ونادم في دمشق الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وبدر الدين بن العطار، والملك الكامل، وغيرهم من المطابيع الأفاضل والرؤساء الأماثل، وأحبه أهل دمشق، ونقشوا ركنه على أطرزتهم وآلاتهم، واستعملوه في جميع حالاتهم.
ونظم فيه الشعراء، ومن أحسن ما جاء فيه قول الشيخ نجم الدين هاشم البعلبكي الشافعي:
سيوفٌ سقاها من دماءٍ عُداته ... وأقمس عن ورد الردى لا يردها
وأبرزها في أبيضٍ مثل كفه ... على أخضرٍ مثل المسن يحدها
وكان زنكه غاية في الظرف، وهو دائرة بيضاء، يشقها شطب أخضر، عليه سيف أحمر، يمر من البياض الذي فوق إلى البياض الذي تحت على الشطب الأخضر. وقيل: إن النساء الخواطي وغيرهن كن ينقشنه حتى على معاصمهنّ وفروجهنّ.
ولم يزل على حاله في همذان داخل البلاد إلى أن جاءه الأمر الذي لا يرد قدومه، والخطب الذي لا يصد عن القطع قدومه.
وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بهمدان بعد العشرين وسبع مئة، ودفن بها.
وعمر الجامع الذي بالصالحية قبالة الناصرية، والتربة التي إلى جانبه. وجدد جامع التوبة الذي بالعقيبة.
ولما كان بصرخد، وكتب إليه الشيخ صدر الدين بن الوكيل قرين فاكهة جهزها وحلوى:
أيا جيرةً بالقصر كان لهم مغنى ... رحلتم فعادَ القصرُ لفظاً بلا معنى
وأظلم لما غابَ نورُ جماله ... وقد كانَ من شمس الضحى نورهُ أسنى
فلا تحسبوا أن الديار وحُسنها ... زمانكم لا والذي أذهب الحسنى
لقد كانت الدنيا بكم في غضارةٍ ... ونعمى فأعمى الله عيناً أصابتنا
ولا رقت الأصالُ إلا صبابةً ... ولا حركت ريحُ الصبا طرباً غُصنا
يعز عليهم بعد داري عنهم ... وقد كنتُ منها قاب قوسين أو أدنى
وأني ألاقي ما لقيتُ من الذي ... لقلبي قد أصمى وجسمي قد أضنى
لقد كنتُم يا جيرةَ الحي رحمةً ... أياديكُم تمحو الإساءة بالحسنى
فجاءته الأبيات والهدية صحبة قاصدة، وقد خرج إلى الصيد، فقال للخزندار: كم معك؟ قال: ألف درهم، فقال: هذا القدر ما يكفي الشيخ صدر الدين، يا صبيان أقرضوني حوائصكم، فأخذ من مماليكه عشرين حياصة وجهّزها قرينَ الدراهم، وقال لقاصده: سلِّم على الشيخ وقُل له:
على قدرِ الكسا مديتُ رجلي ... وإن طالَ الكسا مديت زاده
ولم ينتفع بعده أحدٌ بالقصر الأبلق، لأنه وسكنه مدة نيابته وهي تقارب الأربع عشرة سنة، وبعد سكنه قراسنقر أربعة أشهر، وخرج منه أقبح خروج، وسكنه كراي مدّة يسيرة وأمسك منه، وسكنه نائب الكرك دون السنة وعُزل. وأمّا تنكز - رحمه الله تعالى - فما سكنه ولا بات فيه. وأمّا الفخري فنزل فيه، فجرى له ما جرى. وأمّا طقزتمر فخرج منه في ليلة خرج إلى قبته في المرّة الثانية، ومنها هرب، وجرى له ما جرى، وأمّا أرغون شاه فمنه أخرج وذبح.
آقوش الأمير جمال الدين المنصوري، المعروف بقتال السبع.
بقي إلى أن عاد السلطان الملك الناصر من الكرك، وهو أمير كبير، وعظيم بالبأس والنجدة شهير، أملاكه موفورة، ومماليكه تضاهي شموس الأفق وبدوره، وله الحّمام التي عند حوض ابن هنّس في الشارع، وانتقلت إلى ملك الأمير سيف الدين قوصون أخيراً.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه الحمام فما أطاق رده قتال السبع، وبطش به غرب المنيّة وهو نبع.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة، في تاسع عشري رجب الفرد، وكان أمير علم.
أقوش جمال الدين البيسري، أحد الأجناد بطرابلس، كان له شعر ومُلح، ونوادر وفق المقترح، رأى الأكابر وقاسى أهوال الزمان وهو صابر وقارب المئة وهو برمح واحد، وصحب الدهر فما خانه في المدة إلى أن لحدهُ اللاحد.
وتوفي رحمه الله تعالى.. وسبعمئة.
قال رأيت في النوم من أنشدني:
لما بدا كقضيبِ البانِ مُنعطفاً ... وكان يشتم ريحُ المسك من فيهِ
فقلتُ يا لائماتي انظرنَ واحدةً ... فذلكن الذي لمتني فيه
قال فحفظتهما، ونظمت:
لامت نساءُ زرودٍ في هو قمر ... كل الملاحة جزءٌ من معانيه
وقلنَ لما تبدى ليس ذا بشراً ... فقلتُ: هذا الذي لمتنني فيه
وقال ما كتبَ على قبقاب:
كنت غُصناً بين الرياض رطيباً ... مائسَ العطفِ من غناء الحمام
صرتُ أحكي رؤوسَ أعداك في ال ... ذل أبرغمي أداسُ بالأقدامِ
وقال:
خودٌ من التّرك ذاتُ وجهٍ ... كالبدِ في هالة الكمال
جاءت بكيسٍ بغيرِ ياء ... تطلبُ زبداً بغير دالِ
آقوش الأمير جمال الدين الرسمتي.
كان خبيراً كافياً، عارفاً بالسياسات وافياً، له بأس ونجدة، وفي أخلاقه زعارةٌ
وحدة، وولي شد الدواووين بدمشق، فضاق منه عطن الكتاب، وبطل منهم جماعة وانفصل غير واحد منهم وتاب، وحصل أموالاً واستفاد أحوالاً، ثم إنه عُزل وولي والي الولاة بالصفقة القبلية، فمهد البلاد، وأخذ بثأر الطارف والتلاد، وقمع أهل العدوان والفساد، وأصلح الرعايا فساد.
وكانت ولايته بعد الشريفي، فخمل به ذكره، وبطل بذلك حمدُه وشكره.
ولم يزل إلى أن قش الفناء آقوش، وطفئ نور وجهه بعدما كان كالدينار المنقوش.
ووفاته رحمه الله تعالى في يوم الأحد ثامن عشري جمادى الأولى سنة تسع وسبع مئة، ودفن بتربة الشيخ رسلان.
آقوش الأمير جمال الدين نائب البيرة، نُقل إليها بعد موت الأمير شرف الدين موسى أمير حاجب.
وكان الأمير جمال الدين أمير حاجب بحلب، فلما توفي موسى المذكور في نيابة البيرة جُهز الأمير جمال الدين إليها، وجُعل الأمير ناصر الدين محمد بن شهري أمير حاجب مكانه، أظنه توجه إلى البيرة في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وسبع مئة، فأقام بها قليلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وكان المذكور من مماليك الأمير سيف الدين سودي نائب حلب.
آقوش الأمير جمال الدين الرحبي - بالراء والحاء المهملة والباء الموحدة - المنصوري.
تولى مدينة دمشق أكثر من إحدى عشرة سنة، كان مشكور السيرة، خير السريرة، سهل الانقياد، لا يزال من الخير في ازدياد، طالت مدته في ولاية دمشق وكل يحبّه، وإذا رأى عليه سوءاً يدفعه بجهده ويجبه، قل أن هتك ستراً، أو رأى شدة تطول إلا جعلها بسياسته بتراً.
ولم يزل على حاله إلى أن نُقل الرحبي إلى رحبة القبور، ودعا أهله بالويل والثبور.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
وكان قد عزله السلطان الملك الناصر لما توجه من دمشق إلى مصر سنة تسع وسبع مئة، لأنه خرج هو والأمير سيف الدين أقجبا المُشد اليودعا السلطان، فغابا ليلة، ولما عاد الرحبي أدركه شرف الدين قيران بن الرستمي متولياً دمشق مكانه فعاد الرحبي، ولحق السلطان، وغاب أياماً، وعاد إلى مكانه واليَ المدينة وذلك دون العشرة أيام، وفرح به أهل دمشق، وتلقوه بالشموع.
وأمسكه تنكز في ذي الحجة سنة أربع عشر وسبع مئة. وصادر ولم يعزله.
ثم إنه في صفر سنة تسع عشرة، رتّبه تنكز في شد الدواوين عوضاً عن فخر الدين أياس الشمسي، فأقام إلى الحادي من جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
وتوفي في التاريخ، وكان عمره خمساً وخمسين سنة.
وهو من قرية من قرى إربل، وسبي منها وبيع، فأقام بالرحبة مدة، وانتقل إلى بيت المنصور.
أقوش الأمير جمال الدين الكنْجي، بالكاف والنون الساكنة وبعدها جيم.
كان من الأمراء أولي الدربة، والعارفين بما يجلّي الكربة، قد ألف سياسة الباطنية، ويعلم ما لهم في أمورهم من ظاهر ونيّة، يعيّن لكل مهمّ رجلاً يعرفه، ويُنفذه في ذلك الشغل ويصرفه، وحصّل من الأموال ما يكاثر الأمواه، وأذهل العقول حتى سدّ الأفواه.
ولم يزل على حاله حتى قفز الفداويّ الذي يُخْطِه، وخرج إليه كما يقال من تحت إبطه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
وكان في هذه النيابة بمصياف من الأيام الظاهرية، وعزل منها مرات، ويعود إليها، ولعله بلغ من العمر تسعين سنة.
آقوش بن عبد الله جمال الدين الشبلي الشافعي.
سمع من ابن عبد الدايم، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
آقوش الأمير جمال الدين الأشرفي نائب الكرك.
ولاّه الملك الناصر بعد مجيئه من الكرك نيابة دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين كراي المنصوري في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، فأقام قليلاً دون السنة، وعزله بالأمير سيف الدين تنكز، وتوجّه إلى مصر، وأمسكه الملك الناصر، وبقي في الاعتقال إلى أن أفرج عنه في شهر رجب سنة خمس عشرة وسبع مئة.
كان معظماً إلى الغاية، يجلس رأس الميمنة، ويقوم له السلطان ميزة له عن غيره. وكان لا يلبس مفَرَّكاً، ولا مصقولاً، ويتوجه إلى الحمّام بنفسه وهو حامل الطاسة والمئزر، ويقلب عليه الماء، ويخرج وحده من غير بابا ولا مملوك. فاتفق أن رآه بعضُ من يعرفه، فأخذ الحجر، وحكّ رجليه وغسَّله بالسِّدر، ولم يكلّمه كلمة واحدة، ولما خرج وتوجّه إلى داره طلبه وقتله، وقال: أنا ما لي مملوك، وما عندي غلام، ما لي بابيّة، حتى تتجرّأ أنت عليّ.