وقد نظم المملوك قصيدة في رثاء المشار إليه، وجعلَ قوافيها تبكيه، وألفاظها تنوح عليه، وهي:
الله أكبرُ يا بن فَضْل الله ... شغلَتْ وفاتُك كلّ قلبٍ لاه
كلٌّ يقول وقد عرته كآبة ... واهاً لفقدك إنّ صبري واه
فقدتْ بك الأملاكُ بحرَ ترسلٍ ... متلاطمَ الأمواج بالأمواه
يا وحشة الإنشاء منكَ لكاتبٍ ... ألفاظه زهرَ النجوم تباهي
وتوجّع الأشعار فيك لناظمٍ ... من لطفه لشذى النسيم يضاهي
كم أمسكتْ يمناكَ طِرْساً أبيضاً ... فأعدْنه في الحال طرزاً باهي
كم قد أدَرْتَ من القريض قوافياً ... هي شهوة الناشي وزهو الزاهي
ورسالة أنشأتها هي حان ... هـ النبّاذ حازتْ حضرة الفَكّاه
ووضعتَ في الآداب كلّ مصنّف ... قالتْ له البُلَغاء زاهٍ زاهِ
كم قد خطرْت على المجرّة رافلاً ... يوم الفخار بمعطفٍ تيّاهِ
شَخَصت لعَلْياكَ النجومُ تعجباً ... ولك السَّهى يرنو بطرفٍ ساهِ
ما كنتَ إلا واحدَ الدهر الذي ... يسمو على الأنظار والأشباهِ
من بعدك الكتّاب قد كتبوا فما ... يجدون منجاةً لهم من جاهِ
أقلامهم قد أملقت ورمى الردى ... أدواتهم ودواتهم بدواهِ
وطروسُهم لبست حداد مدادها ... أسفاً عليك مؤكداً بسفاهِ
أمّا القلوب فإنها رهنُ الأسى ... تردُ القامة وهي فيك كما هي
أبداً يخيّل لي بأنك حاضر ... تُملي الفوائد لي وأنت تجاهي
فتعزَّ فيه واصطبر لمُصابه ... يا خير مولى آمرٍ أو ناهِ
فدوام ظلك في البرية نعمةٌ ... ولشكرها حتمٌ على الأفواهِ
لا زال جدّك في المعالي صاعداً ... رتباً سعادتها بغير تناهِ
أحمد بن يعقوب بن أحمد بن يعقوب
الإمام جمال الدين أبو العباس بن شرف الدين بن الصابوني. هو من ذريّة عبد المحسن بن حمّود الأديب، وقد ذكرته في تاريخي الكبير.
كان جمال هذا نزيلَ القاهرة، وبها رأيتُه. وكان بالحديث قد عني، وحصّل الأصول المليحة فغني، ودأب واجتهد، وبلغ الذروة واقتعد. وأسمعه والده من ابن البخاري وطبقته، وطلب هو بنفسه مع لِداته ورفقته، ومهر وتميّز، ومال إلى فئة الأشياخ وتحيّز.
ولم يزل على حاله إلى أن غُسل ابن الصابوني بماء الحِمام لا الحمّام، ورثاه حتى الساجعات على القضب من الحَمَام.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهلّ شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة.
أجاز لي بخطّه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة. وكان مولده بدار الحديث النورية بدمشق، ومنها كانت على وجهه أنوار، وفي روض الطروس في خطّه أنوار.
أحمد بن يوسف
بن هلال بن أبي البركات
الشيخ الطبيب شهاب الدين أبو العباس الصفدي.
مولده بالشُّغر وبَكاس، ثم إنه انتقل إلى صفد، وبها سمّي. ثم إنه انتقل إلى مصر، وخدم في جملة أطباء السلطان والبيمارستان المنصوري.
رأيته بالقاهرة غير مرّة، واجتمعت به، وأنشدني من لفظه لنفسه أشعاراً كثيرة. وكان شيخاً طوالاً، أبيض اللحية والحاجب، لا يُرى له عن الفضل حاجب، قادراً على النظم المحكم السّرد، قد أثبت على لغم النُّظّام الجوهر الفرد، وله قدرة على وضع المشجّرات فيما ينظمه، ويؤسس بنيانه ويُحكمه، ويُبرز أمداح الناس في أشكال أطيار، وعمائر وأشجار، ومآذن وعقد وأخياط، وصورة مُقاتلٌ ونَفّاط، بحيث إنه له في ذلك اليد الطولى، والقدرة على إظهار الأعاجيب التي تترك النواظر إليها حُولا.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل بالطبيب الداءُ الذي أعجزه طِبّه، وفارقه بالرُّغم خليله وحِبُّه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، فيما أظن.
ومولده سنة إحدى وأربعين وست مئة.
أنشدني من لفظه فيما يكتب على سيف:
أنا أبيضٌ كم جئتُ يوماً أسوداً ... فأعدتُه بالنصر يوماً أبيضا
ذَكَرٌ إذا ما استلّ يوم كريهة ... جعل الذكور من الأعادي حُيّضا
أختال ما بين المنايا والمنى ... وأجولٌ في وسط القضايا والقضا
ومن شعره:
حُجيتُ وقد وافيت أول قادم ... بأول شهر حلّ أول عامه
وكان خليل القلب في نار شوقه ... وكنت المنى في بَرُده وسلامه
ومنه:
وما زلتَ أنت المشتهى متولعاً ... بكثرة تردادٍ إلى الروضة الصغرى
إلى أن بلغتَ القصد في كل مشتهى ... من المصطفى المختار في الروضة
وكتب إليّ وقد وقف على شيء كتبته وزمّكته:
ومزمّكٍ باللازورد كتابةً ... ذهباً فقلت وقد أتتْ بوفاق
أأخذتَ أجزاء السماء حَلَلْتَها ... أم قدْ أذبْتَ الشمس في الأوراق
أكتبتَ بالوجنات حُمْرتها كما ... مخضَّرها بمرائر العُشّاقِ
وكتب هو إليّ أيضاً:
معانيك والألفاظُ قد سَحَر الورى ... لكلّ من الألباب قد أعطيا حظّا
فهبّك سَبَكْتَ التبرَ معنىً وصغته ... فكيف أذبْتَ الدّرَّ صيَّرته لفظا
فكتبتُ أنا إليه:
وحقِّك لم أكتبْ بتبرٍ كما ترى ... سطوراً غدا في وضْعها منية النفسِ
ولكنما هذي أشعّةُ وجهك ال ... كريم غدتْ على صفحة الطّرسِ
أحمد بن يوسف بن يعقوب
القاضي الكاتب الفاضل الناظم الناثر شمس الدين الطِيبيّ - بكسر الطاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها باء موحدة -.
كان فاضلاً أديباً، عالماً لبيباً، سامعاً على البديهة مجيباً، ينظم الدُرَر، ويطلع في طِرسه الزُّهر، وإن تنازلنا قلنا الزَّهَر، قادر على النظم، نتزل سكين فيه إلى العظم، ويأتي منه بما يشرف الأسماع ويشنفها، ويحكم على المعاني فيتنزل على مُراده ويصرّفها، يترسّل فلا يعثر له جواد قلم في ميدان إنشائه، ويستقي المعاني الغويصة من قَليب الفكر على قِصَر رشائه، رأيت بخطّه الحاجبية، وقد علق في آذان حواشيها أقراطاً، وأتى فيها بفوائد تدلّ على أنه من أئمة هذا الفن فيما تعاطى.
أخبرني القاضي شهاب الدين فضل الله قال: أخبرني جمال الدين بن رزق الله قال: كان عندنا ليلة في مجلس أُنس، وقد أخذت السُّلاف منه مأخذها إلى أن صار في غيبةٍ عن وجوده، وذكرنا له واقعة المسلمين على شَقْحب، ونصرتهم على التتار، وقلنا له: لو نظمت في هذا شيئاً، فأخذ الدواة، ونظم قصيدة تتجاوز التسعين بيتاً فائية، ومدح فيها السلطان. قال: فأعجبتنا وقمنا آخر الليل ورحنا إلى الحمّام، فلما أفاق وصحا وأجرَيْنا له ذكر القصيدة، فأنكر وقوعها، وحلف أن هذا أمر لم يبدُ منه، فقلنا له: هذه قصيدة فائية أوّلها:
برق الصوارم للأبصار يختطف
فقال: أروني إيّاها. فأوقفناه عليها، فأعجبته، وزاد إعجابنا بها. قال ابن رزق الله: وقمت وأخذتها وأتيت بها إلى والدك القاضي محيي الدين، فلما وقف عليها أعجبته، وأوقف عليها أخاه عمّك القاضي شرف الدين بن فضل الله فأعجبته، وكانت سبباً لأن استخدمه كاتب إنشاء بطرابلس، انتهى.
قلتُ: وهذه قصيدة بديعة في بابها، وسوف أوردها إن شار الله تعالى في ترجمة السلطان الملك الأعظم الناصر محمد بن قلاوون.
ولم يزل الطيبي في طرابلس على حاله إلى أن صار الطيبي في قبره جيفة، ولم يجد الحمام من حدّ لسانه خيفة.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس في شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.
ومولده في عشري الحجة سنة تسع وأربعين وست مئة.
ومن شعره:
لست أنسى الأحباب ما دمتُ حيّاً ... إذا نَوَرا للنوى مكاناً قصيّاً
وتلَوا آيةَ الدموع فخرّوا ... خِيفة البينِ سُجّداً وبُكيّا
فبذكراهم تسحّ دموعي ... كلما اشتقت بُكرةً وعشيّا
وأناجي الإله من فرط حزني ... كمناجاة عَبْدِه زكريّا
واختفى نورُهم فناديت ربي ... في ظلام الدجى نداءً خفيّا
وَهَنَ العظم بالبِعاد فهَبْ لي ... ربَّ بالقرب من لِدنك وليّا
واستجب في الهوى دعائي فإني ... لم أكن بالدعاء رَبِّ شقيّا
قد فرى قلبي الفراقُ وحقاً ... كان يومُ الفراق شيئاً فرّيا
ليتني متّ قبل هذا وأني ... كنتُ نِسياً يوم النوى منسيّا
لم يك الهجر باختياري ولكن ... كان أمراً مقدّراً مقضيّا
يا خليليَّ خلّياني وعشقي ... أنا أولى بنار وَجْدي صلّيا
إن لي في الفراق دمعاً مُطيعاً ... وفؤاداً صبّاً وصبراً عَصيّا
أنا في هجرهم وَصَلْتُ سُهادي ... فصِلاني أو اهجُراني مليّا
أنا في عاذلي وقلبي وحبّي ... حائرٌ أيّهم أشد عِتيّا
أنا شيخ الغرام مَنْ يتّبعني ... أهدِهِ في الهوى صراطاً سويّا
أنا مَيْتُ الهوى ويومَ أراهم ... ذلك اليومُ يومَ أُبعث حيّا
أنا لو لم أعش بمقْدَمِ مولى ... هو مولى الوجود لم أك شيّا
الفتى الباسطُ الجميلَ جمال ال ... دين من زار من نداه النديّا
سيّد مرتضى الخلائق أضحى ... راضياً عندّ ربّه مرضيّا
صادق الوعد بالوفاء ضمين ... كالذي كان وَعْدُه مأتيّا
أوحدٌ في الصفات لم يجعل الله ل ... هـ قطّ في السموّ سَميّا
لا يُرى في الصدور أرحبَ صدراً ... منه إذ تحضر الصدور جثيّا
ما جد أولياؤه في رشادٍ ... وعِداه فسوِف يَلقَون غَيّا
وفتى بالسّماح صبّ رشيد ... أوتي العلَم حين صبيّا
بلَبَان الكمال غُذّيَ طفلاً ... ونشا يافعاً غلاماً زكيّا
لم يزل منذ كان برأ تقياً ... وافياً كافياً وكان تقيّا
جعل الله في ادّخار المعالي ... لعلاه لسانَ صدْق عليّا
كم عديم الثراء أثنى عليه ... وانثنى واجداً أثاثاً وريّا
وأولو الفضل حينَ أمّوا قِراهُ ... أكلوا روقَه هنيّاً مريّا
قلت: قد اقتبس شمس الدين الطِّيبي هذه من سورة مريم، كما اقتبسَ ابن النبيه قوله:
قمت ليل الصدود إلاّ قليلاً ... ثم رتّلتُ ذكركم ترتيلا
من سورة المزمّل.
وكما اقتبس سيف الدين بن قزل المشد قوله:
شِمتُ في الكأس لؤلؤاً منثوراً ... حين أضحى مزاجها كافورا
من سورة الإنسان.
والاقتباس إذا كان من آية من آيتين لا بأس به. وأما سورة بكمالها ففي هذا من إساءة الأدب ما فيه.
ومن شعر الطيبي رحمه الله تعالى:
النهر وافى شاهراً سيفَه ... ولَمْعُه يحتبس الأعينا
فماجت البركة من خوفه ... وارتعدت وادّرعت جَوشنا