهد عثمان بالجامع الأموي بدمشق مبلغ سبعين ألف درهم، ففرّقها جميعها بعصىً في يده، ولم يلمس منها درهماً في منتقاه ولا منتقده.
حكى لي نائبه على سَلَمية قال: لما جئنا في أيام الصالح إسماعيل إلى دمشق جاءه رجل ونصحه، وقال له: إن كتاب السلطان جاء إلى طُقُرتُمر وفيه أنه يمسك كل من حضر من أولاد مهنّا، ومتى دخلت أمسكك، قال: فقلت له: يا أحمد لا تعبر دمشق، وعُد من ههنا إلى بيوتك، فقال: ما أروح، والسلطان حبسه ثلاث ليال، والباقي بعد ذلك حبسُ الله، ولا أعصي الله، ولا أعصي السلطان، وإنْ أخذ خبزي أكلتُ من أملاكي، وإن أخذ أملاكي بعت أباعري وخيلي وأكلت منها إلى أن أموت.


صفحه 399

قال لي أيضاً: وهو لا يتداوى من مرض يكون به، ولا يأكل من أحد شيئاً فيتّهمه، ولو قيل له: هذا طعام مسموم تناوله منه، وقال: " بسم الله " وأكله، ولمّا ورد في آخر أيام الصالح سنة خمس وأربعين وسبع مئة في أحد شهري جُمادى أمسكه الأمير سيف الدين طُقزتمر واعتقله بقلعة دمشق، فبقي فيها مدّة، ثم إنه نُقل إلى قلعة صَفد وأقام بها مُعتقلاً إلى أن توفي الملك الصالح إسماعيل، وتولّى أخوه الكامل، وطلب أحمد بن مهنّا إلى مصر، وأعطاه الكامل إمرة آل فضل، ولم يزل فيها إلى أن تولّى الإمرة سيف بن فضل ابن عمّه في أيام المظفّر حاجي، ولما كان في آخر أيام المظفّر أعيدت الإمرة إلى أحمد بن مهنّا، فتولاّها بعدما طُلب إلى مصر، ولم تزل الإمرة بيده إلى أن نزل به القضاء، وضاق به الفضاء.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
وكان ذكر لي أن مولده سنة أربع وثمانين وست مئة.
ووفاته بمنزلة كواتل، ونقل منها إلى مشهد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند رحبة مالك بن طوق، ودفن هناك.

أحمد بن موسى بن عيسى
بن أبي الفتح
أبو العباس البَطَرْني المالكي الأنصاري، شيخ القراءات والحديث بتونس.
أخذ القراءات عن أبي محمد عبد الله بن عبد الأعلى الشُّبارتي صاحب


صفحه 400

بن عون الله، وعن أبي بكر بن مَشلْيون وطائفة. وروى عن صالح بن محمد بن وليد، ومحمد بن أحمد بن ماجه، وعلي بن محمد الكِناني.
وكان صالحاً مباركاً فاضلاً مشاركاً، له صيت وسُمعة ولخشوعه تنفس ودمعه.
ولم يزل على حاله إلى أن أتاه اليقين ودرج إلى المتّقين.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة، وتبرك الخلق بجنازته، وتوهموا أنهم في كنفه وحيازته.

أحمد بن موسى بن محمد بن أحمد
عز الدين بن قُرصة الفيّومي المولد القوصيّ الدار.
تولّى نظر قوص والإسكندرية، وكان من تلاميذ الشيخ ابن عبد السلام، وكان قليل الكلام، بريئاً من الملام، لا يتكلم إلا بإعراب، ولا يأنس إلا بمن هو عامر الباطن غير خراب.
أمسكه الأمير علم الدين الشُّجاعي واستحضره، فقال له: المال، قال: مبتَدأ بلا خبر، فقال له: تعال إلى هنا، قال: أخاف أن تضربني بهذه العصا التي في يدك، فتبسّم منه.


صفحه 401

وله كتاب سمّاه نتف المحاضرة، وله مسائل فقهية ونحوية ولغوية وأدبية، ودرّس بالمدرسة الأفْرميّة ظاهر قوص.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح تحت جندل وصفائح، وأقام فيه إلى أن تبعثر الضرائح.
وتوفي رحمه الله إحدى وسبع مئة.
ومن شعره:
إذا تزوج شيخ الدار غانيةً ... مليحة القدّ تزْهى ساعة النظر
فقد ترافع في أحواله وأتتْ ... قاف القيادة تستقصي عن الخبر
ومنه:
لا تحقرنّ من الأعداء من قصُرتْ ... يداه عنك وإن كان ابن يومينِ
فإن في قَرصة معتبراً ... فيها أذى الجسم والتسهيد للعين
ومنه:
الشيب عيبٌ ولكن عينه قُلعت ... بالشين من شدّة فيه وتعذيب
والشيب شينٌ ولكنْ نونُه حذفت ... بباءٍ بُعدٍ عن اللذّات والطيب
ومنه:
يا من يعذّب قلبه في صورة ... سوداء مظلمةٍ مفحم النار
أتعبتَ نفسك في سوادٍ مظلمٍ ... إن السواد يُضرّ بالأبصار
وإذا عدلتَ عن البياض وحُسنه ... ماذا تؤمِّل في سواد القار


صفحه 402

ومنه:
نحن نسعى والسعيُ غيرُ مفيدٍ ... إنْ أراد الإلهُ منعَ المغانم
وإذا ما الإله قدّر شيئاً ... جاء سعياً إلى الفتى وهو نائم
قلت: شعر جيّد.

أحمد بن نصر الله بن باتكين
محيي الدين القاهري.
سمع حرز الأماني على سديد الدين عيسى بن أبي الرحم إمام جامع الحاكم.
كان شاعراً قادراً، ناظماً في فن الأدب ماهراً، كتب إلى أدباء عصره، وراجعه شعراء دهره، وكانت تدور بينهم كؤوس الأدب، لا كؤوس الجَنَب.
وأنشدني من لفظه العلاّمة أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه:
أقسمتُ بالله وآياته ... يمينَ برٍّ صادق لا يمينْ
لو زِدْتَ قلبي فوق ذا من أذىً ... ما كنت عندي غير عيني اليمين
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
يا حفنَ مقلته سكرتَ فعربد ... كيف اشتهيتَ على فؤادي الكمد