إسماعيل بن عمرو بن المسلم
بن الحسن بن نصرالشيخ الصدر الكبير العدل الراضي العابد ضياء الدين أبو
الفداء ابن الصدر عزّ الدين ابن الشيخ رضي الدين أبو الفضل الدمشقي المعروف بابن الحموي.
سمع من عثمان بن علي بن خطيب القرافة كتاب المصافحة للبرقاني، والمجالس السلماسيّة، وأخبار النحويين لابن أبي هاشم، وهو جزء لطيف، وتفرد برواية ذلك عنه. وسمع جزء ابن عرفة من شيخ الشيوخ الأنصاري، وسمع على جماعة من المتأخرين.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: وخرجت له جزءاً عن ثلاثين شيخاً. وكان شيخاً مباركاً كثر التلاوة، يصوم الاثنين ويفطر هو وجماعة من الفقراء وغيرهم. وحج أربع مرات، وجاور بمكة سنة، واقام بالقدس مدة. وكانت له كتب جيدة يطالع فيها.
وقال: لم أرَ حماة لا أنا ولا والدي. وكان مستوفي الخزانة.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع عشر صفر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة. ومتعه الله بجميع حواسه إلى أن مات رحمه الله، وقد جاوز التسعين.
إسماعيل بن محمد بن عبد الواحد
ابن إسماعيل بن علي بن صدقة، العدل الرئيس نفيس الدين الحرّاني ثم الدمشقي، ناظر الأيتام.
سمع الموطأ من مكرم. وحدث. وسمع بنفسه من ابن مسلمة وغيره.
كانت له دار مليحة بدمشق، فوقفها مدرسة، وجعل الوقف على أهل الحديث وحبسه، وهي بدمشق في الرصيف من سوق الكفت مشهورة، وحسنات واقفها في صُحُفه مسطورة، ولي مشيختها تاج الدين الجعبري، وقرأ بها الشيخ علم الدين البرزالي، ونزل بها الشيخ أبو الحسن الختني وجماعة.
ولم يزل نفيس الدين على حاله إلى أن فاضت نفسه، وضمه رمسُه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ثمان وعشرين وست مئة.
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل
الشيخ الصالح مجد الدين الحرّاني الحنبلي.
قدم دمشق شاباً، واشتغل وبرع في المذهب. وأخذ عن ابن أبي عمر، وابن عبد الوهاب، والفخر البعلبكي، وابن المنجّا. وسمع من ابن الصرفي وغيره.
وكان في الفقه رأساً. تخرج به جماعة، وكان العلم به في إذاعة من غير إضاعة. وكان يهضم قدره، ولا يعرف الناس أمهر، فإنه كان في مدارس تلاميذه معيداً، وقد جعل الله بينهم وبينه بوناً بعيداً. وعنده إخلاص وورع، وما ترك هضبة من الخشوع حتى اعتلاها وفرع.
ولم يزل على حاله إلى أن فرغ الأجل، وجل به أمر الله عز وجل.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وعاش ثلاثاً وثمانين سنة، وشيعه خلق كثير، وجمعٌ غزير.
إسماعيل بن محمد بن عبد الله
القاضي الكبير الرئيس، أبو الفداء، ابن القاضي شرف الدين ابن الصاحب فتح
الدين بن القيسراني.
كان موقع الدست بالقاهرة، ثم إن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون أخرجه إلى حلب كاتب سرّ في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا. وصل إليها في أوائل شوال سنة أربع عشرة وسبع مئة، فباشر الوظيفة على القالب الجائر، وأجرى الله بسعده فيها الفلك الدائر، وضاق بالنائب عطنُه، وصار فيها الغريب معه وهي وطنه، وكثر له الحسدة، وجاءه كيد أعاديه وحشده، وأوهموا الأكابر الذين في مصر منه، وبلعُوهم ما اختلقوه عنه، فساعدوا الحلبيين على عزله، ونقض غزله.
وحضر هو وأولاده إلى دمشق، ورُتب فيها موقع الدست كبيراً، وجُعل ولداه
في كتاب الإنشاء سراجاً وقمراً مُنيراً، ومال إليه آخر الأمر تنكز وأحبه، وملكه خاطره ولبه.
وكان يدناً خيراً صيناً، يعصب لمن يقصده، ويراقب عونه ويرصده، يُؤثر الفقراء ويودّهم، ويقوم معهم إلى أن يُقبل حظهم وجدهم.
وكان حسن المحاضرة، متعَ المذاكرة، يستحضر من حكايات الصالحين جُمله، ويتولى من أمرها حمله، لو جلست معه ثلاثة أيام بلياليها لأورد عليك جملة من أماليها.
وكان وهو بالديار المصرية يحضر السماع، مع ما عنده من العزلة والانجماع، وعليه فيه أنس وحركة، ويرى الناس منه في ذلك خيراً وبركة.
وروى عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وغيره. وحدث بدمشق.
ولم يزل بدمشق إلى أن نزل الموت بابن القيسراني قسراً، وجعل العيون بالحزن عليه حسرى.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وكانت جنازته حفلة، ودفن بمقابر الصوفية.
اجتمعت به - رحمه الله تعالى - بدمشق غير مرّة، والتقطتُ من إنشاده غير درّة، وأولاني من خيره وجبره الإحسان والمبرة. ولما توفي - رحمه الله تعالى - كنت بالديار المصرية، فكتبت إلى ولده القاضي شهاب الدين يحيى - رحمه الله تعالى - أعزيه فيه، يأتي ذكر ذلك فيما بعد.
وكان قد كتب إلي وأنا بالقاهرة:
إليك صلاح الدين شوق امرئ غدا ... وقد صح دونَ الجسمِ فيكَ ودادُهُ
ترحلتَ عن مغنى دمشق فشوقُنا ... إليك طوالَا لدهرِ تجري جيادُهُ
إن كنتَ في أرضٍ يحل صلاحُها ... وإن كنتَ في مغنىً يزولُ فسادُهُ
فكتبت أنا الجواب إليه:
أتاني مثالٌ منك يُفدى سواده ... بعيني بل يعلو عليها مدادُهُ
أمنتُ به دهري وصُلتُ بوصلهِ ... على الخطب حتى خافَ مني عتادثهُ
وصرفتُ في صرفِ الزمانِ أناملي ... إلى أن غدا في حُكم أمري قيادُه
وأطفأ جمراً في الجوانحِ كلما ... تذكركم قلبي يزيدُ اتقادُهُ
ولو لم يرد هذا المثال لما بقي ... من الخاطر المشتاقِ إلا رمادُهُ
لقد أصبحَ المملوكُ عبداً مكاتباً ... وتم لهُ مما يرومُ مرادُهُ
فلا غرو أن يبنى على الأفق مجدُه ... لأنك من دُون الأنامِ عمادُهُ
وإن صلاحاً نالك عطفك في الورى ... عيه بعيد أن يراه فسادُه
أيا من له سبقُ المعالي إذا جرت ... لينلِ العلا يوم الفخارِ جيادُهُ
ومن يتحلى الدهرُ منهُ بماجدٍ ... تكمل فيه حلُمه وسدادُهُ
ومن لاق في غينِ الكمالِ انتقاؤهُ ... وصح على زيفِ الأنامِ انتقادُهُ
ومن فرعته دوحةٌ خالديةٌ ... فطارفُه مجدٌ علا وتلادُهُ
ليهني بني مخزومَ فخرٌ غدا إلى ... عمادُهم دون الأنام معادُهُ
وفاحت خُزامى مجدِ مخزومَ في الورى ... فطالت روابيهِ وطابت وهادُهُ
ولم لا وسيفُ الله خالدُ منهمُ ... على عاتقِ الملكِ الأغر نجادُهُ
فكم طالَ منهُ للعدى صدرُ أبترٍ ... وما قصرت في الدراعين صعادهُ
بقيتَ عماد الدين ذخر أمرىء صفت ... وما قصرت في الدارعين صعادُهُ
وأخلصَ فيكم حُبه وولاءه ... وصحَّ على طولِ البعادِ ودادُهُ
ونسخة الكتاب الذي كتبته إلى ولده القاضي شهاب الدين يحيى أعزيه في والده من القاهرة:
أي خطبٍ به تلظّى فؤادي ... وأسال الدموعَ مثل الغوادي
وأعادَ الحمامَ يندُبُ شجواً ... فوقَ فرعِ الأراكة الميّاد
وكسا الأنجم الزواهر طرأ ... في ظلامِ الدجى ثيابَ الحداد
وأباحَ الأسى حملَ كل صبرٍ ... من رُبا كل بلدةٍ أو وهادِ
قد أصمَّ الأسماعَ نعيُ عماد الدي ... ن فالناسُ بعده في جهادِ
آه كيفَ القرارُ فوقَ فراشٍ ... ملأتهُ الأحزانُ خرط القتادِ
كيف تلتذ بالمنامِ جفونٌ ... قد محاها البكا وطولُ السهاد
أين ذاكَ الجلالُ في الحفلِ لما ... يكتسيه من أنفس الأبرادِ
والوقارُ الذي يقر رسوخاً ... حين تهفو الرياحُ بالأطوادِ
كم حمى باليراعِ مُلكاً في يحت ... ج لبيض الظّبا وسمر الصعادِ
ولكم قد أتى بصدعةِ حقٍّ ... خيفَ من بأسها على الأكبادِ
هكذا من يكونُ عند ملو ... كِ العصر يهديهم سبيلَ الرشادِ
حملوهُ فوقَ الرقابِ ولكن ... بعدما أثقل الورى بالأيادي
من كرامٍ راقت معاني عُلاهم ... وتغنّي بمدحهم كل شادِ
نسبٌ باهرُ السنا خالدي ... قد تساوت غاياتُهُ والمبادي
يا دموعي باللهِ روي ثراهُ ... إن تخن قبرهُ عهودُ العهادِ
آه واوحشتا لذاك المحيّا ... افتقاري لنورهِ وافتقادي
لم يعب من نأى وأبقى شهاباً ... لم يزل دائم السنا وسؤددٍ وسدادِ
يتراءى في الدست بني جمال ... جلالٍ وسؤددٍ وسدادِ
فتواقيعُه تراها طرازاً ... رمي الروضُ عندها بالكسادِ
وبألقالمه يُسر الموالي ... أن براها كما يسوء الأعادي
قد تلقيتُ راغماً يا شهابَ ال ... دين خطباً يفض صم الصلادِ
لستُ في هذه المصيبة فرداً ... وهي قد أنكأت قلوبَ العبادِ
فاصطبر واحتسب على الله أجراً ... تلقهُ عدةً ليومِ المعادِ
لم يخفف وجدي به غيرُ ظني ... أنهُ في المعادِ خيرُ مُعاد
ملئت صُحفُه من البر والتق ... وى فولى منها بأفضل زادِ
فهو عندَ الإلهِ جل مقيمٌ ... في نعيمِ ما إن لهُ من نفادِ
فالبكا في الورى على مثل هذا ... غير مجدٍ في ملتي واعتقادي
يقبلُ الأرض، وينهي ما بلغه من النبأ الذي سق قلبه، وزاد كربه، وأذهل لبه، وأضعف جلده، وقوّى من الحزن حزبه، وأغارَ على الصبر فلم يدع عند حبة القلب حبه، وشن على الفؤاد حربه لما أغمد فيه حربة.
لم يبقَ من بدني جزءٌ علمت بهِ ... إلا وقد حله جزؤٌ من الحزن
كان اللحاقُ به أولى وأحسن لي ... من أعيش سقيم الروحِ والبدنِ
"
فإنا لله وإنا إليه راجعونَ " قولهُ من وهى عمادُه، وفقد من كان على الله تعالى وعليه توكله واعتمادُه، وذهب من كان يفديه من القلب سويداؤه، ومن الطرف سوادُهُ، وعدم من أحزن الوجود فقده حتى نُشر من الليل حدادُه، وذر من الصباح رمادُه:
مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبقى بقعةٌ ... غداةَ ثوي إلا اشتهت أنها قبرُ
فرحم الله تلك الروحَ الطاهرة وكاها، وشكر لها برها المتنوع وتقواها، ورفع أعمالها إلى درجات الأبرار ورقاها، وأجزل لها موادَ الغفران وأنماها، ونوّلها من الرضوان ما لا ينقطع أمده ولا يتناهى، وجعل دار المقامة مقامها، وفي جنة المأوى مأواها، فإنه كان زكاها وهذبها في طول مدته بالعلم والعلم، وما بقي لمولانا - أعظم الله أجره - غير الأخذ بسنة الصبر، والتأسي بكل فرعٍ تثنى على الأرض، وأصله قد ذوى على القبر، وهذا أمر لا بد لنا من شرب كأسه وبلوغ أنفاسه، ونفوذ سهم المنية في قرطاسه، وهو - أحسن الله عزاءه - أعلمُ بما يقال وأخبر وأجل من أن ينبه لمثل هذا وأكبر:
أنت يا فوق أن تُعزى عن الأحباب فوقَ الذي يعزيكَ عقلاً
ومن كان مولانا خلفه فما غاب شخصه عن غابه، ولا ظعن سؤدده عن جنان جنابه، فيا هنا دستٍ أنت صدرهُ، وأفق منصب أنت بدره، ويا انتصافات