بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 605

مرضة شديدة، طوَّل فيها، وأعيا الأطباء شفاؤه، وأنزله السلطان من القلعة إلى الميدان على البحر، ومُرّّض هناك قريباً من أربعين يوماً.
وكان ابن المرواني متولّي القاهرة يقف في خدمته، ويُحضر له كل ما في برّا باب اللوق من المساخر وأرباب الملاهي وأصحاب الحَلَق، وهو يُنعم عليهم بالدراهم والخلع والقماش.
ونزل السلطان إليه مرات، وكان الخاصكية ينتابونه جماعة بعد جماعة، وبيبتون عنده، وتصدّق في تلك الأيام بمائة ألف درهم، وشرع في عمارة الجامع المذكور. وهو أحد الخاصكية المقرَّبين.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي السلطان، وتولّى الملك المنصور أبو بكر. فيقال: إنه الذي وشى بأمره إلى قوصون، وقال له: قد عزم على إمساكك، وجرى ما جرى على ما يذكر في موضعه في ترجمة المنصور أبي بكر.
وكان الأمير علاء الدين ألطنبغا المذكور عند المنصور أعظمَ مما كان عند والده؛ لأنه جعله مُوْدَع سرِّه.
ولما تولّى الأشرف، وماج الناس، وحضر الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري من الشام، وجرى ما جرى على ما تقدم في ترجمة ألطنبغا نائب الشام، وشغَّب المصريين على قوصون، فيقال: إن ألطنبغا المارداني كان أصل ذلك كله، ونزل إلى


صفحه 606

الأمير علاء الدين أيْدُعْمِص أمير آخور، واتفق معه على القبض على قوصون، وطلع إلى قوصون، وجعل يشاغله، ويكسّر مجاذيفه عن الحركة إلى بكرة الغد، وأحضر الأمراء الكبار المشايخ عنده، وساهره إلى أن نام، وهو الذي حطَّ يده في سيف ألطنبغا نائب الشام لما دخل القاهرة قبل الناس كلّهم. ولم يجسر أحد أن يمدَّ يده إليه.
وكان الأمير سيف الدين بهادُر التمرُتاشيَ، الآتي بذكره إن شاء الله تعالى في حرف الباء في الأول، هو آغا ألطنبغا المذكور وهو الذي خرَّجه وربّاه، ولما بَدَت منه هذه الحركات والإقدامات قويت نفسه عليه، فوقف فوق التمرتاشي فما حملها منه، وبقيت في نفسه. ولما ملك الملك الصالح إسماعيل صار الدست كلّه للتمرتاشي، فعمل على ألطنبغا المذكور، ولم يدر بنفسه إلا وقد أخرج على خمسة أرؤس من خيل البريد إلى حماة نائباً في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة فتوجّه إليها، وبقي بها نائباً مدة شهرين وأكثر إلى أن توفي أيدغمش نائب الشام، ونقل الأمير سيف الدين طُقُزْتمر من نيابة حلب إلى نيابة الشام، ورُسم للأمير علاء الدين ألطنبغا بنيابة حلب، فتوجّه إليها في أول شهر رجب من السنة المذكورة.
وجاء إلى حماة نائباً الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فأقام ألطنبغا في نيابة حلب مدة يسيرة، وتمرّض وقاسى شدة، وحضر له طبيب من القاهرة.
ولم يزل إلى أن كان القبر لجوهرته صدفاً، وراح شخصه لسهام المنايا هدفاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل صفر سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
وكان شاباً طويلاً رقيقاً، يُدير من أجفانه رحيقاً، بوجه قد حلا، ومن العيب


صفحه 607

قد خلا، وللبدر قد جلا، ألطف من مرّ النسيم، وألذّ ذوقاً من التسنيم، معشَّق الخطرة إذا خطا، متأنق الفترة إذا سطا، كريم الكفّ، حكيم الشروع واللف، حَدْسُه صائب، ونفسه بالصبر تردّ ناب النوائب، عقله أكبر من سنّه، وأمره يأتي إليه على ما يغلب في ظنه.
وكان أستاذ له يتذلل، وهو يجفو عليه ويتدلل، وبجناحه طار طاجار، وأصبح وهو دوادار، ولكن خانه الزمان، ولم يؤخذ له من الحوادث أمان: وقلت أنا لما بلغتني وفاته:
خُذ من العيش ما أتاك بتقوى ... واغتنمُه من قَبل صَرف الزمان
وتأمّل بعين فِكركَ لمّا ... مارَ داني الفنا إلى المارداني
ألطنبغا الأمير علاء الدين بُرناق - بالباء الموحدة والراء والنون والألف والقاف - الجاشنكير نائب صفد.
لما خرج أحمد الساقي وهو بصفد على الملك الناصر حسن وعصي بقلعتها رُسم لهذا الأمير علاء الدين بنيابة صفد، فوصل إليها وهو نائب عزّة - على ما تقدم في ترجمة


صفحه 608

أحمد - واستقل بالنيابة من أوائل المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها إلى أن ورد عليه المرسوم بأن يحضر إلى دمشق، ويكون مع نائبها الأمير سيف الدين أرغون الكاملي في واقعة بيبغاروس، فوصل إلى سعسع بالعسكر الصفدي، وكان نائب دمشق قد خرج منها ونزل على الكسوة، وجهز إليه طلبه، فوعده بالوصول إليه، لكنه استحوذ عليه جماعة ثنوا عزمه عن ذلك، سوَّلوا له التوجّه إلى بيبغاروس، فدخل دمشق، وشقَّها، وتوجّه إليه، واجتمع على خان لاجين، وجاء معه، ونزلوا على قبة يلبغا، وأقاموا هناك مدة أربعة وعشرين يوماً، ولما هرب بييُغا هرب ألطنبغا المذكور معه في جملة من هرب، ووصلوا إلى حلب، وحاصروا أهلها، فأسر الحلبيون منهم جماعة وفيهم ألطنبغا بُرناق وعلاء الدين ألطنبغا مُشدّ الشراب خاناه والأمير سيف الدين حاجي أخو أحمد الساقي والأمير سيف الدين أسنبغا الرسولي نائب جعبر وعز الدين مهدي مشدّ حلب، وأسن بك بن خليل الطُّرقي وبهادر الجاموس فيما أظن، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وتسلّمهم الأمير فارس الدين ألبكي أحد مقدَّمي الألوف المصريين، وأحضرهم إلى دمشق، واعتقلوا بقلعتها.
ولما كان ثالث شوال طلع السلطان الملك الصالح من القصر إلى قلعة دمشق وجلس في الطارمة، واستقبل سوق الخيل، وأحضر ألطنبغا بُرناق، وعُصر، وقرر على أمور، ثم إن الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز وسائر أمراء مصر والشام ونزلوا ووقفوا على باب خان الملك الظاهر، واستقبلوا السلطان، وقُدِّم هؤلاء السبعة المذكورون وفيهم برناق، ووسَّط الجميع، وعلّقوا على نهر بردى في ثالث


صفحه 609

شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وكان ذلك في يوم الاثنين، فسبحان الدائم الباقي بلا زوال، مقدّر الآجال.
وكان الأمير علاء الدين برناق رجلاً عاقلاً، ساكناً لا يرى قدمه إلى الشرّ ناقلاً، بعيداً من الظلم، مفيداً للأناة والحلم، لم يشكُ منه أحد من رعايا صفد.
وكان يتخوَّل بعضهم بالعطاء والصفد، وعمّر بصفد عمارة، تطل على بحر طبرية كان يستروح فيها ويصعد بمن يؤثره، ويحبُّ قُرْبَه إلى أعاليها.
وكانت له ابنة يحبها حباً زاد حَدّه، ويودّ أن يفرش لها إذا خطت دون الأرض خدّه، لا يزال قلبه بها معلَّقاً، وخدّه إذا غاب عنها بالدموع مخلّقاً، يجلس وهي في صدره، ويُعيذها من الزمان وغدره، ويجمع لها الذين يعملون الحلق تحت القلعة، ويصرف لهم لأجلها الخلعة بعد الخلعة.
ولما خرج من صفد ضمّها إلى صدره وودّعها، وكاد من الرِّقة عليها أن يخرج كبده ويقطّعها، وأذرى الدموع دماء وأجراها من الحرقة عندما فارقها عَنْدَما، وكان ذلك أخر عهدها به، ولم تشاهده والسيف قد جدَّ في تمزيق إهابه.
وقلت أنا فيه:
لا تقرَبِ الشَّرَّ إذا ما بَدا ... فهُوَ لنارِ الموتِ حَرّاقُ
فالسيف قد فرَّق ألطنبغا ... ولد يفِدْ بُرناق تِرياقُ


صفحه 610

ألطُنْبُغا علاء الدين الجاوُلي.
هو مملوك ابن باخِل. كان عند الأمير علم الدين سَنْجَر الجاوْلي دواداراً لما كان في غزة أولاً نائباً، وكان يحبّه ويدنيه ويقرِّبه، ويبالغ في الإنعام عليه، والإحسان إليه.
وكان إقطاعه عنده يعمل عشرين ألف درهم خارجاً عمّا يبرّه، ويعطيه ويأخذه هو من منفوع الدوادارية.
قال لي: امتدحت الأمين الأمير مرة بقصيدة كانت ستين بيتاً، فأمر لي لكل بيت بدينار. وقال لي: لو كانت مئة ألف كانت مئة.
أخبرني من أثق بقوله: أنه كان في إصطبله تسعة سَرْجاً زرجونيّاً.
ولما شُنِّع على الجاولي أن إقطاعات مماليكه ثلاثون ألفاً وعشرون ألفاً راكَ الأخباز، وأعطى ألطنبغا المذكور إقطاعاً دون ما كان بيده أولاً، فتركه ومضى إلى مصر بغير رضى الأمير علم الدين، فراعى الناس خاطر مخدومه ولم يجسر أحد على أن يستخدمه، فأقام في مصر مدة زمانية ينفق من حاصله، ثم حضر إلى صفد، فأقبل عليه الحاج أرقطاي نائبها إقبالاً كثيراً، وكتب له مُرَبَّعة بإقطاع، وتوجّه بها إلى


صفحه 611

مصر، فخرج عنه، فعاد وجاء إلى دمشق وامتدح الأمير سيف الدين تنكز، ومدح ناصر الدين الدوادار وناصر الدين الخزندار بقصيدة أولها:
قد أيّد الرحمنُ ملَّةَ أحمد ... بالناصريْن محمدٍ ومحمدِ
فتوسَّطا له عند مخدومهما فأعطاه إقطاعاً في حلقة دمشق، وكان أمره أحد الأسباب التي أوقعت بين تنكز والجاوليّ، وبقي ألطنبغا بدمشق مقيماً، وأُمسك الجاوْليّ، وأقام في الاعتقال مدة، ولمّا أُفرِج عنه توجّه إليه ألطنبغا وخدمه مدة، ثم إنه أخرجه إلى دمشق في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وجعله من جهته مشداً على الوقف المنصوري.
واجتمعتُ به كثيراً والقاهرة ودمشق، وبيني وبينه مكاتبات ومجاراة ومطارحات ومباراة؛ لأنه كان ينظم الدُّرّ شعراً، ويُباهي به النَّثْرة والشعْرى، قد جوَّد المقاطيع، وأبرزها كأزهار الربيع، ولكن قصائده دوَّنها في الطبقة، وبروقها ليست في سماء الإجادة مؤتلقة.
وكان يتمذهب للشافعي، وله اجتماع بالشيخ صدر الدين محمد بن الوكيل وغيره من فضلاء العصر، ويبحث جيّداً، ولم يكن عن طرائق الفضل متحيداً. وعقيدته للأشعري منسوبة وفي عداد أصحابه محسوبة.
ولما توجه معي إلى الشيخ تقي الدين بن تيميه سال ذهنه إليه، وأقبل بجملته عليه، ومال إلى قوله، ودار من حوله. ثم إنه بعد فراقه تراجع عنه إلا بقايا، وادكر غدوات قربه والعشايا.
وكان وجهاً في حسنه بديعاً، ومحيا يذر قلب ناظره صريعاً، مديد القامة، يرهي على بدر وجهه من شعره ظلامة.


صفحه 612

وكان بالكيمياء مغرى، قد أنفق فيها مالاً ودهراً. وخرج من الدنيا رحمة الله تعالى وهو يرى كفه صفراً.
وكان صحيحاً وده، منحك إخلاصه لا يرده، قل من صحبته فأنصفني مثله في الحضور والغيبة، لا أسمع منه كلمة جفاء، ولا يبلغني عنه غيبة. ولم يزل شملي به مجموعاً، وقولي عنده، كنا أمره عندي مسموعاً. إلى أن استقى على غير ظما. وصافحه في قبره الحور وملائكة السَّما.
وتوفي رحمه الله تعالى بعلة الاستسقاء في شهر ربيع الأول، ثامنه، سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
كتب إلي وقد وردت القاهرة سنة ست وثلاثين وسبع مئة:
إليكَ صلاح الدين أُهدي تحيّةً ... كنشرِ عبيرٍ في الجُيوب إذا فُضَّا
ومِن عَجَبي أنّ الديارَ قريبةٌ ... وما فُزتُ منكمْ بالوِداد الذي أرضى
فمِنْ بعدكم قلبي تألَّف بالأسى ... ومِنْ بَعْدكم لم أدْرِ نوماً ولا غَمْضا
وإني على العهد الذي تعهدونه ... مقيماً أرى حفظ الوِداد لكَم فَرْضا
وأقسمَ قلبي لا يقرُّ قرارهُ ... ولا يرعوي حتى يرى بعضنّا بعضا
فكتبتُ أنا الجواب إليه ارتجالاً:
أيا جيرةً قد عُوّدوا والإغْضَا ... وحبُّهُمُ قدْ مازَجَ الروحَ والأعْضَا
وحقّكم ما أهملَ العبدُ خِدمةً ... لكُمْ وَجَبتْ لكنّها بَعْد ذا تُقْضى
أأنسى جَميلاً منكُم قَدْ ألِفتَهُ ... وحُسْنَ وِدادٍ يُشبّه الزَّهرَ الغَضّا
ولُطفاً يحاكي نَسْمَةَ الروضِ سُحْرةً ... فإنّ لها في العاشقِ البَسْطَ والقَبْضا