بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 577

ثم إنه في صفر سنة تسع عشرة، رتّبه تنكز في شد الدواوين عوضاً عن فخر الدين أياس الشمسي، فأقام إلى الحادي من جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
وتوفي في التاريخ، وكان عمره خمساً وخمسين سنة.
وهو من قرية من قرى إربل، وسبي منها وبيع، فأقام بالرحبة مدة، وانتقل إلى بيت المنصور.
أقوش الأمير جمال الدين الكنْجي، بالكاف والنون الساكنة وبعدها جيم.
كان من الأمراء أولي الدربة، والعارفين بما يجلّي الكربة، قد ألف سياسة الباطنية، ويعلم ما لهم في أمورهم من ظاهر ونيّة، يعيّن لكل مهمّ رجلاً يعرفه، ويُنفذه في ذلك الشغل ويصرفه، وحصّل من الأموال ما يكاثر الأمواه، وأذهل العقول حتى سدّ الأفواه.
ولم يزل على حاله حتى قفز الفداويّ الذي يُخْطِه، وخرج إليه كما يقال من تحت إبطه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
وكان في هذه النيابة بمصياف من الأيام الظاهرية، وعزل منها مرات، ويعود إليها، ولعله بلغ من العمر تسعين سنة.


صفحه 578

آقوش بن عبد الله جمال الدين الشبلي الشافعي.
سمع من ابن عبد الدايم، وأجاز لي بخطه في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
آقوش الأمير جمال الدين الأشرفي نائب الكرك.
ولاّه الملك الناصر بعد مجيئه من الكرك نيابة دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين كراي المنصوري في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، فأقام قليلاً دون السنة، وعزله بالأمير سيف الدين تنكز، وتوجّه إلى مصر، وأمسكه الملك الناصر، وبقي في الاعتقال إلى أن أفرج عنه في شهر رجب سنة خمس عشرة وسبع مئة.
كان معظماً إلى الغاية، يجلس رأس الميمنة، ويقوم له السلطان ميزة له عن غيره. وكان لا يلبس مفَرَّكاً، ولا مصقولاً، ويتوجه إلى الحمّام بنفسه وهو حامل الطاسة والمئزر، ويقلب عليه الماء، ويخرج وحده من غير بابا ولا مملوك. فاتفق أن رآه بعضُ من يعرفه، فأخذ الحجر، وحكّ رجليه وغسَّله بالسِّدر، ولم يكلّمه كلمة واحدة، ولما خرج وتوجّه إلى داره طلبه وقتله، وقال: أنا ما لي مملوك، وما عندي غلام، ما لي بابيّة، حتى تتجرّأ أنت عليّ.


صفحه 579

وعمّر جامعاً ظاهر الحسينية، وكان إذا توجّه إليه عرف الناس خُلُقه، فلا يدخل معه أحد من مماليكه، ويخرج قَوَمةُ الجامع، ولم يبق معه أحد، ويدوّر هو الجامع وحده، ويتفقده، ويبصر إن كان تحت الحُصُر تراب، أو في القناديل تراب، فأيّ خلل رآه أحضر القيّم وضربه. فلما كان في بعض الأيام وهو بمفرده في الجامع المذكور، لم يشعر إلا وجندي من أكراد الحُسينية قد بسط سُفْرة وقصعة لبن ورقاق في وسطها، وقال: " بسم الله ". فالتفت إليه وقال: من أعلمك بمكاني أو دلّك علي؟ فقال: والله لا أحد. فطلب مماليكه، وأكل ذلك وأمر له بمبلغ ست مئة درهم.
فاتفق أن أتاه كرديّ آخر في الجامع بعد ذلك الوقت بمثل ذلك، فرماه، وضربه ست مئة عصاً، وكان قد اتخذ له صورة معبدٍ في الجبل الأحمر يتوجّه إليه وينفرد فيه وحده يومين وأكثر، وأقل، ورُبّما واعَدَ الغلام أن يأتي إليه بالمركوب في وقت، ثم إنه يبدو له فيأخذ ذيله على كتفه، ويدخل القاهرة إلى بيته ماشياً.
وولاّه السلطان الملك الناصر نظر البيمارستان المنصوري، فكان يدخل بعض الأوقات إلى المجانين، ويُدخلهم الحمّام، ويكسوهم قماشاً جديداً، وأحضر لهم يوماً جماعة من الجوالقية، فغنوا لهم بالكف، ورقص المجانين.
وكان يبرّ المباشرين الذين هم به بالذهب من عنده، ويطلع في الليل قبل التسبيح المأذنة، ويتفقد المؤذنين، وكان للبيمارستان به صورة عظيمة، وأملاكه محترمة لا يُرمى على سكانها شيء من جهة الدولة ولا يتعرض لهم أحد بأذيّة.
أخرجه السلطان في أول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في شهر ربيع الآخر وصل إلى دمشق متوجّهاً إلى نيابة طرابلس، فحضر إليها، وأقام بها مدة، وبالغ في طلب


صفحه 580

الإقالة، وأن يكون مقيماً بالقدس، فرُسم له بالحضور إلى دمشق، وخرج الأمير سيف الدين تنكز، وتلقاه، وعمل له سماطاً في دار السعادة، ودخل ليأكل، وحضر الأمراء فأمسكه على السماط، وأودع في قلعة دمشق معتقلاً، فأقام بها يسيراً. ثم إنه جهز إلى صفد، وحبس بها في برج، فدخل إليه بعض أهلها، وقال: يا خوند! ما تلبث إلا يسيراً، وتخرُج منه، لأنك دخلت في برج منقلب، فلما كان بعد أيام أخرجوه منه إلى غزة، فقال: لأي شيء؟ فقالوا: يا خوند! البرج قد انشق، ونخاف أن يقع عليك، فقال: صدق القائل، كان البرج ينقلب عليّ.
وكانت له أشياء غريبة، فيما يوقّع على القصص بقلمه؛ كتب إليه إنسان وهو بدمشق: المملوك يسأل الحضور بين يدي مولانا ملك الأمراء لينهي ضرورته، فوقّع على جانبها: الاجتماع مقدَّر.
وكتب إليه بعض من كان بها مليحاً يطلب إقطاعاً، فكتب له عليها: مَنْ كان يومه بخمسين وليلته بمائة ما له حاجة بالجندية.
وكتب إليه إنسان وهو بالكرك: إن هؤلاء الصبيان قد كثرت أذيتهم للمملوك؟ فوقّع له: إن لم تصبر على أذى أولادهم، وإلا فاخرج من بلاهم.
ووقّع لآخر، وكان قد جرت له كائنة في الليل: قد أحصيناك، وإن عدت إلى مثلها أخصيناك.
وقال للأمير سيف الدين تنكز لمّا أمسكه: أما أنا فقد أُمسكت، ولكن خذ أنت حذرك منه.


صفحه 581

وأقام في قلعة صفد يسيراً، ثم إنه رُسم بتجهيزه إلى الإسكندرية، فأقام بها قليلاً.
وكان في رأسه سِلعة، فطالب قطعها، وشاوروا السلطان على قطعها، فرسم له بذلك، فقطعوها، فمات رحمه الله تعالى في الاعتقال بالإسكندرية سنة ست وثلاثين وسبع مئة فيما أظن.
وكان يضرب الألْفَ عصا وأكثر، مات، ضَربِه جماعة منهم باردار من باردارية السلطان رآه وهو يسير برّاً باب اللوق، وقد شتم كان عنده وشتم أستاذه، فأمسكه وأحضره إلى البيت وضرب أكثر من ألف عصا، وقال: والك أنت والسقاء تخاصمتما، أنا أيش كنت في الوسط؟! وكانت هذه الواقعة إحدى الذنوب التي عدّها السلطان عليه.
ومنها أنه قتل جارية السلطان امرأة بكتمر الحاجب بسبب الميراث، لأن ابنته كانت زوجة بكتمر أيضاً، فضربها ست مئة عصا. وأشياء غير ذلك.
إلا أنه كان زائد الكرم والسماح، تُقصر عن مباراته في ذلك هُوج الرياح.
كان السماط الذي يمده في بيته في العيد نظيرَ سماط السلطان، وربما يكون أصلف وألذ وأطيب وأظرف. وإذا جُرد في مهمّ من الريدانية لا يعرف جنديه يشتري طعاماً ولا عَليقاً، ولا يدري كل يوم إلاّ وقد صُرف له ما يكفيه من ذلك إلى أن يعود إلى الريدانية تعليقاً، وإذا كان لجنديه فرس حمل كفله إلى مطبخه، فيصرف له من ديوانه ست مئة درهم، وقد صار عادة لا يشاور عليها، ولا يشار إليها،


صفحه 582

حتى إن بعضهم تكون فرسه بمئتي درهم، فيذبحه، ويأخذ ذلك المبلغ، وكان في نيابة الكرك من سنة تسعين وست مئة إلى سنة تسع وسبع مئة وله بها آثار حسنة.
أكرم القاضي كريم الدين الصغير ناظِر الدولة بالديار المصرية.
كان في الجيش أولاً، ولما بقي خاله القاضي كريم الدين الكبير ناظر الخاص تولّى هو نظر الدولة، وكان يحبّ الكاتب الأمين، ويزيد معلومه وينقله إلى وظيفة أكبر من التي يباشرها، وكان يحضر مجلس خاله كريم الدين الكبير فيكون واقفاً يرفع رجلاً ويضع أخرى، وقد يكون في ذلك المجلس جالساً من لا يمكنه الجلوس في دسته، وإذا كان في مجلسه هابه الناس وعظّموه.
وحكى لي غير واحد أن أمراء العشرات وغيرهم من الأمراء يزدحمون في المشي قدّامه، ويقعون زحاماً، ويقال: إن الملك الناصر لمّا كان في الكرك قال: أنا أعود إلى مكان يكون فيه أكرم الصغير يضرب الجند بالعصي وأشفع فيهم ما يقبل شفاعتي؟! وكان يضرب الناش ضرباً سمّوه المقترح، وهو أن تؤخذ يد الإنسان ويضرب من ورائه على أكتافه، فإذا قعص ضربه آخر من قدّامه على صدره.
ولكنّ عفّته عن مال السلطان مفرطة إلى الغاية، وتشدّد على من يخون عن خارج الحد.


صفحه 583

حكى لي أنه جاء إليه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وهو في الوجاهة والعظمة عند السلطان ما هو، فقام لتلقّيه، وجلس بين يديه، وقال: ارسم يا خوند! قال: هذا الكاتب صاحبي، فشفّعني فيه، واستخدِمْه في الوظيفة الفلانية، فقال: السمع والطاعة، كم في هذه الوظيفة في كل شهر؟ قال ذلك الكاتب: مئة وخمسون درهماً، وثلاثة أرداب قمحاً، فقال لصيرفي عنده: اصرف لهذا في كل شهر مئة وخمسين درهماً، ويجيء إلى الشونة في كل شهر، ويأخذ هذه الأرداب. فقال الكاتب: ما أريد إلا هذه الوظيفة، فقال كريم الدين: حتى تعلم يا خوند أنه لصّ، وما يريد المعلوم ما يريد إلاّ السرقة، فاستحيا الأمير ومضى.
ولمّا أُمسك كريم الدين أُمسك كريم الدين الصغير، وكاد العوام والناس يقتلونه، وأثبت القضاة فيه محاضر، منها ما هو بالكفر، ومنها ما هو بقتل النفوس، فرأى السلطان أنه ذاهب لا محالة، فقال: إذا قتل هذا ممن آخذ أنا مالي؟ اصبروا إلى أن نأخذ مالنا منه، وتسلّموه انتم. ثم إن السلطان سلّمه إلى الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي، وبقي عنده مُدَيده، ثم إنه أخرجه إلى صفد ناظراً، فجاء إليها في جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وضبطها، وحصّل أموالها، ثم إنه ورد المرسوم بإمساكه فأُمسك، وضُربت الحوطة على موجوده، ثم طلب إلى مصر وذلك في سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ثم إنه جُهز إلى دمشق ناظراً عوضاً عن الصاحب شمس الدين، فوصل إليها في ثالث عشري شوال من السنة، فكرهه الأمير سيف الدين تنكز أول حضوره لِمَا كان يبلغه عنه، ولما باشر عنده، ورأى عفّته وتنفيذه وحُسن مباشرته أحبّه ومال إليه ميلاً كلّياً. ثم إنه طُلب فخافه أعداؤه، وعملوا عليه، وبطّلوا ما كان تقرّر في أمره، ورموه بكل داهية، فأقام في بيته بطّالاً.


صفحه 584

وخرج عليه ليلة وهو خارج من الحمام جماعةٌ بسيوف ليقتلوه، فداسهم بفرسه، وضرب بدبّوسه إلى أن خلص منهم بكتفه وهو بمفرده، ثم عملوا عليه، فرُسم له بالتوجّه إلى أُسوان، وجُهز في البحر، فأغرق فِرْعَونه في اليم، وخسف عُمْرُ بدره في التم، وكان ذلك في أواخر سنة ست وعشرين وسبع مئة.
وكان مدبّراً مصرّفاً مجمّلاً للمناصب مشرفاً، كاتباً ضابطاً، مقسطاً لا قاسطاً، ذا مهابة وسطوة، ورفعة عند الملوك وحظوة، شديد الانتقام، تصحّ بمباشرته الأسقام، وتتوفر السهام والأقسام، ويريح قلب السلطان بمرض الأقلام والأجسام، لا يحابي أحداً ولا يحاشيه، ولا يراعي مَنْ هو من ألزامه أو حواشيه، يود الكاتب الخائن أن يرى ملك الموت ولا يراه، ويود أن يموت جوعاً ولا يُعمل إليه سَيْرُه ولا سُراه، إذا هزّ عاملاً قلت: هذا كمّي هزّ عاملاً، وإذا طلب ناظراً أنكرتْه علائمه، أو مستوفياً لم تحمله من الحساب قوائمه.
وفيه قلت من قصيدة:
فأكرِم بديوانٍ بهِ قد تثمّرَت ... بأوراقه غلاّته ودراهمه
وأكرِم به يوماً إذا هزّ عاملاً ... تخور لهُ عند الحساب قوائمه
وكان طعامه نظيفاً فاخراً شهياً، ومرأى أوانيه في كل أوان بهياً، إلا أنه لم يكن في بذخ خاله، ولا تمييز حاله، فإن ذلك في عداد الملوك، ولبس كل ما يلبس من الوشي المحوك.
وكنت قد كتبت إليه وهو بصفد:
عساكَ ترقُّ يا ظبيَ الصَّريم ... على صبٍّ من البَلوة سقيم
وجدتُ هدى على نارٍ تبدّت ... بطور حشايَ من قلبي الكَليم