بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 456

ذراع وستون ذراعاً، وأغمق موضع فيه من الجباب طوله ستة عشر ذراعاً، وبعضه محفور على هيئة الخندق، وبعضه جباب مفقرة، وكان من هذا القدر نحو عشرين ذراعاً لا يمكن حفره إلا بعد حرقه بالنار مدة أيام، وانتهى عمل هذا الجبل في ثمانية أشهر، وكان بعد هذا الجبل سهل، فظهر بالحفر فيه حجارة سود مدوّرة، لا يمكن كسرها إلى بالمشقة، ولما رجع الأمير سيف الدين أرغون إلى المدينة حصل له تشويش ومرض، ومات رحمه الله تعالى. وقيل: إنه قيل له يا خوند! بالله لا تتعرض إلى هذا النهر فإنه ما تعرض له أحد إلا ومات، فقال: أنا أكون فداء المسلمين فيه، وجعل مشده شخصاً من ممالكه اسمه أرغون فاتفق ما جرى.
؟ أرغون الأمير سيف الدين العلائي.
رأس نوبة الجمدارية من أيام أستاذه. أخرجه الأمير سيف الدين قوصون إلى صفد، فورد إليها جندياً - فيما أظن - وعاد من الفخري إلى مصر. وهو زوج والدة الصالح إسماعيل والكامل شعبان. فأقام بمصر إلى أن خُلع الناصر أحمد كما تقدم، وجلس الصالح إسماعيل على كرسي المُلك، فكان هو مدبّر تلك الدولة، وحوله ذاك الجو مدار الجوله. ولما قتل أحمد زاد تمكنه، وعظم تعيّنه، وظهر تبينه، وزهر تزيّنه، وكثرت إقطاعاته وأمواله. وضماناته وأملاكه وأثقاله، وأنعامه وأنفاله،


صفحه 457

فكان أكبر من النواب، وأعظم من المقيم والجوال والجواب، ودبر الأمر بسعد قد اطمأن، وركن حظه واستكن.
وتوفي الملك الصالح إسماعيل، وولي الملك أخوه الكامل شعبان، وأرغون في سعادته ريّان شبعان، إلى أن خرج أمراء مصر على الكامل وخلعوه، وضُرب أرغون العلائي في وجهه ضربة مهولة بطبر، إلا أنه ثبت لها وتجلد، واحتمل وصبر، وكانت جراحةً نجلاء واسعة، رأى الأرض منها خافضة رافعة، قيل: إن الذي جرحه أرغون شاه. وقيل: على ما ذكره النقلة والوشاة.
ثم إنه اعتقل في إسكندرية أول دولة المظفر حاجي، فأقام في الاعتقال مدة إلى أن قتل الحجازي واقسنقر، فطلب من إسكندرية، وخرج إليه الأمير سيف الدين منجك، فقيل: أنزله العلائي بطن الأرض، واستعاد العدمُ ماله عند وجوده من القرض، وكانت قتلته في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكانت سعادته قريباً من خمس سنين.
؟ أرغون شاه الأمير سيف الدين الناصري كان رأس نوبة الجمدارية أيام أستاذه الناصر، وكان هو وأرغون العلائي شريكين في هذه الوظيفة، لكنه هو المقدم، وكان في أول أمره قد جلبه الكمال الخطائي إلى القان بوسعيد من بلاد الصين وهو وسبعة من المماليك وثمان مئة ثوب وبر خطائي من


صفحه 458

أملاك بوسعيد الموروثة عن أبيه وجده من جدهم جنكز خان بتلك البلاد، فنم على الكمال الخطائي لبوسعيد فصادره، وأخذ منه مئة ألف دينار، ثم إن بوسعيد كرهه لذلك، فأخذه منه دمشق خواجا بن جوبان، فكأن ذلك لم يهن عليه، فنم إلى بوسعيد أيضاً بأمر دمشق خواجا مع الخاتون طقطاي، وجرى من أمرهما ما جرى من حزّ رأسيهما وخراب بيت جوبان، ودكه.
ثم إن بوسعيد ارتجع أرغون شاه، ثم إنه بعثه إلى الملك الناصر هو والأمير سيف الدين ملكتمر السعيدي، فحظي الأمير سيف الدين أرغون شاه عند الناصر، وأمره وجعله رأس نوبة، وزوجه بابنة الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، ولم يزل بمصر إلى أن خرج مع الفخري لحصار الكرك، ثم توجه مع العساكر الشامية إلى القاهرة، وجرى منه في نيابة طشتمر ما أوجب أن ضربه وأراد إخراجه إلى طرابلس، ثم إنه شفع فيه.
ولما تولى الملك الكامل حظي عنده، وجعله أستادار السلطان. ثم تولى الملك المظفر، فزادت حظوته عنده، فما كان بعد ثلاثة أشهر حتى خرج مع النائب الحاج أرقطاي من عند السلطان، وأخرج له تشريف، فلبسه، وطلب الاجتماع بالسلطان، فمنع.


صفحه 459

وأخرج لنيابة صفد، فوصل إليها على البريد في خمسة أرؤس في أوائل شوال سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فدبرّها جيداً، وأقام الحرمة والمهابة، وآمن السبل.
لم يزل بها إلى أن طُلب إلى مصر في العشر الأواخر من صفر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ورسم له بنيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين بيدمر البدري، ودخل دمشق في سادس شهر ربيع الأول من السنة دخولاً عظيماً، جاء على البريد، وأقام على القصير المعيني إلى أن جاءه طلبه من صفد، ودخل برخت وأبهة زائدة بسروج معرقة مرصعة، وكنابيش زركش، وغير ذلك من البرك المليح الظريف، والجميع باسمه ورنكه. وتوجه إلى حلب، وأقام بها نائباً.
ولما جرى للأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي ما جرى - على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته - رسم بنيابة الشام، فحضر إليه الأمير سيف الدين أقسنقر أمي رجاندار، فدخل إلى دمشق بكرة الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ولما عاد أقسنقر المذكور أعطاه خمسة عشر فرساً، منها خمسة عربية بسُرجها ولجمها وكنابيشها، وعشرة أكاديش، وجارية بخمسة آلاف درهم، وأربعين ألف درهم ومئة قطعة قماش، والتشريف الذي لبسه للنيابة بالكلوتة والطراز والحياصة، والسيف المُحلى، وألف إردب من مصر، وكان قد أعطاه ألف


صفحه 460

وخمس مئة دينار، وغير ذلك، وشرطه له كل شفاعة يشفعها من حلب، وفي الطريق، ومدة مقامه بدمشق، واقام بها قريباً من ثلاثة اشهر ولم يسأله من عزلٍ وولاية إلا أجابه إلى ذلك. وقدم إليه يوماً وهو في سوق الخيل بدمشق نصراني من الزبداني رمى مسلماً بسهم، فمات، فأمر بقتله وتفصيله على أعضائه، قطعت يداه من كتفه، ورجلاه من فخذيه، وخر رأسه، وحملت أعضاؤه على أعواد، وطيف به، فارتعب الناس لذلك، فقلت له أنا:
لله أرغون شاه ... كم للمهابة حصل
وكم بسيف سُطاهُ ... من ذي ضلال تنصل
ومجملُ الرغب خلى ... بعضَ النصارى مفصّل
واختطف الحرافيشُ يوماً في الغلاء الخبز من الجوع، فأمسك جماعة من الحرافيش وقطع أيدي ثمانية عشر رجلاً، وأرجلهم، وسمر على الجمال سبعة عشر وهو واقف بسوق الخيل، وذلك في تاسع عشر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، فقلت أنا في ذلك:
كان الغلا يغلو فأما إذا ... أصبح ناراً قلت ذا يغلي
وأصبح الحرفوش ذا كسرة ... عن طلب الكسرة في شعل
من يطلب الخبز ومن يشتهي ... وهو بقطع اليد والرجل
ولم ينل أحدٌ من السعادة ما ناله، ولا حصل ما حصله في المد القريبة من المماليك والجواري، والخيل والجوهر والأمتعة والقماش، ولا تمكن أحد بعد الأمير سيف الدين تنكز تمكنه، يكتب إلى مصر بكل ما يريده في حلب وطرابلس وغيرها، وحماة وصفد


صفحه 461

وسائر ممالك الشام من نقل وإضافة وإمساك، ونق لإقطاعات وغيرها، فلا يرد في شيء يكتبه، ولا يخالفُ في جليل ولا حقير إلى أن زاد الأمر، وأفرط هو في معارضة القضاة الأربع، وعاكسهم، وثقلت وطأته على الناس إلى أن حضر الأمير سيف الدين الجيبغا من طرابلس في ليلةٍ يسفر صباحها عن يوم الخميس ثلاث عشري شهر ربيع الأول سنة خمسين وسبع مئة، اتفق في الليل هو والأمير فخر الدين أياز السلحدار، وجاء إليه إلى باب القصر الأبلق، وهو به مقيم نائم في فراشه، فدقا الباب عليه الثلث الأخير من الليلة المذكور وأزعجاه، فكانا كلما خرج طواشٍ أمسكاه، وسمع هو الغلبة، فخرج وبيده سيف، فلما رآها سلم نفسه، فأخذاه على الحالة التي خرج عليها، وتوجّها به إلى دار الأمير فخر الدين أياز، وقيداه بقيد ثقيل إلى الغاية، ونقلاه إلى زاوية المنيبغ، ورسم عليه الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي، فأقام هناك يوم الخميس إلى العشاء الآخرة، ودخل مملوكه الذي يخدمه فوجده مذبوحاً والسكين في يده، والدم قد سال ملئ مرقده، فوقف عليه في الليل بالقاضي جمال الدين الحسباني، والشهود، وكتب بذلك محضر شرعي، وجهز إلى الديار المصرية صُحبة الأمير سيف الدين تلك أمير علم، ودفن بمقابر الصوفية.
وكان شخصاً لطيف الجثة. مختصر الحبة أسمر الوجه أحمر اللثة، أبيض اللبة، ظريفاً حسن العمة، شديد العزمة عالية الهمة، ذهنه يتوقد، ونفسه تزاحم الفرقد، يقترح في الملابس أشكالاً غريبة، ويعمل بيده منها صنائع عجيبة، إلا أنه جبار سفاك، طالب لثأره دراك، يده والسيف يمتشقه، وغيظه يوديه إلى العطب وخلقه. لا يشرب الماء إلى من قليب دم، ولا يتنسمُ الهواء إلى بشم سم، ومع ذلك إذا


صفحه 462

ظهر له الحق رجع في الحال، وندم على ما فرط منه واستحال، لكنه تروح في ذلك الغضب أرواح، وتُجبّ مذاكير وتقطع أحراج.
وكان في دمشق زمن الطاعون فما طُعن على عادة الملوك، وإنما طعن بالسيف الذي يذر الدم، وهو مسفوك. وقلت أنا فيه:
تعجبتُ من أرغون وطيشه ال ... ذي كان فيه لا يفيق ولا يعي
وما زال في سكر النيابة طافحاً ... إلى حين غاضت نفسه في المنيبع
؟ أرغون السلحدار الأمير سيف الدين توجه أمير الركب الشامي في سنة ست عشرة وسبع مئة، وداره عند دار الطراز داخل مدينة دمشق.
لم أعرف من حاله شيئاً فأذكره، ولا اتصل بي ما يتعلق به فأعرفه به أو أنكره، خلا أنه رحمه الله تعالى توفي في مستهل شهر رمضان سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
أرغون الأمير سيف الدين مشد الزكاة، ومشد الدواوين بدمشق، ونائب بعلبك. مملوك الأمير سيف الدين سمز، وسيأتي ذكره أستاذه في مكانه.
كانت فيه سياسية، وعنده حشمة ورياسة، تقرّب إلى الأمير سيف الدين تنكز بالكفاية والنهضة، وساعده القدر لما أحكم إبرامه ونقضه، فولاه بعد شدّ الزكاة شدّ


صفحه 463

الدواوين، قام فيه مدّة لينقذ الهاوين، ويصدّ الغاوين، ثم إنه بعد مدة ولاه نيابة بعلبك فسدّها، وعرف رسمها وحدها. ثم إنه بعد ذلك توجه إلى طرابلس أميراً، وأقام بها.
ولم يجد لعيشه في دمشق نظيراً إلى أن نزل في رمسه، واستوحش أحبابه من أنسه، وتوفي رحمه الله تعالى في ...
كان قد باشر الشدّ على الزكاة مدة، وخلا شد الدواوين في دمشق مدة زمانية، فولاه الأمير سيف الدين تنكز شد الدوواوين في آخر المحرم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة هو وعماد الدين بن صصرى، ثم إنه ولاه نيابة بعلبك في سادس عشر صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
وكتبت له مرسوماً بنياب بعلبك، ونسخته: أما بعد حمد الله الذي نصر هذا الدين بالسيف، ورفع بولاة الأمور عن ضعيف الرعية ثقل الخيف والحيف، وأمر الحق في أهله بحسن نظرهم الذي ينتقي الزين وينتقد الزيف، وعرم البلاد بعدلهم الذي إذا طلعت شموسه النيرة، وكان الظلم معها سحائب صيف. وقمع المفسد بمهابتهم التي منعت جفونه أن تجد رجعة هجعة أو ضيف طيف، وجمع حكمة الإيمان ببأسهم الذي إذا دعاهُ مُهمّ لم يقل له متى ولا كيف.