بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 617

نيابة حلب - على ما تقدم في ترجمته - وبقي منصب النيابة فارغاً منه عظمت منزلة ألماس، وصار هو في منزلة النيابة، خلا أنه ما يسمّى نائباً، يركب الأمراء كبار والصغار، وينزلون في خدمته، ويجلس في باب القلّة في منزلة النائب، والحُجّابُ وقوفٌ بين يديه. ولم يزل مقدّماً معظماً إلى أن توجه السلطان إلى الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، فتركه في القَلْعة هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، والأمير سيف الدين أقْبُغا عبد الواحد والأمير سيف الدين طَشْتُمُر حِمّص آخْضَر، هؤلاء الأربعة لا غير، وبقية الأمراء إما معه في الحجاز وإما أنهم في إقطاعاتهم، وأمرَهم أن لا يدخلوا القاهرة حتى يحضر من الحجاز.
ولمّا حضر من الحجاز نقم عليه أمَراً ما صبر عليه، فأمسَكه إمّا في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وإما في أواخر سنة ثلاث وثلاثين، الصحيح أنه في عشر ذي الحجة سنة ثلاث وسبع مئة وأودعه في الاعتقال في بيت أقبغا عبد الواحد، وبقي ثلاثة أيام، ودخل في العَدم، وتخضّب السيفُ منه بدَم.
وأما أخوه الأمير سيف الدين قَرا فإنه قُتل بالسيف لوقته صَبْرَا، فأُخذت أموالُ ألْماس وجميع مَوجوده وموجود أقاربه، وأُخرج أقاربه إلى الشام وفُرِّقوا.
يقال إن السلطان لما مات بَكْتُمر في طريق الحجاز - على ما يأتي ذِكرُهُ إن شاء الله تعالى - احتاط على موجوده، وكان في جُمله ذلك حَرَمْدان، فأخذه السلطان


صفحه 618

وأوْدَعَه لبعض الجمدارية، ثم لمّا وصل قلعة الجبل واطمأنّ ذكره السلطان فأحضره فوجد مما فيه جَواب الأمير سيف الدين ألماس إلى الأمير سيف الدين بَكْتُمُر الساقي، وفيه: إنني حافظ القلعة إلى أن يَرِدَ عليَّ مِنك ما أعتمده، فكان ذلك سَببَ قَتله، والله أعلم.
وكان ألماس آسْمَرَ طُوالاً من الرجال، فيه ثبات الشيوخ وخِفّة الشباب العِجال غُتْميّاً لا يفهم شيئاً بالعربي، ساذَجاً يجلس في بيته فوق لُبّاد على ما اعتاد ورَبي. وكان أوّلاً يباري السحاب بكرمه، ويؤوي الناس إلى حَرَمه، ولكنه فهم عن السلطان أن ذلك ما يعجبه ولا يراه، فيقول به ويوجبه، فتظاهر بعد ذلك بالخِسّة، وكابَرَ فيه حِسَّه، إلى أن شاع ذاك وذاع، وملأ به المُدُن والبقاع. إلا أنه كان يَعْمِر المِلْك بخمسة عشر ألف درهم وأكثر، ويهبْه لبعض مماليكه، وهو الذي عمّر الجامع المليح الذي بظاهر القاهرة في الشارع عند حَدَرة البقر، وفيه رخام مليح فائق، وعمّر إلى جانبه هناك قاعة تأنّق فيها، وكان الرخام يُحمل إليه من جزائر البحر وبلاد الروم ومن الشام، ومن كل مكان، ولمّا أُمسِك وجدوا له أموالاً تُكاثر النجوم في الليلة الداجنة البهيمة.
أَلْمِلِك
بفتح الهمزة، وسكون اللام، وفتح الميم، وكَسْر اللام الثانية وبعدها كاف.
الأمير سيف الدين الحاج من كبار الأمراء المشايخ رُؤوس مشايخ المشور في أيام السلطان الملك الناصر، تردّد في الرُّسْلِيّة بين الملك المظفر وبين الملك الناصر وهو في


صفحه 619

الكرك، فأعجبه عقله وتأتّيه، وسيّر إليهم يقول: لا يعود يجيء إليّ رسولاً غَيْرُ هذا، فلما قدم مصر عظَّمه.
ولم يزل مُوقراً مُبجَّلاً، عمّر بالحُسينية جامعاً مليحاً إلى الغاية، وله دار عظمى مليحة عند مشهد الحُسين - رضي الله عنه - داخل القاهرة، ومسجدٌ حَسَنٌ إلى جانبها.
خرّج له شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي مَشْيَخة، وقرئت عليه مرّاتٍ وهو جالس في شبّاك النيابة بقلعة الجبل.
ولما تولى الملك الناصر أحمد أخْرَجه إلى نيابة حماة، فحضر إليها وأقام بها إلى أن تولّى الملك الصالح إسماعيل، فأقدمه إلى مصر وأقام بها على حاله الأولى.
ولما أُمسك آقسُنقر السَّلاّري - نائب مصر المقدَّم ذِكره - ولاّه النيابة مكانه، فشدّدَ في الخمر إلى الغاية، وحدّ الناس عليها وجنّاهم، وهَدَم خزانة البُنود، وأراق خُمورها وبناها مَسْجِداً وحَكرها للناس فعمّروها دوراً، وأَمْسَك الزمام زَماناً، وكان يجلسُ للحكم في الشبّاك طولَ نهاره لا يَمَلّ من ذلك ولا يسأم، ويَروح أصحابُ الوظائف ولا يبقى عنده إلا النقباء البطّالة.
وكان له في قلوب الناس مهابةٌ وحُرْمَةٌ، إلى أن تولّى السلطان الملك الكامل شعبان فأخرجه أوّل سلطنته إلى دمشق نائباً عِوَضاً عن الأمير سيف الدين طُقُزْتُمر، فلما كان في أول الطريق حَضَر إليه مَنْ قال له: الشام بلا نائب، فسُق لتلحقه.


صفحه 620

فخفَّف من جماعته وساق في جماعة قليلة، فحضر إليه مَنْ أخذه وتوجّه به إلى صفد نائباً، فدخلها في أواخر شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبع مئة. ثم إنه باطن الأمير سيف الدين تماري نائب طرابلس على الهروب أو الخروج على السلطان أُرْجَف الناسُ على السلطان، فحضر مِنْ مصر مَنْ كَشَف الأمر، وسأل هو التوجُّه إلى مصر فرُسِم له بذلك، فتوجّه. فلما وصل غزة أمسكه نائبها الأمير سيف الدين أراق، وجُهّز إلى الإسكندرية في أواخر سنة ست وأربعين وسبع مئة، وكان ذلك آخر العهد به.
وكان خيّراً فيه دينٌ، وعبادة نورها على الجبين، يميل إلى أهل الخير والصلاح، ويتخذ من أدعيتهم السلاح، وكان بَرْكُه مَنْ أحسن ما يكون، وخَيْله تكاد إذا جَرَت ترمي الرياح بالسُّكون، وكان يقول: كل أميرٍ لا يقيمُ رُمحه ويسكب الذهب إلى أن يُساوي السّنان ما هو أمير.
وقلت أنا فيه:
ألَمْلكُ الحاجُّ غدا سعدُهُ ... يملأ ظَهْرَ الأرض مهما سَلكْ
فالأُمرا مِن دونه سوقة ... والملك الظاهر لي اَلْمَلكُ


صفحه 621

ألْناق الأمير سيف الدين الناصري، كان أميراً من جملة أمراء دمشق يسكن بقرب مسجد الصفيّ بالعُقيْبة.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد منتصف صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
أميران الأمير الشيخ عزّ الدين، مِنْ بيت الشيخ عَدِيّ بن مُسافر.
ورد إلى بلاد الشام فأكْرمت الدولة الناصريّة نُزُلَهُ وعظَّمَتْ مثواه، وأُعطى بدمشق، إمْرةً، فأقام بها مُدّة، ثم أقام بصفد مدة، ثم عاد إلى دمشق وتَرَك الإمرة وآثر الانقطاع، وأقام بالمِزّة، وكانت الأكراد، تأتيه من كل قُطْر، وتَفِدُ عليه مِنْ كلّ فَجٍّ بصفايا أموالها ونفائس ما عِندها تقرُّباً إليه. ثم إن الأكراد المشارقة أرادوا الخروجَ على السلطان، وباعوا أموالهم بالهوان، واشتَرَوا بها أسلحة وخَيْلاً، ووعدوا رجالاً ممن تَبِعَهُم بالنيابات الكبار، وكان هو قد نول بأرض اللَّجُون مِنْ مَرْج بني عامر بصفد، وبلغ السلطان الملك الناصر أنهم لو يُؤْذوا أحداً في نفسٍ ولا مالٍ، فكتب إلى الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - بكشف أحوالهم، وأَمسَك السلطان مَنْ كان بالزاوية العَدويّة بالقَرافة منهم، ودَرَّك على أمير طبر، واختلفت الأخبار عنهم، فقيل: إنهم يُريدون سَلطنة مصر، وقيل: بل يريدون مُلْك اليمن. وقلق السلطان من أمرهم وأهمّه ذلك، فتقدم الأمير سيف الدين تنكز بإحضار الأمير عز الدين


صفحه 622

أميرَان المذكور، فأُمسِك وأُحضر إليه، فقال له: أيْش هذا الذي يفعله هؤلاء الأكراد؟ فقال: يا خوند هذا شيء تخيّلوه في نفوسهم، فقال له: لأي شيء ما تمْنَعُهم من هذا؟ فقال: يا خوند، هؤلاء يسجدون لي ولغيري من أهل بيتنا، لو قلتُ لهم ما عسى أن أقوله ما يسمعونه، ولكن يا خوند حُطني في هذه القلعة وقد تفلَّل جَمعهم، فعلم تنكز أن الذي يقوله حق، فطلع بع إلى القلعة، وطالع السلطان بأمره فانفلّ أمرهم وتفرقوا شَذَر مذَر، وتمزّقوا أيدي سَبَأ، وكان الأكراد يجيؤون بعد ذلك إلى البُرج الذي فيه الأمير عز الدين ويسجدون له.
ولم يكن لهم بلاغٌ ولا معاش، إلا أنهم يَجلبون المُحمّضات من الأُتُرجّ والليمون والكَبّاد، وغير ذلك من بانياس والأغوار، وأقصاب السكر على ظهورهم، ويَبيعون ذلك بدمشق، فرخُصَ هذا كلّه بدمشق في تلك المدة.
وكان طلبه وحبسُه في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
وكان الأمير عز الدين المذكور من أحسن الأشكال وأتمِّها، وأصبحِ الوجوه وأحلاها.
أمير كاتب ابن أمير عُمَر العميد بن العميد أمير غازي، الشيخ الإمام العلاّمة قوام الدين أبو حنيفة الفارابي الأتْقاني - بهمزة مفتوحة وتاءٍ ثالثة الحروف ساكنة وقافٍ بعدها ألفٌ ونون - الحنفي.


صفحه 623

كان قيّماً بمذهب أبي حنيفة شديد التعصّب على الشافعية، متظاهراً بالغَضّ منهم وبالطعن عليهم، يوَدُّ لو حكم فيهم أو حُكّم في تَلافِهم دون تلافيهم، لا تأخذه فيهم لومة لائم، ويتمنى لو ناحت على مدارسهم الحمائم، واجتهد في ذلك بالشام وما أفاد ودخل مِصْر وهو مصرٌّ على ما عنده من العناد، وعمل على قَذْفهم وقَلْعهم بالقَلْع والمِقذاف وطاف عليهم بكؤوس خمرٍ خَمَرها بالسُّم وداف، فكفاهم الله محذوره، وجهل الله واقعتهم معه على مرّ الأيام مأثوره، وبدّل بغيظه فيهم سُروره، وعكس ما دبّره فيهم، " والله متمٌّ نورَه ".
وكان شديد الإعجاب بنفسه، يجيء بالتعظيم من حَسّه وبَسّه، يظن أن إمامه رضي الله عنه لو رآه لجعله أمامه، وأنّ أبا يوسف كان يتأسف إذا سمع كلامه، وأنّ زفر له زفرات على لُقِيّه وأن محمد بن الحسن ما يُحسن الوصول إلى رُقيِّه، إلا أنه شرح الأخْسِيكَثي وعُمْرُه دون الثلاثين شرحاً جيداً يُثني عليه فقهاء مذهبه ويُعظّمونه، وكان عارفاً بالعربية واللغة، قال في آخر شرح الأخسِيكثي إنه فرغ منه بتُسْتَر سنة ست عشرة وسبع مئة، وقال قبل هذا: فلو كان الأسلاف في حياةٍ لقال أبو حنيفة: اجتهدتَ، ولقال أبو يوسف: نارَ البيان أوقدت، ولقال محمد: أحسنت، ولقال زفر: أتقنّت، ولقال الحسن: أمعَنْت، ولقال أبو حفص: أنعمت فيما نظرت،


صفحه 624

ولقال أبو منصور: حققت، ولقال الطحاوي: صدقت، ولقال الكرخيّ: بورك فيما نطقت، ولقال الجصّاص: أحكمت. ولقال القاضي أبو زيد: أصبت. ولقال شمس الأئمة: وجَدت ما طَلَبْت، ولقال فخر الإسلام: مهرت، ولقال نجم الدين النَّسفيّ: بهرت. ولقال صاحب الهداية: يا غوّاصُّ، البحر عَبَرتْ، ولقال صاحبُ المحيط: فقت فيما أعلنت وأسررت: إلى غير ذلك من كبرائنا الذين لا يحصى عددهم. ولقال المتنبي: أنتَ من فصحاء عبارتهم:
مسكيّة النفحات إلاّ أنها ... وحشيّة بسواهم لا تَعبَقُ
ثم ما قاله.
ولم يزل القوام إلى أنْ مال عليه الحَيْن بكَلكِله، وأصبح الأتقاني وقد تهدّم من الحفر منزله.
وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى يوم السبت حادي عُشري شوّال سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
وكان لمّا قَدِم دمشق اجتمع بنائبها الأمير سيف الدين يَلبُغا - رحمه الله تعالى - وداخَله واختصَّ به وذكر له مَسْألة رفع اليدين في الصلاة، وادّعى بظلام الصلاة، فقام في دفاعه قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى - وهّى ما قاله وأفسده، واستدل على بطلان دعواه، فرجع الأمير سيف الدين يلبُغا بعد ما كان قد شُرِّبت أعضاؤه ذلك، ثم إنه طُلب إلى مصر وراح، فراج عند الأمير سيف الدين صرغتمش وعظّمه، وبنى له مدرسته بالقاهرة، وولاّه تدريسها، وكان قد قام في