والأمير سيف الدين أسنبغا الرسولي، وسيف الدين أسن بك بن خليل الطرقي ومهدي مشد حلب، لأنهم جُهّزوا معه من حلب إلى دمشق، واعتقلوا في القلعة إلى أن وُسِّطوا بسوق الخيل في دمشق.
وعاد الأمير سيف الدين ألبكي صحبة السلطان الملك الصالح إلى الديار المصرية، وأقام بها على الإمرة والتقدمة إلى أن وصل الخبر بوفاته في مصر إلى دمشق في أواخر شوال سنة ست وخمسين وسبع مئة.
أَلْبكي بفتح الهمزة وسكون اللام وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف وياء أخر الحروف.
الأمير فارس الدين الظاهري، من كبار الأمراء وشجعانهم.
كان في السجن، ويطلبه الملك المنصور، ويتحدث معه، ويعيده إلى السجن، ثم أخرجه وولاّه نيابة صفد، فأقام نحواً من عشرة أعوام.
وكان كلّما ركب ونزل الجمدار شاشه، وفتحه وتركه، فإذا أراد الركوب لفَّ هو شاشه بيده مرة واحدة.
وكان مليحَ الشكل، ليس في وجهه شعر، وكان الأمير سيف الدين يلبان الساقي من أمراء صفد يهيم فيه عشقاً، ويكوت صبابة ووجداً، وكان كثير الآداب.
حكى لي عنه شيخنا الإمام الخطيب نجم الدين حسن بن الكمال الصفدي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الحاء رئاسة كثيرة وحشمة زائدة. وكان يحادثه ويسامره إلى نصف الليل. قال: ولم أره بلا خفّ قطّ، ولم يُبد رجله ولا مدّها ولا كشفها.
ولمّا غضب الأشرف بن قلاوون على حسام الدين لاجين وهو على عكا جهزه إلى صفد ليُعتقَل بالقلعة، فأخذ المقرعة الأمير فارس الدين وضربه عل كتفه وقال له: ما تمشي إلاّ خواتيني، وأخذ خوجة كانت معه وطرطوراً ضمن بقجة، وضرب الدهر ضرباته، وجلس حسام الدين لاجين على كرسي المُلك، ولما ثمّ له الأمر سيّر إلى الأمير فارس الدين يقول له: احتفظ بالبقجة والجوخة والطرطور، ففرّ من حمص وهرب مع الأمير سيف الدين قَبْجَق - على ما يأتي في ترجمته هناك - ومعهما بَكْتَمُر السلاح دار، وتوجهوا إلى قازان لنا بلغهم إسلامه فتلقاهم بالإكرام، وبالغ في الإحسان إليهم وزوج الأمير فاس بأخته، وكان يحكي عنهما لما حضر إلى الشام: هي مثل هذه الشمس، ولما عاد قازان تأخروا عنه، وأعطي الأمير فارس الدين نيابة حمص.
وكان وَجْهُه من الشَّعر خالياً، وبالمحاسن حالياً، كأنه طلعة القمر إذا سفر الظلام، ولبس حلة الكمال والتمام، خيِّراً وادِعاً، ساكناً بالحق رادعاً، لطيف الحركات يتجنب مواقع الهلكات، قريباً من الناس للخير رقيباً نجيباً في أفعاله الغريبة، ينقاد إليها مع الإخلاص جنيباً، معروفاً بالشجاعة والثبات، موصوفاً بالفروسية في الكرّ والفرّ والالتفات، أعظمه القان قازان، وبهره عقله الذي زان، وقيامه بآداب المغول، وسياستهم التي يغتال العقول منها غول، فقرّبه لمّا جرّبه، وردّ به الخطب حين درّبه، وزوّجه بالخاتون أخته، وزاد فيما خصّه به من محاسن رخته، وأفرط في دنّوه حتى كاد يجلسه على تخته.
ولم يزل بحمص عل نيابته حتى نزل به ما لا يُسمع معه مُشتكى، وقرّح الجفون على ألبكي بالبُكا.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة اثنتين وسبع مئة.
ألجاي الأمير سيف الدين الأبو بكري.
كان أحد الأمراء بدمشق، يسكن بدار الأعسر.
فيه خير وصلاح، وجهاد في رضى الله تعالى: إلا أنه لا يحتاج فيه إلى سلاح، يتردد إلى الجامع ماشياً بفَرْد مملوك، ويلازم الصلاة فيه بكرة وعشيّاً ووقت الدلوك، هذا مع تواضع يزينه، ويحسّنه ولا يشينه.
ولم يزل على هذه الطريقة، والسبيل التي هي مجاز إلى الحقيقة إلى أن ألجي ألجاي إلى الدخول في مَنْ غبر، فأصبح وقد طاب مبتدا ذكره والخبر.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وتوفي قبله ولده بقليل.
وكان شاباً حسناً، فذاق فقده، ورأى الموت بعينه بعده.
ألجاي الأمير سيف الدين الدوادار الناصري.
كان دواقاراً صغيراً مع أرسلان المقدم ذكره. ولما توفي استقلّ ألجاي بالدوادارية.
وكان شاباً طويلاً، ظريف الحركة هزيلاً تعلوه شقرة، ولونه يضرب إلى حُمرة، وكان طويل الروح لا يغضب، وإن غضب فعلى نفسه، ولا يواجه إلاّ بما
أحبّ، مع عفّة وديانة، وخبرة تامة وصيانة، وكان عارفاً بأخلاق أستاذه الناصر، تُعْقَد على دُربَته وآدابه الخناصر.
وثق إليه السلطان كثيراً، وأحلّه من قلبه مكاناً أثيراً، ويكتب خطّاً من أين للروض طلاوته، أو للوشي رقمه وإجادته، وله فضائل، وعنده من العلم مسائل. لازمه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي كثيراً، وكان يُلزمه بالمبيت عنده في القلعة؛ ليكون له سميراً.
وبقي زماناً لا يؤثر الطبلخاناه مدة تزيد على العشرة أعوام خوفاً من إخراجه من بيت السلطان. ولما كان قبل موته بسنتين أو ثلاث أعطي طبلخاناه، واقتنى كتباً نفيسة إلى الغاية، عمَّر له داراً في الشارع، تأنق في بوّابتها ولم يكمل عمارة الدار. ولما مرض بالقلعة طلب النزول إلى داره ليُمرَّض فيها، فلامه أصحابه وأخصّاؤه، فقال: أنا أعْرَفُ بخُلُق أستاذي قد يريد أن يولي الدوادارية غيري، فنزل إليها، وأقام بها مدة يسيرة، وفرغ عمره، ونم نهيه في الدولة وأمره.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شهر رجب الفرد سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وكانت جنازته حافلة. ووقع خلاف في وفاته بين الأمير صلاح الدين الدوادار والقاضي شرف الدين بن الشهاب محمود كاتب السر، فقلت أنا: تُقرأ نصيبة قبره، فقال القاضي شرف الدين: هذا نقش في حجر، فنظمت أنا ذلك وقلت:
أخالف قوماً جادَلوني بباطلٍ ... متى مات أُلجاي الدّوادار أو غَبَرْ
وصَدَّقني فيه نصيبةُ قبره ... وكان الذي قد قُلتُه النَّقشُ في الحجرِ
ألتَمُر الأمير سيف الدين الأبو بكري. أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
كان شكله تامّاً وخَيْرُه عاماً، فيه سكون كثير، وركون إلى الدعة مثير.
وكان له ولدان، كأنهما فرقدان، ففرّق الموت منهم الشَّمل، وفاضت الجفون عليهم بالهَمْل.
وتوفي رحمه الله تعالى في أربع وأربعين وسبع مئة. ومات هو وولده الأكبر في دون الشهر.
ألْدَمِر بالهمزة واللام الساكنة والدال المهملة المفتوحة والميم المكسورة وبعدها راء.
الأمير سيف الدين أحد أمراء القاهرة. أظنه كان مُقدَّماً.
توجّه إلى الحجاز، فجرت تلك الفتنة في مكة، وقتل هو وولده وغيره. وحصل للسلطان لما بلغه الخبر أذى عظيم، وقام له وقعد، وبطل السماط، وجرد من مصر ألفي فارس كل واحد بخوذة وجوشن ومئة فردة نشاب وفأس برأسين أحدهما للقطع، والآخر للهَدّ، ومع كل فارس جملان وفرسان وهجين، ورسم لمقدم الجيش
متى وصل إلى الينبع وعدّاه لا يرفع رأسه إلى السماء بل إلى الأرض، ويسفك الدماء من كل مَنْ يلقاه من العربان، إلا مَنْ عَلِم أنه أمير عرب، يقيده ويسجنه معه.
وجرّد من دمشق ست مئة فارس على هذا الحكم. ومن أعجب ما مرَّ بي أن الناس تحدّثوا وهم في صلاة العيد بالقاهرة بقتلة هذا ألدمر، ولم يقتل هو ومن معه إلاّ بَعْد صلاة العصر يوم العيد سنة ثلاثين وسبع مئة.
وكان أمير جاندار، وأظنه زوّج ابنه بابنة قاضي القضاة جلال الدين القزويي، وسيأتي ذكر ولده أمير علي في مكانه من حرف العين.
ألْدَمِر الأمير سيف الدين المعروف بألدمر عبد الله أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
وكان قد توجّه أمير الركب في سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، وتسخَّط بذلك كثيراً. ولم أعاد أقام بدمشق.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وسبع مئة، وأعطي خبزه للأمير ناصر الدين محمد بن الخطير.
أُلْجِيبُغا الأمير سيف الدين المظفَّري الخاصكيّ.
تقدّم في أيام الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد. لم يكن عنده أحد في
رتبته، ولم يزل أثيلاً عنده أثيراً، إلى أن جرى للمظفر ما جرى، على ما سيأتي في ترجمته. وتولى السلطان الملك الناصر حسن، فاستمر معظّماً.
وكان أحد أمراء المشْوَر الذين تصدر عنهم الأوامر والنواهي إلى أن وقه الاختلاف بين هؤلاء الأمراء، فأُخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير حسام الدين لاجين أمير أخور، وطُلب أمير آخور إلى مصر، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
يقال: إنهم اختلفوا بعد إخراج أحمد الساقي إلى صفد، فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: تخرجُ نائباً إلى طرابلس. فقال: إذا كان لا بد من خروجي فأكون في حماة. فقالوا له: نعم. وألبسوه تشريفاً، وخرج. ولمّا كان في أثناء الطريق ألحقوه بمن قال له: تَروح إلى دمشق أميراً. فجاء إليها. ولم يزل بها على إمرته إلى أن حضر الأمير سيف الدين قُجا السلاح دار في أثناء شعبان سنة تسع وأربعين فأخذه وتوجّه به إلى طرابلس نائباً عوضاً عن الأمير بدر الدين أمير مسعود بن الخطير، فأقام بها نائباً إلى أوائل شهر ربيع الأول سنة خمسين وسبع مئة، وورد كتابه على أرغون شاه نائب الشام، ويقول فيه: أشتهي أن أتوجّه إلى الناعم أتصيّد به، وما يمكنني ذلك إلاّ بمرسومك. فقال له: " بسم الله ". المكان مكانك.
فحضر إلى الناعم، وأقام على بحرة حمص أياماً يتظاهر بالصيد، ثم إنه ركب ذات ليلة بمن معه من العساكر، وساق إلى خان لاجين، ونزل به، وأقام من الثانية في
النهار إلى أن اصفرَّت الشمس، وركب بمن معه وجاء إلى أرغون شاه وهو مقيم في القصر الأبلق، وجرى له ما جرى على ما تقدّم في ترجمة أرغون شاه.
ويقال: إنه ما وصل إلى سوق الخيل حتى قضى له الشغل الأمير فخر الدين أياز السلاح دار. ثم إنه لما انفجر الصبح نزل بالميدان الأخضر، وطلب أمراء الشام، وأخرج لهم كتاب السلطان، وقال: هذا مرسوم السلطان بإمساك أرغون شاه، فما شك أحد في ذلك، واحتاط على أموال أرغون شاه وجواهره وجميع موجوده، وذلك في يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول.
ولما كان في يوم الجمعة بكرةً ظهر الخبر أن أرغون شاه ذَبح روحه.
وكان قد جهز بريداً إلى باب السلطان بإمساكه، ومعه سيفه، وأقام والأمراء في خدمته إلى يوم الثلاثاء، فتحدث الأمراء فيما بينهم؛ لأنه أراد أن ينفق فيهم ويحلفهم، فأنكروا ذلك، ولبسوا السلاح، ووقفوا بسوق الخيل، ولبس هو وجماعة من الجراكسة وفخر الدين أياز ومماليكه، وخرجوا إلى العسكر، وكانت النصرة لألجيبغا، وقتل جماعة من أمراء الشاميين، ورموا الأمير بدر الدين أمير مسعود والأمير سيف الدين طَيْدمر أمير حاجب عن الفرس إلى الأرض، وقطعت يد الأمير سيف الدين ألجيبغا العادليّ، على ما سيأتي، وأخذ ألجيبغا الأموال والجواهر، وخرج العصر من دمشق على المِزّة، وتوجّه على البقاع إلى طرابلس، وأقام بها، فما كان بعد أيام إلا وقد جاءت الملطّفات إلى أمراء الشام من باب السلطان بإنكار هذه القضية، وأن هذا أمر لم نرسم به ولا لنا به علم فتجتهدوا في إمساك ألجيبغا وأستاذ داره تَمِربغا وتجهيزهما والكتاب الذي ادّعى أنه منا، وكتب بذلك إلى سائر نواب الشام، فجردت