وكان يقضي غالب الليل عند السلطان، وإذا قرر عنده أمراً لا تسمعه آذان الحيطان، ويساهره ويسامره، ويأخذ بمجامع قلبه بود يخامره، ثم إنه أخرج من مصر بعد الصالح، وعاد إليها كراتٍ عودَ الطليح، بل الطالح.
ثم إنه ولي الحجبة آخراً في أيام الملك الناصر حسن، واختص بالأمير شيخو فانقاد له بالرسن.
ولم يزل على حاله إلى أن أدناه الجديدان إلى البلى، وولى سعدُه مدبراً بعد أن كان مقبلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
وكان الأمير فخر الدين متصفاً بالمروءة في حق من يصحبه، كثير الود، نفع جماعة بصحبته.
ولما توفي الملك الصالح إسماعيل أخرجه الملك المظفر إلى حماة، وبقي فيها إلى أن أمسك يلبغا أبوه طابطا، وجهزا إلى مصر من حماة، فتوجه الأمير فخر الدين بهما، ولما وصلوا إلى قاقون أتاهم الأمير سيف الدين منجك، وجرى ما يأتي ذكره في ترجمة يلبغا، ثم إن فخر الدين توجه إلى مصر فرسم له المظفر بالإقامة في القاهرة، فأقام، وكان قد خدم يلبغا في الطريق، ولاطفه وصبره وسلاه وثبته، ولم يزل مقيماً بالقاهرة إلى أن تولى الملك الصالح صالح، فأخرجه إلى حماة، فأقام بها، ولما عاد الأمير شيخو وطاز من حلب في واقعة بيبغاروس عاد معهما، ودخل الديار المصرية، وأقام
بها، واختص بالأمير سيف الدين شيخو، وولاه الحجبة بالقاهرة، ولما جرح شيخو انتصب الأمير فخر الدين لخدمته، وكان يباشر عمل المصلومة له بنفسه، وقل: إنه ربما أفطر في شهر رمضان لذلك.
أقسنطر الأمير شمس الدين السلاري.
سيرهُ السلطان الناصر محمد إلى صفد نائباً، فحضر إليها، ورأى أهلها منه من العفة والعدل ما لا رأوه من غيره، ثم نقله إلى نيابة غزة، فتوجه إليها.
ومات السلطان، وتولى الملك المنصور أبو بكر، وخلع، وتولى الأشرف كجك، وجاء الفخري لحصار الكرك، فقام الأمير شمس الدين بنصرة أحمد في الباطن كثيراً، وتوجه الفخري إلى دمشق لما توجه الطنبغا إلى حلب، ليطرد طشتمر نائب حلب، فاجتمع به، وتوقى عزمه، وقال له: توجه أنت إلى دمشق واملكها، وأنا أحفظ لك غزة. وقام في هذه الواقعة قياماً عظيماً، وأمسك الدروب، فما جاء أحد من دمشق ولا من مصر بريداً كان أو غير ذلك إلا وحمله إلى الكرك، وحلف النسا للناصر أحمد، وقام ببيعته باطناً وظاهراً، ثم جاء إلى الفخري وهو على خان لاجين، وقوّى عزمه وعضده. ولم يزل عنده بدمشق إلى أن جاء ألطنبغا من حلب، والتقوا، وهرب ألطنبغا، فاتبعه الأمير شمس الدين إلى غزة، وأقام بها، ودخلت العساكر الشامية إلى مصر.
ولما أمسك الناصر أحمد طشتمر النائب وتوجه به إلى الكرك أعطى نيابة مصر للأمير شمس الدين أقسنقر، وبقي نائباً وأحمد في الكرك إلى أن تملك الملك الصالح إسماعيل، فأقره عليها، فسار فيها سيرة مشكورة، وأقام فيها مدة أحاديثها إلى الآن مذكورة، لا يمنع أحداً شيئاً يطالبه كائناً من كان، ولا يرد سائلاً يسأله، ولو لم يكن ذلك في الإمكان، وارتزق الناس في أيامه، وغرق الضعفاء في بحر أنعامه، وتقدم من كان مؤخراً، وجرى رخاءُ الرخاء بأمره مسخراً، حتى كان الناس يطلبون منه مالا لهم به حاجة، ولا لهم به ضرورة، وهو يقضي ما قابله جده أو واجه.
ثم إن السلطان الملك الصالح إسماعيل أمسكه، وأمسك الأمير سيف الدين بيغرا أمير جاندار والأمير سيف الدين أولاجا الحاجب الآتي ذكرهما في موضعيه، والأمير زين الدين قراجا الحاجب، لأنهم نسبوا إلى الممالأة والمداجاة مع الناصر أحمد، وذلك في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وكان ذلك آخر العهد بأمره، والله تعالى يتولى الباطن من سره، وأخرج فيما بعد عن بيغرا وأولاجا وقراجا في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
أقسنقر الأمير شمس الدين الناصري.
كان في حياة أستاذه أمير شكار وزوجه ابنته، وجعله أمير مئة مقدم ألف. ولما جاء الناصر أحمد من الكرك جعله أمير آخور، فلم يرضَ فأخرجه إلى غزة نائباً، وأقام
بها إلى أن أمسك الفخري، وتسلطن الملك الصالح إسماعيل فطلبه من غزة، وجعله أمير آخور، وعظمت مكانته عنده، وجّهزه مقدّم العساكر المصرية والشامية لحاصرة الكرك، ثم أبطل ذلك، وخرج عوضه في التقدمة الأمير سيف الدين بيغرا.
ثم إنه جهز إلى الكرك فأبلى بلاءً حسناً، وأنكى في ذلك، وجُرح جراحة مؤلمة، وعاد إلى مصر، وأراد التوجه إلى الحجاز بأهله، فمنع من ذلك، ولأن والدة الملك الأشرف كجك عنده زوجة، فخيف منه، وأخرج إلى طرابلس نائباً، فورد إلى دمشق على البريد، وعمل النيابة بطرابلس جيداً، وظهرت عنه مهابة وبطش وقمع للمفسدين، وعف عن أموال الرعايا، وأقدم نائباً من أوائل شوال سنة أربع وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر، سنة وأربعين وسبع مئة إلى بعض شهر ربيع الآخر، سنة ست وأربعين وسبع مئة، وفي أول سلطنة الكامل شعبان، فطلبه إلى مصر، وتوجه إليها، وعظم أمره وأمر الحجازي إلى الغاية، فيقال: إنهما أحسّا في الباطن بالغدر من الكامل، فجهّزا في السر إلى الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، وقالا له: برّز أنت في ظاهر دمشق، فإننا قد عزمنا على أمر. وكان يلبغا إذ ذاك نائب دمشق، فبرز إلى ظاهر دمشق - على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وراحت الأخبار إلى الكامل بخروج يلبغا واتفاق نواب الشام معه، فلم يرَ الكامل بُدّاً من تجهيز عسكر إليه، فجرد جملة من عسكر مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، وإمّا الحجازي أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد مصر، وقدم عليها أحد الأميرين، إمّا الحجازية أو أقسنقر، فخرجا من القاهرة، وعاد من بعض الطريق، واجتمع الناس عليهما في قبّة النصر، وخرج الكامل، فجُرح الأمير سيف الدين أرغون العلائي، وانهزم السلطان، ودخل القلعة، وطلع الأميران المذكوران إلى القلعة، وأخذ أمير حاج، وأجلساه على كرسي الملك وحلفا له وحلفا له العساكر، ولقباه المظفر، وزادت عظمة الحجازي وأقسنقر في أيام المظفر.
فلما كان في يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة جاء إلى السلطان من كان معهما في الباطن، وقال: إنهم قد أجمعوا على الركوب غداً إلى قبة النصر، وأن يفعلوا بك ما فعلوه بأخيك، فأحضرهم العصر إلى القصر، وأمسكهم، وهم الأمير شمس الدين أقسنقر، والأمير سيف الدين ملكتمُر الحجازي، والأمير سيف الدين قرابغا الساقي صهر اليحيوي، والأمير سيف الدين إتمش، والأمير سيف الدين صمغار، والأمير سيف الدين بزلار، فأما الحجازي وآقسنقر فإنهما قتلا في الوقت الحاضر بالقصر، والبقية جهزوا إلى الإسكندرية، وقيل: إن السلطان ضرب قرابغا على كتفه بالنمجا، ثم إنه أمسك الأمير سيف الدين طقبغا الغمري، وأولاد الأمير علاء الدين أيدغمش وابن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وذلك كلّه بتدبير الأمير شجاع الدين أغرلو.
وكان الأمير شمس الدين المذكور رحمه الله تعالى شكلاً مليحاً، ووجهاً مع صباه صبيحاً. طويلاً فيه هيف، لو رآه الحمام لسجع عليه وغرد وهتف، يكرم من يودّه، ويُسلفه الإحسان ولا يستردُه، نفسه نفس الملوك في العطاء، وجوده لأصحابه بارز الشخص ما عليه غطاء.
وكان يكتب خطأ قوياً، متمكن الحروف سورياً، وكان إذا كتب لمن يكرمه ويصل حبل وداده ولا يصرمه، كتب: المملوك أقسنقر سلام عليك.
أقطاي الأمير سيف الدين الجمدار.
كان يسكن قبالة المدرسة التقوية داخل باب الفراديس، ثم إنه انتقل بعد ذلك إلى العقيبة، وكان أمير سبعين فارساً. وكان الأمير سيف الدين تنكز يعظمه. وهو والد الأمير سيف الدين سلامش.
وكانت بينه وبين الشيخ علاء الدين بن غانم صحبة ومودة.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.
أقطاي الأمير سيف الدين العمري كان من جملة أمراء الطبلخانات بحلب.
توفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبع مئة.
ورسم بإمرته للأمير شرف الدين موسى بن الأمير ناصر الدين محمد بن شهري.
أقطوان الأمير علاء الدين الكمالي الحاجب بصفد.
حضر إليها أول أمره مشدّ الدواوين، ووالي الولاة لما كان الجوكندار نائبها، ثم
إنه أعطي طبلخاناه، واقام على ذلك مدة، ثم رسم له بالحجوبية، وبقي فيها مدة طويلة، ثم إنه نقل إلى نيابة القلعة بصفد، وأقام بها مدة، ثم أعيد إلى الحجوبية.
وكان أميراً ذا بركٍ وعدة، يركب وينزل من مماليكه في عدّة، زائد التجمل في السلاح وآلات الحرب والكفاح، وهو رجل طوال، لا يُرد عنده من أحد سؤال، ذو طلعة بهيّة، وشيبة سنية، عرف الناسَ وأحبوه، ولبوه إلى ما يريده وأجابوه. وهو والد الأمير سيف الدين قرمشي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف القاف مكانه.
ولم يزل بصفد على حاله إلى أن خرب الموت ربع حياته، وقرر عنده أمر نزله وبياته.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وكتبت أنا إلى ولده الأمير سيف الدين قرمشي أعزيه:
تعز يا مولاي في الذاهبِ ... وأرضَ بأمر الطالبِ الغالبِ
واصبر تنل أجركَ في فقده ... فليس من يصبرُ بالخائبِ
قدر ركبَ الأعناقَ لمّا مضى ... لرَبِّه أفديهِ من راكبِ
وباتَ مندوباً لأنَّ العلا ... أمست بقلبٍ بعده واجبِ
وفاز لما حازَ طيبَ الثنا ... والذكر في الحاضرِ والغائبِ
بكاهُ حتى مستهل الحيا ... بدمعهِ المنحدرِ الساكبِ
لم ترمَ دونَ الناسِ من فقدهِ ... فيهِ بسهمٍ للردى صائبِ
بل الورى عمهُم رزؤه ... وكم فؤادٍ بعدهُ ذائبِ
وما ترى في النّاس غير امرئ ... وعينهُ تبكي على الحاجبِ
أقطوان الأمير علاء الدين الظاهري الساقي.
كان صالحاً يقوم الليل، ويجاهد في المحراب وعلى ظهور الخيل، ويلازم صلاة الجماعة، وما لحقوق الله تعالى عنده إضاعة. وكان يحفظ أشياء في الزهد يوردها، ويأتي بها من حفظه ويسردها.
ناب السلطنة بقلعة الجبل في أيام السعيد بن الظاهر لما توجه إلى الشام، ثم إنه نقل إلى الشام، وأقام به إلى أن صُرع الساقي، وظفر من عمله بالكنز الباقي.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان المعظم سنة ثمان عشرة وسبع مئة. وكان من أبناء الثمانين أو تجاوزها، ودفن بالقبيبات.
أقوش الأمير جمال الدين الشريفي.
كان والي الولاة بالصفقة القبلية بالشام، تولاها وهي كثيرة الهرج، مباحة الدم والفرج، قد غلب فيها العشير على حكام الدولة، وكادت قراها تحكي أطلال خولة، فأطلق فيها سيفه الماضي، ورفض التغافل والتغاضي، إلى أن هذب تلك الناحية، وميز الفرقة الناجية.