ألطُنْبُغا علاء الدين الجاوُلي.
هو مملوك ابن باخِل. كان عند الأمير علم الدين سَنْجَر الجاوْلي دواداراً لما كان في غزة أولاً نائباً، وكان يحبّه ويدنيه ويقرِّبه، ويبالغ في الإنعام عليه، والإحسان إليه.
وكان إقطاعه عنده يعمل عشرين ألف درهم خارجاً عمّا يبرّه، ويعطيه ويأخذه هو من منفوع الدوادارية.
قال لي: امتدحت الأمين الأمير مرة بقصيدة كانت ستين بيتاً، فأمر لي لكل بيت بدينار. وقال لي: لو كانت مئة ألف كانت مئة.
أخبرني من أثق بقوله: أنه كان في إصطبله تسعة سَرْجاً زرجونيّاً.
ولما شُنِّع على الجاولي أن إقطاعات مماليكه ثلاثون ألفاً وعشرون ألفاً راكَ الأخباز، وأعطى ألطنبغا المذكور إقطاعاً دون ما كان بيده أولاً، فتركه ومضى إلى مصر بغير رضى الأمير علم الدين، فراعى الناس خاطر مخدومه ولم يجسر أحد على أن يستخدمه، فأقام في مصر مدة زمانية ينفق من حاصله، ثم حضر إلى صفد، فأقبل عليه الحاج أرقطاي نائبها إقبالاً كثيراً، وكتب له مُرَبَّعة بإقطاع، وتوجّه بها إلى
مصر، فخرج عنه، فعاد وجاء إلى دمشق وامتدح الأمير سيف الدين تنكز، ومدح ناصر الدين الدوادار وناصر الدين الخزندار بقصيدة أولها:
قد أيّد الرحمنُ ملَّةَ أحمد ... بالناصريْن محمدٍ ومحمدِ
فتوسَّطا له عند مخدومهما فأعطاه إقطاعاً في حلقة دمشق، وكان أمره أحد الأسباب التي أوقعت بين تنكز والجاوليّ، وبقي ألطنبغا بدمشق مقيماً، وأُمسك الجاوْليّ، وأقام في الاعتقال مدة، ولمّا أُفرِج عنه توجّه إليه ألطنبغا وخدمه مدة، ثم إنه أخرجه إلى دمشق في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وجعله من جهته مشداً على الوقف المنصوري.
واجتمعتُ به كثيراً والقاهرة ودمشق، وبيني وبينه مكاتبات ومجاراة ومطارحات ومباراة؛ لأنه كان ينظم الدُّرّ شعراً، ويُباهي به النَّثْرة والشعْرى، قد جوَّد المقاطيع، وأبرزها كأزهار الربيع، ولكن قصائده دوَّنها في الطبقة، وبروقها ليست في سماء الإجادة مؤتلقة.
وكان يتمذهب للشافعي، وله اجتماع بالشيخ صدر الدين محمد بن الوكيل وغيره من فضلاء العصر، ويبحث جيّداً، ولم يكن عن طرائق الفضل متحيداً. وعقيدته للأشعري منسوبة وفي عداد أصحابه محسوبة.
ولما توجه معي إلى الشيخ تقي الدين بن تيميه سال ذهنه إليه، وأقبل بجملته عليه، ومال إلى قوله، ودار من حوله. ثم إنه بعد فراقه تراجع عنه إلا بقايا، وادكر غدوات قربه والعشايا.
وكان وجهاً في حسنه بديعاً، ومحيا يذر قلب ناظره صريعاً، مديد القامة، يرهي على بدر وجهه من شعره ظلامة.
وكان بالكيمياء مغرى، قد أنفق فيها مالاً ودهراً. وخرج من الدنيا رحمة الله تعالى وهو يرى كفه صفراً.
وكان صحيحاً وده، منحك إخلاصه لا يرده، قل من صحبته فأنصفني مثله في الحضور والغيبة، لا أسمع منه كلمة جفاء، ولا يبلغني عنه غيبة. ولم يزل شملي به مجموعاً، وقولي عنده، كنا أمره عندي مسموعاً. إلى أن استقى على غير ظما. وصافحه في قبره الحور وملائكة السَّما.
وتوفي رحمه الله تعالى بعلة الاستسقاء في شهر ربيع الأول، ثامنه، سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
كتب إلي وقد وردت القاهرة سنة ست وثلاثين وسبع مئة:
إليكَ صلاح الدين أُهدي تحيّةً ... كنشرِ عبيرٍ في الجُيوب إذا فُضَّا
ومِن عَجَبي أنّ الديارَ قريبةٌ ... وما فُزتُ منكمْ بالوِداد الذي أرضى
فمِنْ بعدكم قلبي تألَّف بالأسى ... ومِنْ بَعْدكم لم أدْرِ نوماً ولا غَمْضا
وإني على العهد الذي تعهدونه ... مقيماً أرى حفظ الوِداد لكَم فَرْضا
وأقسمَ قلبي لا يقرُّ قرارهُ ... ولا يرعوي حتى يرى بعضنّا بعضا
فكتبتُ أنا الجواب إليه ارتجالاً:
أيا جيرةً قد عُوّدوا والإغْضَا ... وحبُّهُمُ قدْ مازَجَ الروحَ والأعْضَا
وحقّكم ما أهملَ العبدُ خِدمةً ... لكُمْ وَجَبتْ لكنّها بَعْد ذا تُقْضى
أأنسى جَميلاً منكُم قَدْ ألِفتَهُ ... وحُسْنَ وِدادٍ يُشبّه الزَّهرَ الغَضّا
ولُطفاً يحاكي نَسْمَةَ الروضِ سُحْرةً ... فإنّ لها في العاشقِ البَسْطَ والقَبْضا
وأيام لهوٍ قَدْ تقضَّتْ بقُربكم ... نُداوي بها من دَهْرنا أنفُساً مَرْضى
ألا خفّفوا مِنْ عتبكم عن محبِّكم ... فذاكَ ضعيفٌ لا يُطيق به نَهْضا
فلا بُدَّ أنْ يأتي ويذكُرَ عُذْرَهُ ... فإنْ تقبلوه رحمةً قبَّل الأرضا
وأنشدني يوماً لنفسه:
انهلّ أدمعها دُرّاً وفي فمها ... دُرٌّ وبينهما فَرْقٌ وتمثالُ
لأنّ ذا جامدٌ في الثغر منتظَم ... وذاك منتثِرٌ في الخدّ سيّالُ
فأنشدته أنا لنفسي:
غانيةً في فمها جَوهرٌ ... بمثله تبكي هوىً هائلا
فراح ذا في نظمه واقفاً ... ولاحَ ذا مع نثره سائلا
وأنشدني لنفسه أيضاً:
وسُودٍ صَيَّرتْها السودُ بيضاً ... فلا تطلُبْ من الأيام بيْضا
فبعد السود ترجو البيضَ ظلماً ... وقد سلّتْ عليها السود بيْضَا
وأنشدته أنا لنفسي:
عجبتُ لدهرٍ سرّني زمنَ الصِّبا ... وكدَّرَ عَيْشي بالمشيب انتفاضُهُ
فبيَّض عُمْري من شبابي سواده ... وسَوَّد دهري من مشيبي بياضُهُ
وكتبتُ أنا إليه من صفد وهو بدمشق أتشوّق إليه في سنة ثماني عشرة وسبع مئة من جُملة قصيدة:
بالله يا بارقاً من قاسيون بَدَت ... أعلامُه خافقاتٍ في دَياجيه
قِفْ لي بتلك الربا إن شئت تُسعفني ... وأنْشُد فؤادَ شَجٍ قَدْ عَزَّ فاديه
ونبّه الوُرْقَ والظلماءُ عاكِفةٌ ... ليلاً لتحكي نُواحي في نواحيه
وخُذ أحاديث ما ترويه من خبرٍ ... وحالُ جسمي ضنىً إن كنت تحكيه
وقُلْ قضى نحبَه العاني أسىً وجوىً ... وما قضى ما ترجّى من أمانيه
كأنما مرَّ عَيشٌ كان غانية ... تُجلى بكم ولآليها لياليه
أحبابَنا إن تمادى البُعد واتّصلت ... أيّامه واستقلّت في تراخيه
فلا تضُّنوا على المُضْنى بطيفكم ... ففيه للوَالِه المشتاقِ ما فيه
يكفيه أنْ زارهُ طيفُ الخيال ولا ... يكفيه منكم بلى والله يكفيه
فالصَّبُّ إن عاقت الأيام مطلَبهُ ... يَرضى بدون المنى أو ما يدانيه
ألطنبغا الأمير علاء الدين الخازن الشريفي، أحد الأمراء الأقدمين بالقاهرة.
لمّا كان الأمير سيف الدين أرغون الكاملي على لُدّ في واقعة بيبغاروس ورسم السُّلطان الملك الصالح صالح للأمير شهاب الدين بن صبح، نائب غزّة بنيابة صفد رسم للأمير علاء الدين ألطنبغا هذا بنيابة غزة، فحضر إليها في شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبه مئة، وأقام بها نائباً إلى أن تُوُفِّيَ يومَ الأربعاء رابع شهر رجب الفرد سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وكان ساكناً عاقلاً وادِعاً، لا شرَّ فيه، طلب لبناته راتباً في السنَة على ميناء يافا
بخمسة آلاف درهم تميزت في ضَمانها، فأُنعِم عليهنّ بذلك وما لحق التوقيع يجيء إلى دمشق ويُعلِّم عليه نائب الشام ويجهّزه إلى أن مات رحمه الله تعالى.
ألطنقش الأمير سيف الدين الجَمالي أستاذ الدار.
كان من مماليك الأفرم، ولما توجّه أستاذه إلى بلاد التتار وحضر هو إلى مصر حبسَه السُّلطان الملك الناصر، ثم إنه أخرجه وأمَّره فيما بعد طبلخاناه، ثم جعله أستاذ دار صغيراً وأضاف إليه فيما بعد أستاذ داريّة ابنه آنوك، وأقاك كذلك إلى أن توفي آنوك وتوفي السلطان.
ثم توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في سادس عشري شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
وكان جيداً مشكوراً، وهو خال الأمير صلاح الدين أيدُغْدِي الحاجب بالشام وأخَويه.
أَلِلْمِش بفتح الهمزة، وكسر اللام الأولى، وسكون اللام الثانية، وكسر الميم وبعدها شين معجمة.
الأمير سيف الدين الحاجب، كان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - قد جهّزه إلى جَعْبَر نائباً، ثم إنه كتب فيه وجعله أمير حاجب، فكان حاجباً كبيراً في آخر أيام تنكز، وأمسِك وهو أمير حاجب.
كان حسن الشكل ذا مَهابة، سديد الرأي كثير الإصابة، مُدَوَّر الوجه حُلْواً، مملوءاً من العقل، ومن الكِبْر خِلْواً، فيه سُكون ووقار، وحشمة يشكو الناس منها الافتقار.
ولم يزل على حاله في وظيفته إلى أن حَصَلَ له استسقاء أظمأه إلى الحياه، وأماته بحسرة نظر المياه. وقد كان توجّه إلى حولة بانياس فمات رحمه الله تعالى هناك وحُمِل إلى دمشق وصُلّي عليه في يوم الأربعاء عُشْري ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبع مئة.
أَلْماس بفتح الهمزة، وسكون اللام، وبَعْدَ الميم ألف وسين مهملة، الأمير سيف الدين أمير حاجب الناصري.
كان من أكبر مماليك أستاذه، ولمّا أُخرج الأمير سيف الدين أرغون الدوادار إلى
نيابة حلب - على ما تقدم في ترجمته - وبقي منصب النيابة فارغاً منه عظمت منزلة ألماس، وصار هو في منزلة النيابة، خلا أنه ما يسمّى نائباً، يركب الأمراء كبار والصغار، وينزلون في خدمته، ويجلس في باب القلّة في منزلة النائب، والحُجّابُ وقوفٌ بين يديه. ولم يزل مقدّماً معظماً إلى أن توجه السلطان إلى الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، فتركه في القَلْعة هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، والأمير سيف الدين أقْبُغا عبد الواحد والأمير سيف الدين طَشْتُمُر حِمّص آخْضَر، هؤلاء الأربعة لا غير، وبقية الأمراء إما معه في الحجاز وإما أنهم في إقطاعاتهم، وأمرَهم أن لا يدخلوا القاهرة حتى يحضر من الحجاز.
ولمّا حضر من الحجاز نقم عليه أمَراً ما صبر عليه، فأمسَكه إمّا في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وإما في أواخر سنة ثلاث وثلاثين، الصحيح أنه في عشر ذي الحجة سنة ثلاث وسبع مئة وأودعه في الاعتقال في بيت أقبغا عبد الواحد، وبقي ثلاثة أيام، ودخل في العَدم، وتخضّب السيفُ منه بدَم.
وأما أخوه الأمير سيف الدين قَرا فإنه قُتل بالسيف لوقته صَبْرَا، فأُخذت أموالُ ألْماس وجميع مَوجوده وموجود أقاربه، وأُخرج أقاربه إلى الشام وفُرِّقوا.
يقال إن السلطان لما مات بَكْتُمر في طريق الحجاز - على ما يأتي ذِكرُهُ إن شاء الله تعالى - احتاط على موجوده، وكان في جُمله ذلك حَرَمْدان، فأخذه السلطان