أحمد بن يحيى السُّهْرَوَرْدي
الكاتب المشهور ببغداد، حفظ القرآن، وتفقّه للشافعي، وقرأ العربية، ونظر في اللغة والمعقول، وحفظ المقامات الحريرية.
وسمع من رشيد الدين أبي عبد الله المعرّي، وأبي البركات بن الطبّال. وأجاز له جماعة.
وكان علماً مشهوراً في الكتابة وعِلم الموسيقا، فكتب على الشيخ زكي الدين عبد الله، وفاق شيخه في الكتابة. وأخذ علم الموسيقا عن الشيخ صفي الدين عبد المؤمن، وأجمع جماعة من أرباب هذا الفن أنه ما أتى بعده مثله.
وكان الشيخ شمس الدين المذكور حسن الأخلاق، كريم النفس في حالتي الغنى والإملاق، كثير الحيا، غزير الحُبَا. شريف النفس كثير الاتضاع، ذا مروءة يخاف مدى الدهر ألاّ تُضاع، كثير البشاشة سديد المقال، شديد الحرص على الأشغال والاشتغال، صاحب رأي وعزم، ونأيٍ عن الدناءة وحَزْم، بليغاً فصيحاً، مليَّ المحيّا بالقبول مليحاً، لطيفاً في حركاته وسكناته، كثير الرحمة لا يزعج الطير في وَكُناته، إماماً في الكتابة، رأساً لهذه العصابة.
كتب المصاحف في القطع الكبير والصغير، وأتى بها كأنها قطع الروض النضير. رأيت منها أنا جملة وافية، ودلّتني على محاسنها العينُ الصافية، فشاهدت منها ما يودّ فم
الثريا لو كان له لاثماً، وشهد عندي أن كاتبه يكون فوق الكواكب جاثماً، لا يُطلَق اسم الكاتب إلا عليه إجماعاً نصاً، ولا يرضى أن يكون ياقوت في خاتمه فَصّاً، فقد زعم كثير أنه كتب أحسن من ياقوت، وأنه لو كان في زمانه لعذُر عليه القوت. وقالوا إنه كتب بخطه ثمانية وسبعين مصحفاً وخَمْس ربعات، كل ربعة وَقْر بعير. وكتب بخطه أيضاً إحياء العلوم للغزالي، كتب كتاب المصابيح ثلاث نسخ، وعوارف المعارف لجد أبيه ثلاث نسخ، ومشارق الأنوار للصغاني ثلاث نسخ، كتاب الشفا لابن سينا في مجلد، والمقامات ثلاث نسخ، ومفصل الزمخشري نسختين، ونهج البلاغة أربع نسخ، وكتب من الأحاديث والأدعية والدواوين والدروج شيئاً كثيراً.
وكتب عليه جماعة، منهم القان أبو سعيد، والسلطان أتابك والوزير غياث الدين بن الرشيد، ونظام الدين بن يحيى بن الحكيم، وجماعة من أولاد الأئمة والقضاة والوزراء والفضلاء.
وقُصد من البلاد لحُسن خطّه، ولعلم الموسيقا. وطبقت مصنفاته الأرض في هذا العلم تطبيقاً. لأنه كان فيها لا يُبارى، ولا يُباده ولا يجارى. إذا وقّع أغرب، وإذا
تنحنح، قيل إنه من الأوتار أطرب. قد ألطف لجسّه إبْريسَمُه، وطُبع على هذه الصناعة مِيسَمُه، إلا أنه أخيراً أنِف من نسبة هذا الفن إليه، ونفض منه يدَيْه.
وكان حظيّ الذِّكر عند الملوك، تكاد أنباؤه تنخرط مع الدرّ في السلوك. كاتبه سلطان الهند وصاحب اليمن وجماعة ليمضي إليهم فما وافق ولا رافق، ولا نافى في الظاهر ولا نافق.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل الكسوف بشمسه، وجعل الموت قُربه أبعد من أمسه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أواخر شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وصُلّي عليه بجامع الخليفة، ودفن عند جدّه.
ومولده ببغداد سنة أربع وخمسين وست مئة. ومات وما في لحيته من الشيب إلا شعرات يسيرة.
ومن شعره:
بدا نجم السعادة في الصعود ... وبَشَّر بالميامن والسعود
وحقق فيك آمالَ البرايا ... بما أولاك من كرمٍ وجود
فلاح لنا الفلاحُ وحلّ فينا ... محلَّ الروح من جسم العميد
وأبقينا النفوسَ بظلّ أمن ... يعمّ الخلق في مُدُن وبيد
بعدلٍ شامل في كل أرضٍ ... لسلطان الزمان أبي سعيد
قد قنعنا بخمولٍ عن غنى ... وبعزّ اليأس عن ذلّ التمني
فكريم القوم لا أسأله ... فلماذا يُعرض الباخل عنّي
قلت: إلا أن هذا شعر نازل، وهو اقرب إلى التوسّط.
أحمد بن يحيى بن فضل الله
بن المجلّي بن دعجان
ينتهي إلى عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. القاضي شهاب الدين أبو العباس ابن القاضي محيي الدين القرشي العدويّ العمري الدمشقي.
الإمام الفاضل البليغ المفوّه حجة الكتّاب، غمام أهل الآداب، الناظم الناثر، أحد رجالات الزمان كتابة وترسُّلاً، وتوصلاً إلى غايات المعالي وتوسّلاً، وإقداماً على الأسود في غابها، وإرغاماً لأعاديه بمنع رغابها، يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهّب، ويتحدّر سَيْله ذاكرةً وحفظاً ويتصبّب، ويتدفق بحره بالجواهر كلاماً، ويتألّق إنشاؤه بالبوارق المتسرعة نظاماً، ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة، وتندى عبارته انسجاماً وصياغة، وينظر إلى عيب المعنى من سترٍ رقيق، ويغوص في لجّو البيان فيظفر بكبار الدُّرّ من البحر العميق، استوت بديهته وارتجاله، وتأخر عن فروسيّته من هذا الفن رجاله، يكتب من رأس قلمه بديهاً ما يعجز تروّي القاضي الفاضل أنْ
يدانيه تشبيهاً، وينظم من المقطوع والقصيدة جَوْهراً، ما يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهراً، جبل كتابة وأخبار، وبحر إصابة في المعاني التي لا يشق له فيها غبار.
وأما نثره فقلْ من يُجازيه، أو يقارب خطو قلمه في تنسيق دراريه. وأما نظمه ففي الثريّا، وأبياته تطول في المحاسن ريّاً، وتضَوّع ريّاً.
قرأ العربية على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة، ثم على قاضي القضاة شمس الدين بن مُسلّم، والفقه على قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد، وعلى الشيخ برهان الدين قليلاً، وقرأ الأحكام الصغرى على الشيخ تقي الدين بن تيمية، والعروض على شمس الدين الصايغ، وتأدّب على علاء الدين الوداعي. وقرأ جملة من المعاني والبيان على شيخنا العلامة شهاب الدين محمود، وقرأ عليه تصانيفه، وجملة من الدواوين وكُتب الدب، وقرأ بعض شيء من العروض على الشيخ كمال الدين بن الزملكاني. والأصول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني. وقرأ بمصر على الشيخ أثير، وسمع منه. وسمع بدمشق والقاهرة والحجاز والإسكندرية وبلاد
الشام، ونظم كثيراً من القصائد والأراجيز والمقطعات ودو بيت وأنشأ كثيراً من التقاليد والمناشير والتواقيع والأصدقة.
كتب الإنشاء بدمشق أيام بني محمود، ثم ولي والده كتابة السرّ بدمشق، ثم طُلب إلى مصر هو ووالده في سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، وباشر والده كتابة السر بمصر، ثم خرج مع أبيه إلى دمشق، ثم عاد إليها معه في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وأقام إلى بعض سنة ست وثلاثين، وهو في المرة الأولى والثانية يدخل يقرأ البريد على السلطان، وفي الثانية جلس في دار العدل ووالده القاضي محيي الدين كاتب السر.
وجرى له ما جرى مع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ولزم بيته. ثم حجّ وحضر، وغضب عليه السلطان واعتقله بقلعة الجبل، وأخذ منه مئة ألف درهم، ولما أُمسك الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - ولاّه السلطان كتابة السرّ بدمشق، فحضر إليها يوم عاشوراء، فيما أظن، سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وباشر ذلك إلى آخر أيام أَيْدَغْمشُ نائب الشام، وتوجّه إلى حماة ليتلّقى الأمير سيف الدين طُقْز تَمُر من حلب، فجاءه الخبر في حماة أنه قد عزل بأخيه القاضي بدر الدين محمد، فجاء إلى دمشق، وذلك سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وبقي في الترسيم بالفلكية قريباً من أربعة أشهر، وطلب إلى مصر فما وصل إلى مصر حتى شفع فيه أخوه علاء الدين كاتب السر بمصر وردّه من الطريق، فقال: لا بد من أن أرى وجه أخي، فدخل مصر، وأقام أياماً، وعاد إلى دمشق بطّالاً، ولم يزل بها مقيماً في بيته إلى
أن حدث الطاعون بدمشق فقله منه، وتطاير به، وعزم على الحج، ثم أبطله، وتوجّه بأهله إلى القدس، فتوفيت هناك زوجته ابنه عمه، فدفنها هناك، وما به قلَبَة غير أنه مروع من الطاعون، فحصل له يوم وصوله حتى ربع، ودامت به إلى أن حصل له صَرْع، فمات منه، وسكن ذلك الهدير، ونضب ذلك الغدير، وكان يوم عرفة سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ودفن بتربتهم بالصالحية وكانت جنازته حافلة.
ومولده بدمشق ثالث شوال سنة سبع مئة.
وصنّف فواضل السمر في فضائل آل عُمر أربع مجلدات، وكتاب مسالك الأبصار في أكثر من عشرين مجلداً، ما أعلم لأحد مثله، تراجمه مسجوعة جميعها، ولي فيه عمل كثير في اختيار شعره، والدعوة المستجابة، وصبابة المشتاق، مجلد في مدائح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسفرة السفر، ودمعه الباكي ويقظة الساهر، وقرأتهما عليه بمصر، ونفخة الروض، وغير ذلك.
كتب إليّ ملغزاً:
أيها الفاضل الذي حاز فضلاً ... ما عليه لمثله من مزيد
قد تدانى عبد الرحيم إليه ... وتنادى إليه عبد الحميد
أي شيء سمّي به ذات خدر ... تائه بالإمام أو بالعبيد
هو وصف لذات سرٍ مصون ... وهي لم تخف في جميع الوجود
مذ مضى حينها بها ليس يأتي ... وهو يأتي مع الربيع الجديد
وهو مما يبشر الناس طراً ... منه مأتى وكثرة في العديد
وحليم إرادة لا لذات ... بل بشيء سواه في المقصود
ذاك شيء مَنْ ارتجاه سفيةٌ ... وهو شيء مخصّص بالرشيد
فكتبت أنا الجواب إليه وهو في " زبيدة ":
يا فريداً ألفاظه كالفريد ... ومجيداً قد فاق عبد المجيد
وإمام الأنام في كل علم ... وشريكاً في الفضل للتوحيد
علم العالمون فضلك بالعل ... م وقال الجهّال بالتقليد
من تمنى بأن يرى لك شبهاً ... رام نقضاً بالجهل حكم الوجود
طال قدري على المساكين لمّا ... جاءني منك عقد درّ نضيد
شابه الدر في النظام ولمّا ... شابه السحر شاب رأسُ الوليد
هو لغز في ذات خِدْر منيع ... نَزَلَتْ في العلى بقصر مشيد
هي أمّ الأمين ذاتُ المعالي ... من بني هاشم ذوي التأييد