أقبغا الأمير سيف الدين الناصري المعروف بأقبغا عبد الواحد.
تنقلت به الأحوال من الجمدارية إلى أن صار أمير مئة مقدّم ألف، أستاذ دار السلطان، مشد العمائر، مقدّم المماليك، أمير منزل خمس وظائف. وتأمر ولداه ناصر الدين محمد وشهاب الدين أحمد، وكان أخا الخوندة طغاي، امرأة أستاذه الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى من حرف الطاء في مكانه.
كان في أيام أستاذه في غاية التمكن والقدرة والتسلط والبأس والجبروت، لو ذكر اسمه للماء جمد، أو مر ذكره على الجمر خمد، ليس لأحد عنده مكانة، ولا يجد له خضوعاً ولا استكانة.
ولما توفي الملك الناصر، وتولى ولده الملك المنصور أبو بكر صادره وسلمه إلى الأمير علاء الدين طيبغا المجدي، وأخذ منه كل ما يملكه، وأمر برد كل ما اغتصبه، وأخذه بالي العادية على الناس، ولم يبق له تصرف في ماله، إلى أن طلب مئة درهم فأعطاه إياها الأمير علاء الدين طبيغا المجدي.
ولما تولى الملك الأشرف كجك أخرجه الأمير سيف الدين قوصون إلى دمشق، فأقام بها قليلاً، وتوجه مع الفخري إلى مصر، فرسم له الناصر أحمد بنيابة حمص، فحضر إليها، وأقام بها إلى جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ورسم بإحضاره إلى دمشق، فأتى إليها، وأقام بها من جملة أمراء المقدمين، فلما كان في شوال من السنة المذكورة حضر مرسوم الملك الصالح إسماعيل بإمساكه فأمسك
هو والأمراء الذين اتهموا بالميل مع الناصر أحمد وأودع معتقلاً بقلعة دمشق، ثم إنه طُلب بعد قليل إلى مصر، فتوجه به الأمير بدر الدين بكتاش المنكورسي، وكان ذلك آخر العهد به.
آقبغا الأمير سيف الدين الحسني الناصري.
كان رفيعَ المنزلة والمكانة، مؤثل المرتبة من خاطر أستاذه، ثابت الركانة، إلا أنه زاد في دلاله، وأفرط في اعتدائه، قوامه بالغ في اعتداله، فمال أفاده سحر أجفانه، ولا نفعه تبسم ثغره عن أقحوانه، وهون اللطان على قلبه أمُره، وأخرجه إلى دمشق، ولكن على إمرة، فأقام بها على غير استقامة، وأصر على غيه، ولم يقبل نصحاً، ولم يصغ إلى ملامه، ولازم الشراب وعاقره، ونسي أمر تنكز عواقبه وعواقره، فكتب إلى السلطان في معناه، وجعل القلعة مغناه، ولبث معتقلاً في قلعة دمشق زماناً، ولم يجد من حادث الدهر أماناً، ثم إنه فك صفدُه، وجهز إلى صفد، فأقام بها، وفداءُ سعده ما وفد، إلى أن أذوى الحمام زهرته، وأسكنه حفرته.
وتوفي بصفد رحمه الله تعالى.
وكان قد اعتقل بقلعة دمشق زماناً، إلى أن قدم السلطان من الحجاز في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فأفرج عنه في المحرم، وجهز إلى صفد.
أقجبا الأمير سيف الدين المنصوري.
كان أحد الأمراء بدمشق. ولي شد الدواوين بدمشق بعد الأمير جمال الدين أقوش الرستمي، وعين لتقدمة الركب الشريف في سنة تسع وسبع مئة، ودار بالمحمل في أول الثلاثة أشهر على العادة، ثم إنه بطل الركب وتوجهه بسبب ما بلغ الناس من تحرك السلطان الملك الناصر من الكرك، وكانت فيه ديانة، وعفّة في المباشرات وأمانة، وحفظ للأموال وصيانة، تنقل في النيابات، وخرج سالماً مما فيها من الغيابات، وعمل الشد وما حلّ ولم يتعرض إلى حرم ولا ما حل، وعمل النيابة بغزة، وشرف نفسه عن أموال الرعايا ونزه، ثم إنه أقام على إمرته، وما أخمد الله ضوء جمرته.
ولم يزل على حاله إلى أن نزلت به أم دفر، ورحل إلى الآخرة مع ذك السفر.
ووفاته رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبع مئة. ودفن بتربته خارج باب الجابية.
وكان قد باشر نيابة بعلبك، ومنها نقل إلى الشد بدمشق، وبقي مدة، ثم تولى نيابة غزة مدة عوضاً عن الأمير ركن الدين بيبرس الموفقي، ثم عزل وأقام على إمرته إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
وكان قد ولي الشد أولاً في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مئة.
أقجبا الأمير فخر الدين الظاهري.
حج بالركب الشامي في سنة ثلاث وسبع مئة.
وكان من أمراء دمشق والأعيان، وممن قدمت هجرتهم في خدمة السلطان، وثابت العدالة على الحكام، وملازم الصلاة في الجامع على مرّ الليالي والأيام، شرب كؤوس الصبا، فحده الدهر ثمانين، وتشعب به سعدُ الإمرة في أفانين.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الظاهري في باطن الأرض، وأقام فيها إلى يوم العرض، وحضر جنازته ملك الأمراء وجماعة من الأمراء، ودفن بسفح قاسيون قبالة زاوية ابن قوام، ووفاته تاسع عشري ربيع الآخر سنة أربع عشرة وسبع مئة.
أقجبا الأمير فخر الدين الحموي.
نقل من حماة إلى القاهرة، وأعطي شد الشراب خاناه بالقاهرة في أيام الملك الصالح إسماعيل، وعلت عنده رتبتُه، وغلت من قلبه محبته، وسمت مكانته وتأثلت، ووقفت السعود في خدمته وتمثلت، ولم يكن في دولة الصالح له نظير غير الوزير، ولا ضاهاه أحدٌ في حسن السياسة والتدبير.
وكان يقضي غالب الليل عند السلطان، وإذا قرر عنده أمراً لا تسمعه آذان الحيطان، ويساهره ويسامره، ويأخذ بمجامع قلبه بود يخامره، ثم إنه أخرج من مصر بعد الصالح، وعاد إليها كراتٍ عودَ الطليح، بل الطالح.
ثم إنه ولي الحجبة آخراً في أيام الملك الناصر حسن، واختص بالأمير شيخو فانقاد له بالرسن.
ولم يزل على حاله إلى أن أدناه الجديدان إلى البلى، وولى سعدُه مدبراً بعد أن كان مقبلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
وكان الأمير فخر الدين متصفاً بالمروءة في حق من يصحبه، كثير الود، نفع جماعة بصحبته.
ولما توفي الملك الصالح إسماعيل أخرجه الملك المظفر إلى حماة، وبقي فيها إلى أن أمسك يلبغا أبوه طابطا، وجهزا إلى مصر من حماة، فتوجه الأمير فخر الدين بهما، ولما وصلوا إلى قاقون أتاهم الأمير سيف الدين منجك، وجرى ما يأتي ذكره في ترجمة يلبغا، ثم إن فخر الدين توجه إلى مصر فرسم له المظفر بالإقامة في القاهرة، فأقام، وكان قد خدم يلبغا في الطريق، ولاطفه وصبره وسلاه وثبته، ولم يزل مقيماً بالقاهرة إلى أن تولى الملك الصالح صالح، فأخرجه إلى حماة، فأقام بها، ولما عاد الأمير شيخو وطاز من حلب في واقعة بيبغاروس عاد معهما، ودخل الديار المصرية، وأقام
بها، واختص بالأمير سيف الدين شيخو، وولاه الحجبة بالقاهرة، ولما جرح شيخو انتصب الأمير فخر الدين لخدمته، وكان يباشر عمل المصلومة له بنفسه، وقل: إنه ربما أفطر في شهر رمضان لذلك.
أقسنطر الأمير شمس الدين السلاري.
سيرهُ السلطان الناصر محمد إلى صفد نائباً، فحضر إليها، ورأى أهلها منه من العفة والعدل ما لا رأوه من غيره، ثم نقله إلى نيابة غزة، فتوجه إليها.
ومات السلطان، وتولى الملك المنصور أبو بكر، وخلع، وتولى الأشرف كجك، وجاء الفخري لحصار الكرك، فقام الأمير شمس الدين بنصرة أحمد في الباطن كثيراً، وتوجه الفخري إلى دمشق لما توجه الطنبغا إلى حلب، ليطرد طشتمر نائب حلب، فاجتمع به، وتوقى عزمه، وقال له: توجه أنت إلى دمشق واملكها، وأنا أحفظ لك غزة. وقام في هذه الواقعة قياماً عظيماً، وأمسك الدروب، فما جاء أحد من دمشق ولا من مصر بريداً كان أو غير ذلك إلا وحمله إلى الكرك، وحلف النسا للناصر أحمد، وقام ببيعته باطناً وظاهراً، ثم جاء إلى الفخري وهو على خان لاجين، وقوّى عزمه وعضده. ولم يزل عنده بدمشق إلى أن جاء ألطنبغا من حلب، والتقوا، وهرب ألطنبغا، فاتبعه الأمير شمس الدين إلى غزة، وأقام بها، ودخلت العساكر الشامية إلى مصر.
ولما أمسك الناصر أحمد طشتمر النائب وتوجه به إلى الكرك أعطى نيابة مصر للأمير شمس الدين أقسنقر، وبقي نائباً وأحمد في الكرك إلى أن تملك الملك الصالح إسماعيل، فأقره عليها، فسار فيها سيرة مشكورة، وأقام فيها مدة أحاديثها إلى الآن مذكورة، لا يمنع أحداً شيئاً يطالبه كائناً من كان، ولا يرد سائلاً يسأله، ولو لم يكن ذلك في الإمكان، وارتزق الناس في أيامه، وغرق الضعفاء في بحر أنعامه، وتقدم من كان مؤخراً، وجرى رخاءُ الرخاء بأمره مسخراً، حتى كان الناس يطلبون منه مالا لهم به حاجة، ولا لهم به ضرورة، وهو يقضي ما قابله جده أو واجه.
ثم إن السلطان الملك الصالح إسماعيل أمسكه، وأمسك الأمير سيف الدين بيغرا أمير جاندار والأمير سيف الدين أولاجا الحاجب الآتي ذكرهما في موضعيه، والأمير زين الدين قراجا الحاجب، لأنهم نسبوا إلى الممالأة والمداجاة مع الناصر أحمد، وذلك في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وكان ذلك آخر العهد بأمره، والله تعالى يتولى الباطن من سره، وأخرج فيما بعد عن بيغرا وأولاجا وقراجا في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
أقسنقر الأمير شمس الدين الناصري.
كان في حياة أستاذه أمير شكار وزوجه ابنته، وجعله أمير مئة مقدم ألف. ولما جاء الناصر أحمد من الكرك جعله أمير آخور، فلم يرضَ فأخرجه إلى غزة نائباً، وأقام
بها إلى أن أمسك الفخري، وتسلطن الملك الصالح إسماعيل فطلبه من غزة، وجعله أمير آخور، وعظمت مكانته عنده، وجّهزه مقدّم العساكر المصرية والشامية لحاصرة الكرك، ثم أبطل ذلك، وخرج عوضه في التقدمة الأمير سيف الدين بيغرا.
ثم إنه جهز إلى الكرك فأبلى بلاءً حسناً، وأنكى في ذلك، وجُرح جراحة مؤلمة، وعاد إلى مصر، وأراد التوجه إلى الحجاز بأهله، فمنع من ذلك، ولأن والدة الملك الأشرف كجك عنده زوجة، فخيف منه، وأخرج إلى طرابلس نائباً، فورد إلى دمشق على البريد، وعمل النيابة بطرابلس جيداً، وظهرت عنه مهابة وبطش وقمع للمفسدين، وعف عن أموال الرعايا، وأقدم نائباً من أوائل شوال سنة أربع وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر، سنة وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر، سنة ست وأربعين وسبع مئة، وفي أول سلطنة الكامل شعبان، فطلبه إلى مصر، وتوجه إليها، وعظم أمره وأمر الحجازي إلى الغاية، فيقال: إنهما أحسّا في الباطن بالغدر من الكامل، فجهّزا في السر إلى الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، وقالا له: برّز أنت في ظاهر دمشق، فإننا قد عزمنا على أمر. وكان يلبغا إذ ذاك نائب دمشق، فبرز إلى ظاهر دمشق - على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وراحت الأخبار إلى الكامل بخروج يلبغا واتفاق نواب الشام معه، فلم يرَ الكامل بُدّاً من تجهيز عسكر إليه، فجرد جملة من عسكر مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، وإمّا الحجازي أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، إمّا الحجازية أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد من بعض الطريق، واجتمع الناس عليهما في قبّة النصر، وخرج الكامل، فجُرح الأمير سيف الدين أرغون العلائي، وانهزم السلطان، ودخل القلعة، وطلع الأميران المذكوران إلى القلعة، وأخذ أمير حاج، وأجلساه على كرسي الملك وحلفا له وحلفا له العساكر، ولقباه المظفر، وزادت عظمة الحجازي وأقسنقر في أيام المظفر.