أين الثريّا والثرى أين السهى ... ممن سها أن التداني والقلا
دُم في سعودك يا خليل فلا خلا ... منك المكان ولا سلا عنكَ الملا
أحمد بن مهنا بن عيسى
الأمير شهاب الدين أمير آل فضل، يأتي ذكر أبيه وإخوته في مكانهم.
لم يكن في أولاد الأمير حسام الدين مهنّا أدين منه، ولا أكثر رجوعاً إلى الحق فيما استفاض عنه، وهو شقيق موسى وسليمان، وكان يرجع في المعاملة إلى أمان وإيمان، ويستدين على ذمته بلا حجة ولا رهن ولا أيمان، ويفي لمن عاهده، ويعجب في أحواله من شاهده، وكان يُباري الغمائم بكرمه، ويجير الخائف في حَرَمه، حُمل إليه يوماً من أنعامه وهو في مشهد عثمان بالجامع الأموي بدمشق مبلغ سبعين ألف درهم، ففرّقها جميعها بعصىً في يده، ولم يلمس منها درهماً في منتقاه ولا منتقده.
حكى لي نائبه على سَلَمية قال: لما جئنا في أيام الصالح إسماعيل إلى دمشق جاءه رجل ونصحه، وقال له: إن كتاب السلطان جاء إلى طُقُرتُمر وفيه أنه يمسك كل من حضر من أولاد مهنّا، ومتى دخلت أمسكك، قال: فقلت له: يا أحمد لا تعبر دمشق، وعُد من ههنا إلى بيوتك، فقال: ما أروح، والسلطان حبسه ثلاث ليال، والباقي بعد ذلك حبسُ الله، ولا أعصي الله، ولا أعصي السلطان، وإنْ أخذ خبزي أكلتُ من أملاكي، وإن أخذ أملاكي بعت أباعري وخيلي وأكلت منها إلى أن أموت.
قال لي أيضاً: وهو لا يتداوى من مرض يكون به، ولا يأكل من أحد شيئاً فيتّهمه، ولو قيل له: هذا طعام مسموم تناوله منه، وقال: " بسم الله " وأكله، ولمّا ورد في آخر أيام الصالح سنة خمس وأربعين وسبع مئة في أحد شهري جُمادى أمسكه الأمير سيف الدين طُقزتمر واعتقله بقلعة دمشق، فبقي فيها مدّة، ثم إنه نُقل إلى قلعة صَفد وأقام بها مُعتقلاً إلى أن توفي الملك الصالح إسماعيل، وتولّى أخوه الكامل، وطلب أحمد بن مهنّا إلى مصر، وأعطاه الكامل إمرة آل فضل، ولم يزل فيها إلى أن تولّى الإمرة سيف بن فضل ابن عمّه في أيام المظفّر حاجي، ولما كان في آخر أيام المظفّر أعيدت الإمرة إلى أحمد بن مهنّا، فتولاّها بعدما طُلب إلى مصر، ولم تزل الإمرة بيده إلى أن نزل به القضاء، وضاق به الفضاء.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
وكان ذكر لي أن مولده سنة أربع وثمانين وست مئة.
ووفاته بمنزلة كواتل، ونقل منها إلى مشهد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند رحبة مالك بن طوق، ودفن هناك.
أحمد بن موسى بن عيسى
بن أبي الفتح
أبو العباس البَطَرْني المالكي الأنصاري، شيخ القراءات والحديث بتونس.
أخذ القراءات عن أبي محمد عبد الله بن عبد الأعلى الشُّبارتي صاحب
بن عون الله، وعن أبي بكر بن مَشلْيون وطائفة. وروى عن صالح بن محمد بن وليد، ومحمد بن أحمد بن ماجه، وعلي بن محمد الكِناني.
وكان صالحاً مباركاً فاضلاً مشاركاً، له صيت وسُمعة ولخشوعه تنفس ودمعه.
ولم يزل على حاله إلى أن أتاه اليقين ودرج إلى المتّقين.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة، وتبرك الخلق بجنازته، وتوهموا أنهم في كنفه وحيازته.
أحمد بن موسى بن محمد بن أحمد
عز الدين بن قُرصة الفيّومي المولد القوصيّ الدار.
تولّى نظر قوص والإسكندرية، وكان من تلاميذ الشيخ ابن عبد السلام، وكان قليل الكلام، بريئاً من الملام، لا يتكلم إلا بإعراب، ولا يأنس إلا بمن هو عامر الباطن غير خراب.
أمسكه الأمير علم الدين الشُّجاعي واستحضره، فقال له: المال، قال: مبتَدأ بلا خبر، فقال له: تعال إلى هنا، قال: أخاف أن تضربني بهذه العصا التي في يدك، فتبسّم منه.
وله كتاب سمّاه نتف المحاضرة، وله مسائل فقهية ونحوية ولغوية وأدبية، ودرّس بالمدرسة الأفْرميّة ظاهر قوص.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح تحت جندل وصفائح، وأقام فيه إلى أن تبعثر الضرائح.
وتوفي رحمه الله إحدى وسبع مئة.
ومن شعره:
إذا تزوج شيخ الدار غانيةً ... مليحة القدّ تزْهى ساعة النظر
فقد ترافع في أحواله وأتتْ ... قاف القيادة تستقصي عن الخبر
ومنه:
لا تحقرنّ من الأعداء من قصُرتْ ... يداه عنك وإن كان ابن يومينِ
فإن في قَرصة معتبراً ... فيها أذى الجسم والتسهيد للعين
ومنه:
الشيب عيبٌ ولكن عينه قُلعت ... بالشين من شدّة فيه وتعذيب
والشيب شينٌ ولكنْ نونُه حذفت ... بباءٍ بُعدٍ عن اللذّات والطيب
ومنه:
يا من يعذّب قلبه في صورة ... سوداء مظلمةٍ مفحم النار
أتعبتَ نفسك في سوادٍ مظلمٍ ... إن السواد يُضرّ بالأبصار
وإذا عدلتَ عن البياض وحُسنه ... ماذا تؤمِّل في سواد القار
ومنه:
نحن نسعى والسعيُ غيرُ مفيدٍ ... إنْ أراد الإلهُ منعَ المغانم
وإذا ما الإله قدّر شيئاً ... جاء سعياً إلى الفتى وهو نائم
قلت: شعر جيّد.
أحمد بن نصر الله بن باتكين
محيي الدين القاهري.
سمع حرز الأماني على سديد الدين عيسى بن أبي الرحم إمام جامع الحاكم.
كان شاعراً قادراً، ناظماً في فن الأدب ماهراً، كتب إلى أدباء عصره، وراجعه شعراء دهره، وكانت تدور بينهم كؤوس الأدب، لا كؤوس الجَنَب.
وأنشدني من لفظه العلاّمة أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه:
أقسمتُ بالله وآياته ... يمينَ برٍّ صادق لا يمينْ
لو زِدْتَ قلبي فوق ذا من أذىً ... ما كنت عندي غير عيني اليمين
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
يا حفنَ مقلته سكرتَ فعربد ... كيف اشتهيتَ على فؤادي الكمد
ورميتَ عن قوس الفتور فأصبحت ... غَرَضاً لأسهمكَ القلوب فسدّدِ
لم تغضضِ الجفْن الكحيل تغاضياً ... إلاّ لتقتلنا بسهم مغمَدِ
من لم يَبتْ بعذاب حُبّك قلبه ... متنعّماً لا فاز منك بموعدِ
للصبّ أسوةُ خالٍ خدّك إنه ... متنعّمٌ في جَمره المتوقّد
قلت: هذا يشبه قول عفيف الدين التلمساني:
قلبي المنعّم في هواك بناره ... إنْ كان غيري في الهوى متألّم
للصبّ أسوةُ خالٍ خدّك إنه ... في جمره متوقّداً متنعِّم
وكتب أبو الحسين الجزار إليه مُلغزاً:
وما شيءٌ له نقشٌ ونفسٌ ... ويؤكل عَظْمه ويحكّ جلده
يؤدّبه الفتى إدراك سُؤْلٍ ... وقد يلقى به ما لا يؤدّه
ويأخذ منه أكثره بحقٍّ ... ولكن عند آخره يردّه
فكتب الجواب إليه محيي الدين المذكور:
أمولاي الأديب دعاء عبد ... ودود لا يحول الدهرَ ودّه
يرى محض الثناء عليك فَرضاً ... ولا يثني عِنان الشكر بُعده
لقد أهديتَ لي لغزاً بديعاً ... يضلّ عن اللبيب لديه رُشده
وقد أحكمتَه دُرّاً نَضيداً ... يُشنِّف مسمعي بالدُّرّ عقده
فشطرُ اللغز أخماسٌ ثلاث ... للغزكَ إنْ تُردْ يوماً أحدُّه
وباقيه مع التصحيف كسْبٌ ... إذا ما زدته حرفاً تعُدّه
هما ضدان يقتتلان وهْناً ... ويضطجعان في فرْش تمدُّه
هما جيشان من زنجٍ ورومٍ ... يُقابل كل قرنٍ منه ضدُّه
تقوم الحرب فيه كل حينٍ ... ولا تَدْمى من الوقعات جُندُه
ويشتدّ القتال به طويلاً ... ويحكم بالأصاغر فيه عقدُه
ويقتل ملكه في كل حينٍ ... ويبعثه النشاط فيستردُّه
وما يُنجي الهمامَ به حُسام ... وقد ينجي من الإتلاف بنده
ونصر الله في الهَيجا سجالٌ ... فمن شاء الإله به يمدُّه
وهذا كلُّه حَسْبَ اجتهادي ... وغاية فكرة الإنسان جُهْدُه
ونقلت من خطِّ الحافظ اليغموري قال: أنشدني محيي الدين أبو العبّاس الكاتب المصري لنفسه:
يا ناظراً في البيوت أعمى ... عن كل خيرٍ وكل برِّ
أسود كالفحم فهو مأوى ... كل شرار وكل شرِّ
ونفخ هذا الوزير فيه ... أحرقَ كل الورى بجمرِ
ولم يزل محيي الدين المذكور على حاله إلى أن فرّق الموت بينه وبين ذويه، وتصرّف الوارث فيما كان يحتويه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة.
وكان المذكور قد تناثرت أطرافه وحاق به تبذيره وإسرافه، فأصبح
لأعدائه رحمة، وأنار الحزنُ عليه كل قلب قد قسا وصار كالفحمة. وهذا محيي الدين هو الذي نظم ذينك البيتين في ابن بنت الأعز، يكتب في الكتب اسمه وحده، وقد ذكرتهما في ترجمة قاضي القضاة تاج الدين بن بنت العز.
أحمد بن نعمة بن حسن البقاعي
الديرمقري الدمشقي
الصالحي الحجّار الخياط الرحالة المعمَّر، شهاب الدين أبو العباس المعروف بابن الشِّحْنة.
خدم حجّاراً بقلعة دمشق سنة ثلاث وأربعين وست مئة، وكان لما حاصرها جند هولاكو، ولم يظهر أمره للمحدّثين إلى أثناء سنة ست وسبع مئة، فسألوه، فقال: كنا سمعنا، فوجدنا سماعه في أجزاء على أبي المنجا ابن اللتي.
وسمع منه جماعة جزء ابن مَخلد، ومسند عمر النجّاد، ثم ظهر اسمه في كراس أسماء السامعين بالجَبَل صحيح البخاري على ابن الزبيدي سنة ثلاثين، فحدّث بالجامع بضعاً وسبعين مرة بالبلد، وبالصالحية وبالقاهرة وبحماة وبعلبك وكفر بطنا وحمص.
وطلبه الأمير سيف الدين أرغعون الناصري نائب مصر، وسمع منه. وسمع منه القاضي كريم الدين الكبير، والأمير سيف الدين رحمه الله تعالى، والقضاة والأئمة.