قاضٍ ولكن على المعالي ... والدين والعقل والسَّداد
يعدل في حكمه ولكن ... إلى الرُشا أو عن الرشاد
فعُزل مرة ثانية، وتوجّه إلى القاهرة، وأقام يسعى بالعين إلى أن أصبح بالساهرة، فأكلت الأرض منه خبثاً، ورأى بالموت أن جدّه كان عبثاً.
وتوفي رحمه الله تعالى وعفى عنه في شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة، توفي هو وولداه في يوم واحد في طاعون مصر.
كان في أول أمره تاجراً بسوق الرمّاحين في دمشق، ثم إنه سعى في قضاء حلب، وأظنه أول مَنْ وليها من القضاة المالكية، فأساء السيرة، وظهر أنه خبيث السريرة، ففسّق العدول وأسقطهم، وضرب بعضهم بالسياط وحكم بفسق رفاقه الحكام، وحضرتْ كُتبهم إلى شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وحضَر كتاب النائب بحلب إلى الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام، فقال قاضي القضاة للنائب: الرأي أن تجهّز واحداً له دُرْبة يتوجه إلى حلب ويُصلح بينهم، وعيّنني قاضي القضاة لذلك، ثم لم يتم ذلك، وبطّله مَنْ بطّله، فكتب النائب إلى حلب بمطالعة السلطان، فكتب، فورد المرسوم بعزله، وتولى القاضي زين الدين أبو حفص بها إلى أن مات. ثم إنّ الرباحي سعى في العَود إلى حلب فأعيد، ولم يرجع عن غيّه، وأقام في قضية الدنَيْسري وكفّره، وهمّ بقتله، وحضرت الفتاوي عليه إلى الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الخوارزمي نائب دمشق من الأمير شهاب الدين القشتمري نائب حلب، فأحضر القضاة إلى دار العدل بدمشق، ووقفوا على ما كتب في حقّه فوجوده مُبْطلاً، وكتبوا إليه بالإنكار
عليه، وتوجه غرماؤه إلى مصر، فسعى، ولم ينجح مسعاه إلى أن طُعن هو وولداه وماتوا في يوم واحد، عفى الله عنه وسامحه.
ولقد كنا يوماً في دار العدل بحلب في أوائل قودم الأمير بكتمر المومني، فقال النائب يوماً كلاماً فيه بعضُ إنكار على القضاة، فخرج هو دون رفاقه، وقال لنفرة وزعارَة: أيش بالقضاة يا أمير؟ فنفر فيه النائب، وقال له: ما تتكلم بأدب!؟ ووضع يده على السيف، وتوعّد، فشغلتُه أنا بقراءة القصص عليه، فاشتغل بذلك لحظة، وقال لنقيب النقباء: ناد في الناس، مَن له على هذا القاضي شكوى، بحضر. فحضر في الوقت الحاضر ثلاثة عشر نفراً، وشكوا عليه، فقال له: يا قاضي، مّن يكون هذه سيرته ما يكون هذا نَفَسه. ثم عقد له ولهم مجلساً، ووزّنه لهم مبلغ أربعة عشر ألف درهم.
ولما زاد شرّه في المرة الأولى بحلب، صنع فيه القاضي زين الدين عمر بن الوردي رسالة، سمّاها الحُرقة للخْرِقة، ووصّى ابنه، قال: إن رجع القاضي عن فعله، اكتمها، واستمر، فأظهرها. فلم يرجع عن غيّه، فأظهرها. وهي نظم ونثر، أبدع فيها، وأتى فيها بكل معنى بديع. منها قوله رحمه الله تعالى:
حاكمٌ يصدُر منه ... خلْفَ كل الناس حَفْرُ
يتمنّى كُفْرَ شخص ... والرضا بالكفر كُفْرُ
وقوله:
امتلأت من ذهب أكياسه ... وقلبه ممتلئٌ من دَغَلْ
ما هو إلا حيّةٌ بَزْقُها ... بالسمّ، هذا المغربي الزَّغَلْ
وقوله:
قاض عن الناش غير راضٍ ... مباهتٌ غالظٌ مخالط
يكذب عن مالك كثيراً ... ويُسقط الناس وهو ساقط
وقوله:
تلِفَت مكاتيب الأنام بفعله ... وأبان عن عكس وكَثرة مَخْرَقهْ
ورمى الأكابر والأصاغر كاذباً ... بالكفر أو بالفسق أو الزندقه
وقوله:
لا واخذ الرحمنُ مصراً ولا ... أزال عنها حُسنَ ديباجه
ولّوا علينا قاضياً ثالثاً ... ما كان للناس به حاجه
وقوله:
كثير الجنون مسيء الظنون ... عدوّ الفنون لظىً محرقُ
فيصبغُ أصبغ من بهته ... وأشهبُ في عينه أبلق
وقوله:
إن الرياحيْ على جَهْله ... وجَوْره في حلب يحكُم
إنْ لم يكن في حلب مُسْلم ... فمصر ما كان بها مسلم
وقوله:
يحبّ مِنْ كل علم ... السين والقاف والطا
حاشى الرسالة منه ... ما خُلقُه بالمَوطّا
وقوله:
بالله يا أولياء مصر ... خذوه من عندنا بستر
متى رأيتم وهل سمعتم ... بأنّ قاضي القضاة جَمْري
وقوله:
يحبس في الردّة مَن ... شاء بغير شاهد
لا كان من قاض حكى ... الفقاع حَدّ بارد
وقوله:
في حلب قاضٍ على مالك ... قد اجترا ما فيه توفيق
ومن تلكّا معه قال نعم ... قد قيل لي إنك زنديق
وقوله:
قاضٍ من السوق أتى ... معتادُ بيع الأكسيهْ
ذا الموصّى يا مايعي ... كيف يعي للأقضيه
وقوله:
يا ساكني مصر ما عهدنا ... منكم سوى رحمة وأُلفه
فكيف ولّيتم علينا ... من لا تصح الصلاة خلفه
وقوله:
الألثغ الطاغي تولّى القضا ... عدمت هذا الألثغ الطاغي
إن سبّح الباري حكى سبّه ... فقال: سبحانك يا باغي
وقوله:
ولّيتم جاهلاً جريئاً ... ألثغ بالمسلمين ضار
مقلقلاً من بني رُبَاح ... نحن له من بني خُسار
وقوله:
كم أسقط شاهداً وعدْلاً ضابِطْ ... فالعالم كلهم عليه ساخط
من كثرة ما يُسقط خافت حلب ... أن يكتب ظاء حظها بالساقط
أحمد بن يحيى السُّهْرَوَرْدي
الكاتب المشهور ببغداد، حفظ القرآن، وتفقّه للشافعي، وقرأ العربية، ونظر في اللغة والمعقول، وحفظ المقامات الحريرية.
وسمع من رشيد الدين أبي عبد الله المعرّي، وأبي البركات بن الطبّال. وأجاز له جماعة.
وكان علماً مشهوراً في الكتابة وعِلم الموسيقا، فكتب على الشيخ زكي الدين عبد الله، وفاق شيخه في الكتابة. وأخذ علم الموسيقا عن الشيخ صفي الدين عبد المؤمن، وأجمع جماعة من أرباب هذا الفن أنه ما أتى بعده مثله.
وكان الشيخ شمس الدين المذكور حسن الأخلاق، كريم النفس في حالتي الغنى والإملاق، كثير الحيا، غزير الحُبَا. شريف النفس كثير الاتضاع، ذا مروءة يخاف مدى الدهر ألاّ تُضاع، كثير البشاشة سديد المقال، شديد الحرص على الأشغال والاشتغال، صاحب رأي وعزم، ونأيٍ عن الدناءة وحَزْم، بليغاً فصيحاً، مليَّ المحيّا بالقبول مليحاً، لطيفاً في حركاته وسكناته، كثير الرحمة لا يزعج الطير في وَكُناته، إماماً في الكتابة، رأساً لهذه العصابة.
كتب المصاحف في القطع الكبير والصغير، وأتى بها كأنها قطع الروض النضير. رأيت منها أنا جملة وافية، ودلّتني على محاسنها العينُ الصافية، فشاهدت منها ما يودّ فم
الثريا لو كان له لاثماً، وشهد عندي أن كاتبه يكون فوق الكواكب جاثماً، لا يُطلَق اسم الكاتب إلا عليه إجماعاً نصاً، ولا يرضى أن يكون ياقوت في خاتمه فَصّاً، فقد زعم كثير أنه كتب أحسن من ياقوت، وأنه لو كان في زمانه لعذُر عليه القوت. وقالوا إنه كتب بخطه ثمانية وسبعين مصحفاً وخَمْس ربعات، كل ربعة وَقْر بعير. وكتب بخطه أيضاً إحياء العلوم للغزالي، كتب كتاب المصابيح ثلاث نسخ، وعوارف المعارف لجد أبيه ثلاث نسخ، ومشارق الأنوار للصغاني ثلاث نسخ، كتاب الشفا لابن سينا في مجلد، والمقامات ثلاث نسخ، ومفصل الزمخشري نسختين، ونهج البلاغة أربع نسخ، وكتب من الأحاديث والأدعية والدواوين والدروج شيئاً كثيراً.
وكتب عليه جماعة، منهم القان أبو سعيد، والسلطان أتابك والوزير غياث الدين بن الرشيد، ونظام الدين بن يحيى بن الحكيم، وجماعة من أولاد الأئمة والقضاة والوزراء والفضلاء.
وقُصد من البلاد لحُسن خطّه، ولعلم الموسيقا. وطبقت مصنفاته الأرض في هذا العلم تطبيقاً. لأنه كان فيها لا يُبارى، ولا يُباده ولا يجارى. إذا وقّع أغرب، وإذا
تنحنح، قيل إنه من الأوتار أطرب. قد ألطف لجسّه إبْريسَمُه، وطُبع على هذه الصناعة مِيسَمُه، إلا أنه أخيراً أنِف من نسبة هذا الفن إليه، ونفض منه يدَيْه.
وكان حظيّ الذِّكر عند الملوك، تكاد أنباؤه تنخرط مع الدرّ في السلوك. كاتبه سلطان الهند وصاحب اليمن وجماعة ليمضي إليهم فما وافق ولا رافق، ولا نافى في الظاهر ولا نافق.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل الكسوف بشمسه، وجعل الموت قُربه أبعد من أمسه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أواخر شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وصُلّي عليه بجامع الخليفة، ودفن عند جدّه.
ومولده ببغداد سنة أربع وخمسين وست مئة. ومات وما في لحيته من الشيب إلا شعرات يسيرة.
ومن شعره:
بدا نجم السعادة في الصعود ... وبَشَّر بالميامن والسعود
وحقق فيك آمالَ البرايا ... بما أولاك من كرمٍ وجود
فلاح لنا الفلاحُ وحلّ فينا ... محلَّ الروح من جسم العميد
وأبقينا النفوسَ بظلّ أمن ... يعمّ الخلق في مُدُن وبيد
بعدلٍ شامل في كل أرضٍ ... لسلطان الزمان أبي سعيد
قد قنعنا بخمولٍ عن غنى ... وبعزّ اليأس عن ذلّ التمني
فكريم القوم لا أسأله ... فلماذا يُعرض الباخل عنّي
قلت: إلا أن هذا شعر نازل، وهو اقرب إلى التوسّط.
أحمد بن يحيى بن فضل الله
بن المجلّي بن دعجان
ينتهي إلى عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. القاضي شهاب الدين أبو العباس ابن القاضي محيي الدين القرشي العدويّ العمري الدمشقي.
الإمام الفاضل البليغ المفوّه حجة الكتّاب، غمام أهل الآداب، الناظم الناثر، أحد رجالات الزمان كتابة وترسُّلاً، وتوصلاً إلى غايات المعالي وتوسّلاً، وإقداماً على الأسود في غابها، وإرغاماً لأعاديه بمنع رغابها، يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهّب، ويتحدّر سَيْله ذاكرةً وحفظاً ويتصبّب، ويتدفق بحره بالجواهر كلاماً، ويتألّق إنشاؤه بالبوارق المتسرعة نظاماً، ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة، وتندى عبارته انسجاماً وصياغة، وينظر إلى عيب المعنى من سترٍ رقيق، ويغوص في لجّو البيان فيظفر بكبار الدُّرّ من البحر العميق، استوت بديهته وارتجاله، وتأخر عن فروسيّته من هذا الفن رجاله، يكتب من رأس قلمه بديهاً ما يعجز تروّي القاضي الفاضل أنْ