بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 599

إلى جهة مصر في واقعة بيبغاروس جعله في دمشق نائب الغيبة، وأقام على حاله والملك الصالح في دمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن مرض مرضة طوّل فيها، وزاره الضيف الذي لا يُرد، والقادم الذي إذا نزل بالملوك لا يُصدّ.
وكانت وفاته في العشر الأول من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
وكان كبير الوجه ألحى، يرى الناظر في محيّاه حُسناً وملحاً، طويل القامة، عظيم الهامة، له رغبة في اقتناء الخيول الثمينة، والمغالاة في أثمانها التي هي في الكثرة مكينة.
وله أرب في المتاجر، ودأب في تحصيل المكاسب التي تبلغ فيها القلوب الحناجر.
يقال: إنه لمّا توفي رحمه الله تعالى خلّف من جملة متاجره سُكراً قيمته ثمان مئة ألف درهم، إلى غير ذلك من الأصناف.
أُلطُقُصْبا الناصري الأمير علم الدين من قدماء أمراء دمشق. أظنه من مماليك الناصر صاحب الشام.
روى عن سبط السِّلفيّ.
كان شيخاً عاقلاً، لا يُرى في القيام إلى الخير متثاقلاً، ساكناً مهيباً، عارفاً لبيباً، أصابه زيار في ركبته، وهو في حصار قلاع الأرمن سكّن حركاته، وأزاره هلكاته، فحمل إلى حلب، ففارق فيها الحياة، وبكاه حتى الغمام بدموع المياه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.


صفحه 600

ألطنبغا الأمير علاء الدين الحاجب الناصري.
ولاّه أستاذه الملك الناصر محمد نيابة حلب بعد سَوْدي، وصل إليها في أوائل شعبان سنة أربع عشرة وسبع مئة، فعمل بها النيابة على أتمّ ما يكون من الدُّرْبة، وأحسن ما يكون من المعرفة التي يغنى بها عن الصمصامة والحَرْبة، وعَمَّر بها جامعاً حَسَناً، متفرداً بالطلاوة والسَّنا.
ولم يزل بها إلى أن أتى إليه الأمير سيف الدين أُلجاي الدوادار الناصري في المحرَّم سنة سبع وعشرين، وتوجّه به إلى مصر، وورد إلى حلب الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، على ما مرَّ في ترجمته، وأقام بمصر في جملة الأمراء الكبار إلى أن مات أرغون، فأعاده السلطان إلى حلب ثانياً نائباً، وفرح به أهل حلب، وصل إليها في أوائل جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
ولم يزل بها إلى أن وقع بينه وبين الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، فطلبه السلطان إلى مصر، فتوجّه إليها، وما أقبل السلطان عليه، وبقي على باب الإصطبل والسلطان يُطعِم الجوارح بالميدان، ولم يستحضره حتى فرغ، وبقي بعد ذلك مقيماً بالقلعة إلى أن حضر تنكز، وخرج السلطان وتلقاه إلى سرياقوس وبير البيضاء، على ما يأتي ذكره في ترجمة تنكز، إن شاء الله تعالى. ولما استقرّ تنكز بباب السلطان أُخرج الأمير علاء الدين ألطنبغا إلى غزة نائباً.


صفحه 601

وبعد شهر ونصف خرج تنكز من مصر إلى الشام عائداً، فلما قارب غزة تلقاه ألطنبغا، وضرب له خاماً كبيراً، وأنزله عنده، وعمل له طعاماً، فأكل منه، وأحضر بناته له فتوجع له، وأقبل عليه بذلك، وخلع عليه، وتوجّه إلى دمشق.
ولم يزل بغزة نائباً إلى أن أمسك السلطان تنكز، فرسم لألطنبغا بنيابة الشام، فحضر إليها يوم الاثنين سادس المحرم سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ودخلها والأمير سيف الدين بُشتاك والحاج أرقطاي وبَرْسْبُغا وبقية الأمراء الذين كانوا قد حضروا عقيب إمساك تنكز.
ولم يزل بدمشق نائباً إلى أن أُمسك السلطان المنصور أبو بكر، وتولّى المُلْك الأشرف كجك، وتنفس الأمير سيف الدين طشتمر بسبب خلع المنصور ومحاصرة الناصر أحمد في الكرك، فخافه قوصون، وكان هو القائم بتلك الدولة، فاستوحى الأمير ألطنبغا عليه، وكان في نفس ألطنبغا من طشتمر، فجرت بينهما مكاتبات ومراجعات، وحمل ألطنبغا حظ نفسه عليه زائداً، فتجهّز إليه بالعساكر، وخرج بعد صلاة الجمعة من الجامع في مطر عظيم إلى الغاية، والناس يدعون عليه بعدم السلامة؛ لأن عوام دمشق كرهوه كراهة زائدة، وكانوا يسبونه في وجهه، ويَدْعُون عليه، ونشب سنان شَطْفَتِه من خلفه في بعض السقائف، فانكسر، فتفاءل له الناس بالشؤم. ولم يزل سائراً إلى سلميّة، فورد عليه الخبر بأن طشتمر هرب من حلب، فساق وراءه إلى حلب، ونهب أمواله وحواصله وذخائره، وفرقها على الأمراء والجند نفقةً، وعند خروجه من دمشق حضر إليها الأمير سيف الدين قُطلوبغا الفخري، وملكها،


صفحه 602

وبرز إلى خان لاجين، وقعد هناك بمن معه من العسكر المصري، وتردّدت الرُّسل بينه وبين ألطنبغا مال الفخري على قوصون، ومال ألطنبغا إليه.
ولم يزل إلى أن حضر ألطنبغا بعسكر الشام وحلب وطرابلس في عُدّة تزيد على خمسة عشر ألف فارس. وتردّد القضاة الأربع بينهما، ووقف الصفان، وطال الأمر، وكره العسكر الذين معه مُنابذة الفخري، وهلكوا جوعاً، وألحّ ألطنبغا، وأصرّ على عدم الخروج عن قوصون، وأقاموا كذلك يومين. ولما كان بكرة النهار الثالث خامر جميعُ العساكر على ألطنبغا، وتحيزوا إلى الفخري، وبقي ألطنبغا والحاج أرقطاي والأمير عز الدين المرقبي والأمير علاء الدين طَيْبغا القاسمي والأمير سيف الدين أسَنْبُغا بن الأبو بكري، فعند ذلك أدار ألطنبغا رأس فرسه إلى مصر، وتوجّه هو والمذكورون على حميّة إلى مصر.
ولما قاربوها جهّز دواداره قراتمر إلى قوصون يخبره بوصولهم، فجهّز إليهم تشاريف وخيولاً، وبات على أنه يصبح فيركب لملتقاهم، فأمسكه أمراء مصر، وقيّدوه، وجهّزوه إلى إسكندرية، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته، وسيّروا تلقُّوا ألطنبغا ومن معه، وأطلعوهم القلعة وأخذوا سيوفهم وحبسوهم. ثم بعد يومين أو أكثر جهزوهم إلى إسكندرية، ولم يزالوا هناك إلى مجيء الناصر أحمد من الكرك.


صفحه 603

وجاءت عساكر الشام، واستقرّ أمر الناصر أحمد، فجهّز الأمير شهاب الدين أحمد بن صبح إلى إسكندرية، فتولّى خنق قوصون وبَرْسْبُغا وألطنبغا وغيرهم في الحبس في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، أو في شهر شوال.
ويُحكى أنه ما جزع عند الموت بل توضّأ، وصلّة ركعتين، وقعد ولفَّ ذقنه بيده، ووضعها في فيه، واستسلم لوضع الوَتر في حلقه، وصبر لأمر الله تعالى وقضائه في خلقه، وبشَّ للذي أتاه، وخَنَق، وتلقاه بالرضى من غير حَنَق.
وكان رحمه الله تعالى خبيراً بالأحكام، طويل الروح على المنازعات والخصام، قد دَرِب الأمور وجرّبها، عمّر الوقائع وخرّبها، وباشر الحصارات، ودخل إلى بلاد سيس في الإغارات، ورتّب الجيوش وصفّها، وقدّمها وقت الفرصة وعند الخطر كفَّها، ودخلها مرات يجتلب ما تحويه ويحتلب، ويجعل علِيَها سافلها، والناس قالوا: سيس ما تنقلب.
وكان ألطنبغا رمّاحاً طُبْجيّاً، يرمي النشاب، ويلعب بالرمح، ويضرب الكرة، وتقاد له الفروسية في بُرَة، ولم يرمِ أحد في بيت السلطان جَنْبَه إلى الأرض، ولا جعل طوله إذا صرعه وهو عَرْض.
وكان لا يدَّخر شيئاً، ولا يستظل من الجمع فَيئاً، ولا يعمر له ملكاً،


صفحه 604

ولا يُجرى له في المتاجر حيواناً ولا فلكاً، وانفصلت في أيامه بدور العدل قضايا مرت السنون عليها لظلام أمرها، وغموض سرّها، وخفاء الحقّ فيها لدقته، وغلبة الباطل وعموم مشقته، وموت الخصوم في تمادي الحال وعدم الناصر، ورؤية المالك ثمار منافعها وباعه عنها قاصر.
وعلى الجملة كان فريداً في أثناء جنسه، مالكاً بالصبر أمر نفسه؛ إلاّ أن سفك الدماء عنده أمر هيِّن، وإزهاق الروح لا يعبأ به بأمر بيِّن أو غير بيِّن، فلذلك ما رزق سعادة في نيابة دمشق ومنها تعكس، وتنكد عيشه وتنكَّس، ولو قدر الله تعالى له أن يوافق الفخري ويدخل معه، وينزله القصر ويجلس هو موضعه لكان الفخري عنده ضيفاً. وما سلَّ أحد في وجهه سيفاً، ولا وجد له من أحد جَنفاً ولا حَيْفاً، ولكن هكذا قدَّر، وهذه العقبى جزاء ما صُدّر، فلا قوة إلاّ بالله.
ألطُنْبُغا الأمير علاء الدين المارِدانيّ الساقي الناصري.
أمَّره السلطان مئةً، وقدّمه على ألف، وزوّجه إحدى بناته، وهو الذي عمّر الجامع الذي برّا باب زُويلة عند المرحّليين، وأنفق على ذلك أموالاً كثيرة؛ لأنه مرض


صفحه 605

مرضة شديدة، طوَّل فيها، وأعيا الأطباء شفاؤه، وأنزله السلطان من القلعة إلى الميدان على البحر، ومُرّّض هناك قريباً من أربعين يوماً.
وكان ابن المرواني متولّي القاهرة يقف في خدمته، ويُحضر له كل ما في برّا باب اللوق من المساخر وأرباب الملاهي وأصحاب الحَلَق، وهو يُنعم عليهم بالدراهم والخلع والقماش.
ونزل السلطان إليه مرات، وكان الخاصكية ينتابونه جماعة بعد جماعة، وبيبتون عنده، وتصدّق في تلك الأيام بمائة ألف درهم، وشرع في عمارة الجامع المذكور. وهو أحد الخاصكية المقرَّبين.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي السلطان، وتولّى الملك المنصور أبو بكر. فيقال: إنه الذي وشى بأمره إلى قوصون، وقال له: قد عزم على إمساكك، وجرى ما جرى على ما يذكر في موضعه في ترجمة المنصور أبي بكر.
وكان الأمير علاء الدين ألطنبغا المذكور عند المنصور أعظمَ مما كان عند والده؛ لأنه جعله مُوْدَع سرِّه.
ولما تولّى الأشرف، وماج الناس، وحضر الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري من الشام، وجرى ما جرى على ما تقدم في ترجمة ألطنبغا نائب الشام، وشغَّب المصريين على قوصون، فيقال: إن ألطنبغا المارداني كان أصل ذلك كله، ونزل إلى


صفحه 606

الأمير علاء الدين أيْدُعْمِص أمير آخور، واتفق معه على القبض على قوصون، وطلع إلى قوصون، وجعل يشاغله، ويكسّر مجاذيفه عن الحركة إلى بكرة الغد، وأحضر الأمراء الكبار المشايخ عنده، وساهره إلى أن نام، وهو الذي حطَّ يده في سيف ألطنبغا نائب الشام لما دخل القاهرة قبل الناس كلّهم. ولم يجسر أحد أن يمدَّ يده إليه.
وكان الأمير سيف الدين بهادُر التمرُتاشيَ، الآتي بذكره إن شاء الله تعالى في حرف الباء في الأول، هو آغا ألطنبغا المذكور وهو الذي خرَّجه وربّاه، ولما بَدَت منه هذه الحركات والإقدامات قويت نفسه عليه، فوقف فوق التمرتاشي فما حملها منه، وبقيت في نفسه. ولما ملك الملك الصالح إسماعيل صار الدست كلّه للتمرتاشي، فعمل على ألطنبغا المذكور، ولم يدر بنفسه إلا وقد أخرج على خمسة أرؤس من خيل البريد إلى حماة نائباً في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة فتوجّه إليها، وبقي بها نائباً مدة شهرين وأكثر إلى أن توفي أيدغمش نائب الشام، ونقل الأمير سيف الدين طُقُزْتمر من نيابة حلب إلى نيابة الشام، ورُسم للأمير علاء الدين ألطنبغا بنيابة حلب، فتوجّه إليها في أول شهر رجب من السنة المذكورة.
وجاء إلى حماة نائباً الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فأقام ألطنبغا في نيابة حلب مدة يسيرة، وتمرّض وقاسى شدة، وحضر له طبيب من القاهرة.
ولم يزل إلى أن كان القبر لجوهرته صدفاً، وراح شخصه لسهام المنايا هدفاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل صفر سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
وكان شاباً طويلاً رقيقاً، يُدير من أجفانه رحيقاً، بوجه قد حلا، ومن العيب