فقلتُ يا لائماتي انظرنَ واحدةً ... فذلكن الذي لمتني فيه
قال فحفظتهما، ونظمت:
لامت نساءُ زرودٍ في هو قمر ... كل الملاحة جزءٌ من معانيه
وقلنَ لما تبدى ليس ذا بشراً ... فقلتُ: هذا الذي لمتنني فيه
وقال ما كتبَ على قبقاب:
كنت غُصناً بين الرياض رطيباً ... مائسَ العطفِ من غناء الحمام
صرتُ أحكي رؤوسَ أعداك في ال ... ذل أبرغمي أداسُ بالأقدامِ
وقال:
خودٌ من التّرك ذاتُ وجهٍ ... كالبدِ في هالة الكمال
جاءت بكيسٍ بغيرِ ياء ... تطلبُ زبداً بغير دالِ
آقوش الأمير جمال الدين الرسمتي.
كان خبيراً كافياً، عارفاً بالسياسات وافياً، له بأس ونجدة، وفي أخلاقه زعارةٌ
وحدة، وولي شد الدواووين بدمشق، فضاق منه عطن الكتاب، وبطل منهم جماعة وانفصل غير واحد منهم وتاب، وحصل أموالاً واستفاد أحوالاً، ثم إنه عُزل وولي والي الولاة بالصفقة القبلية، فمهد البلاد، وأخذ بثأر الطارف والتلاد، وقمع أهل العدوان والفساد، وأصلح الرعايا فساد.
وكانت ولايته بعد الشريفي، فخمل به ذكره، وبطل بذلك حمدُه وشكره.
ولم يزل إلى أن قش الفناء آقوش، وطفئ نور وجهه بعدما كان كالدينار المنقوش.
ووفاته رحمه الله تعالى في يوم الأحد ثامن عشري جمادى الأولى سنة تسع وسبع مئة، ودفن بتربة الشيخ رسلان.
آقوش الأمير جمال الدين نائب البيرة، نُقل إليها بعد موت الأمير شرف الدين موسى أمير حاجب.
وكان الأمير جمال الدين أمير حاجب بحلب، فلما توفي موسى المذكور في نيابة البيرة جُهز الأمير جمال الدين إليها، وجُعل الأمير ناصر الدين محمد بن شهري أمير حاجب مكانه، أظنه توجه إلى البيرة في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وسبع مئة، فأقام بها قليلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وكان المذكور من مماليك الأمير سيف الدين سودي نائب حلب.
آقوش الأمير جمال الدين الرحبي - بالراء والحاء المهملة والباء الموحدة - المنصوري.
تولى مدينة دمشق أكثر من إحدى عشرة سنة، كان مشكور السيرة، خير السريرة، سهل الانقياد، لا يزال من الخير في ازدياد، طالت مدته في ولاية دمشق وكل يحبّه، وإذا رأى عليه سوءاً يدفعه بجهده ويجبه، قل أن هتك ستراً، أو رأى شدة تطول إلا جعلها بسياسته بتراً.
ولم يزل على حاله إلى أن نُقل الرحبي إلى رحبة القبور، ودعا أهله بالويل والثبور.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
وكان قد عزله السلطان الملك الناصر لما توجه من دمشق إلى مصر سنة تسع وسبع مئة، لأنه خرج هو والأمير سيف الدين أقجبا المُشد اليودعا السلطان، فغابا ليلة، ولما عاد الرحبي أدركه شرف الدين قيران بن الرستمي متولياً دمشق مكانه فعاد الرحبي، ولحق السلطان، وغاب أياماً، وعاد إلى مكانه واليَ المدينة وذلك دون العشرة أيام، وفرح به أهل دمشق، وتلقوه بالشموع.
وأمسكه تنكز في ذي الحجة سنة أربع عشر وسبع مئة. وصادر ولم يعزله.
ثم إنه في صفر سنة تسع عشرة، رتّبه تنكز في شد الدواوين عوضاً عن فخر الدين أياس الشمسي، فأقام إلى الحادي من جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
وتوفي في التاريخ، وكان عمره خمساً وخمسين سنة.
وهو من قرية من قرى إربل، وسبي منها وبيع، فأقام بالرحبة مدة، وانتقل إلى بيت المنصور.
أقوش الأمير جمال الدين الكنْجي، بالكاف والنون الساكنة وبعدها جيم.
كان من الأمراء أولي الدربة، والعارفين بما يجلّي الكربة، قد ألف سياسة الباطنية، ويعلم ما لهم في أمورهم من ظاهر ونيّة، يعيّن لكل مهمّ رجلاً يعرفه، ويُنفذه في ذلك الشغل ويصرفه، وحصّل من الأموال ما يكاثر الأمواه، وأذهل العقول حتى سدّ الأفواه.
ولم يزل على حاله حتى قفز الفداويّ الذي يُخْطِه، وخرج إليه كما يقال من تحت إبطه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
وكان في هذه النيابة بمصياف من الأيام الظاهرية، وعزل منها مرات، ويعود إليها، ولعله بلغ من العمر تسعين سنة.
آقوش بن عبد الله جمال الدين الشبلي الشافعي.
سمع من ابن عبد الدايم، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
آقوش الأمير جمال الدين الأشرفي نائب الكرك.
ولاّه الملك الناصر بعد مجيئه من الكرك نيابة دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين كراي المنصوري في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، فأقام قليلاً دون السنة، وعزله بالأمير سيف الدين تنكز، وتوجّه إلى مصر، وأمسكه الملك الناصر، وبقي في الاعتقال إلى أن أفرج عنه في شهر رجب سنة خمس عشرة وسبع مئة.
كان معظماً إلى الغاية، يجلس رأس الميمنة، ويقوم له السلطان ميزة له عن غيره. وكان لا يلبس مفَرَّكاً، ولا مصقولاً، ويتوجه إلى الحمّام بنفسه وهو حامل الطاسة والمئزر، ويقلب عليه الماء، ويخرج وحده من غير بابا ولا مملوك. فاتفق أن رآه بعضُ من يعرفه، فأخذ الحجر، وحكّ رجليه وغسَّله بالسِّدر، ولم يكلّمه كلمة واحدة، ولما خرج وتوجّه إلى داره طلبه وقتله، وقال: أنا ما لي مملوك، وما عندي غلام، ما لي بابيّة، حتى تتجرّأ أنت عليّ.
وعمّر جامعاً ظاهر الحسينية، وكان إذا توجّه إليه عرف الناس خُلُقه، فلا يدخل معه أحد من مماليكه، ويخرج قَوَمةُ الجامع، ولم يبق معه أحد، ويدوّر هو الجامع وحده، ويتفقده، ويبصر إن كان تحت الحُصُر تراب، أو في القناديل تراب، فأيّ خلل رآه أحضر القيّم وضربه. فلما كان في بعض الأيام وهو بمفرده في الجامع المذكور، لم يشعر إلا وجندي من أكراد الحُسينية قد بسط سُفْرة وقصعة لبن ورقاق في وسطها، وقال: " بسم الله ". فالتفت إليه وقال: من أعلمك بمكاني أو دلّك علي؟ فقال: والله لا أحد. فطلب مماليكه، وأكل ذلك وأمر له بمبلغ ست مئة درهم.
فاتفق أن أتاه كرديّ آخر في الجامع بعد ذلك الوقت بمثل ذلك، فرماه، وضربه ست مئة عصاً، وكان قد اتخذ له صورة معبدٍ في الجبل الأحمر يتوجّه إليه وينفرد فيه وحده يومين وأكثر، وأقل، ورُبّما واعَدَ الغلام أن يأتي إليه بالمركوب في وقت، ثم إنه يبدو له فيأخذ ذيله على كتفه، ويدخل القاهرة إلى بيته ماشياً.
وولاّه السلطان الملك الناصر نظر البيمارستان المنصوري، فكان يدخل بعض الأوقات إلى المجانين، ويُدخلهم الحمّام، ويكسوهم قماشاً جديداً، وأحضر لهم يوماً جماعة من الجوالقية، فغنوا لهم بالكف، ورقص المجانين.
وكان يبرّ المباشرين الذين هم به بالذهب من عنده، ويطلع في الليل قبل التسبيح المأذنة، ويتفقد المؤذنين، وكان للبيمارستان به صورة عظيمة، وأملاكه محترمة لا يُرمى على سكانها شيء من جهة الدولة ولا يتعرض لهم أحد بأذيّة.
أخرجه السلطان في أول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في شهر ربيع الآخر وصل إلى دمشق متوجّهاً إلى نيابة طرابلس، فحضر إليها، وأقام بها مدة، وبالغ في طلب
الإقالة، وأن يكون مقيماً بالقدس، فرُسم له بالحضور إلى دمشق، وخرج الأمير سيف الدين تنكز، وتلقاه، وعمل له سماطاً في دار السعادة، ودخل ليأكل، وحضر الأمراء فأمسكه على السماط، وأودع في قلعة دمشق معتقلاً، فأقام بها يسيراً. ثم إنه جهز إلى صفد، وحبس بها في برج، فدخل إليه بعض أهلها، وقال: يا خوند! ما تلبث إلا يسيراً، وتخرُج منه، لأنك دخلت في برج منقلب، فلما كان بعد أيام أخرجوه منه إلى غزة، فقال: لأي شيء؟ فقالوا: يا خوند! البرج قد انشق، ونخاف أن يقع عليك، فقال: صدق القائل، كان البرج ينقلب عليّ.
وكانت له أشياء غريبة، فيما يوقّع على القصص بقلمه؛ كتب إليه إنسان وهو بدمشق: المملوك يسأل الحضور بين يدي مولانا ملك الأمراء لينهي ضرورته، فوقّع على جانبها: الاجتماع مقدَّر.
وكتب إليه بعض من كان بها مليحاً يطلب إقطاعاً، فكتب له عليها: مَنْ كان يومه بخمسين وليلته بمائة ما له حاجة بالجندية.
وكتب إليه إنسان وهو بالكرك: إن هؤلاء الصبيان قد كثرت أذيتهم للمملوك؟ فوقّع له: إن لم تصبر على أذى أولادهم، وإلا فاخرج من بلاهم.
ووقّع لآخر، وكان قد جرت له كائنة في الليل: قد أحصيناك، وإن عدت إلى مثلها أخصيناك.
وقال للأمير سيف الدين تنكز لمّا أمسكه: أما أنا فقد أُمسكت، ولكن خذ أنت حذرك منه.
وأقام في قلعة صفد يسيراً، ثم إنه رُسم بتجهيزه إلى الإسكندرية، فأقام بها قليلاً.
وكان في رأسه سِلعة، فطالب قطعها، وشاوروا السلطان على قطعها، فرسم له بذلك، فقطعوها، فمات رحمه الله تعالى في الاعتقال بالإسكندرية سنة ست وثلاثين وسبع مئة فيما أظن.
وكان يضرب الألْفَ عصا وأكثر، مات، ضَربِه جماعة منهم باردار من باردارية السلطان رآه وهو يسير برّاً باب اللوق، وقد شتم كان عنده وشتم أستاذه، فأمسكه وأحضره إلى البيت وضرب أكثر من ألف عصا، وقال: والك أنت والسقاء تخاصمتما، أنا أيش كنت في الوسط؟! وكانت هذه الواقعة إحدى الذنوب التي عدّها السلطان عليه.
ومنها أنه قتل جارية السلطان امرأة بكتمر الحاجب بسبب الميراث، لأن ابنته كانت زوجة بكتمر أيضاً، فضربها ست مئة عصا. وأشياء غير ذلك.
إلا أنه كان زائد الكرم والسماح، تُقصر عن مباراته في ذلك هُوج الرياح.
كان السماط الذي يمده في بيته في العيد نظيرَ سماط السلطان، وربما يكون أصلف وألذ وأطيب وأظرف. وإذا جُرد في مهمّ من الريدانية لا يعرف جنديه يشتري طعاماً ولا عَليقاً، ولا يدري كل يوم إلاّ وقد صُرف له ما يكفيه من ذلك إلى أن يعود إلى الريدانية تعليقاً، وإذا كان لجنديه فرس حمل كفله إلى مطبخه، فيصرف له من ديوانه ست مئة درهم، وقد صار عادة لا يشاور عليها، ولا يشار إليها،