أميرَان المذكور، فأُمسِك وأُحضر إليه، فقال له: أيْش هذا الذي يفعله هؤلاء الأكراد؟ فقال: يا خوند هذا شيء تخيّلوه في نفوسهم، فقال له: لأي شيء ما تمْنَعُهم من هذا؟ فقال: يا خوند، هؤلاء يسجدون لي ولغيري من أهل بيتنا، لو قلتُ لهم ما عسى أن أقوله ما يسمعونه، ولكن يا خوند حُطني في هذه القلعة وقد تفلَّل جَمعهم، فعلم تنكز أن الذي يقوله حق، فطلع بع إلى القلعة، وطالع السلطان بأمره فانفلّ أمرهم وتفرقوا شَذَر مذَر، وتمزّقوا أيدي سَبَأ، وكان الأكراد يجيؤون بعد ذلك إلى البُرج الذي فيه الأمير عز الدين ويسجدون له.
ولم يكن لهم بلاغٌ ولا معاش، إلا أنهم يَجلبون المُحمّضات من الأُتُرجّ والليمون والكَبّاد، وغير ذلك من بانياس والأغوار، وأقصاب السكر على ظهورهم، ويَبيعون ذلك بدمشق، فرخُصَ هذا كلّه بدمشق في تلك المدة.
وكان طلبه وحبسُه في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
وكان الأمير عز الدين المذكور من أحسن الأشكال وأتمِّها، وأصبحِ الوجوه وأحلاها.
أمير كاتب ابن أمير عُمَر العميد بن العميد أمير غازي، الشيخ الإمام العلاّمة قوام الدين أبو حنيفة الفارابي الأتْقاني - بهمزة مفتوحة وتاءٍ ثالثة الحروف ساكنة وقافٍ بعدها ألفٌ ونون - الحنفي.
كان قيّماً بمذهب أبي حنيفة شديد التعصّب على الشافعية، متظاهراً بالغَضّ منهم وبالطعن عليهم، يوَدُّ لو حكم فيهم أو حُكّم في تَلافِهم دون تلافيهم، لا تأخذه فيهم لومة لائم، ويتمنى لو ناحت على مدارسهم الحمائم، واجتهد في ذلك بالشام وما أفاد ودخل مِصْر وهو مصرٌّ على ما عنده من العناد، وعمل على قَذْفهم وقَلْعهم بالقَلْع والمِقذاف وطاف عليهم بكؤوس خمرٍ خَمَرها بالسُّم وداف، فكفاهم الله محذوره، وجهل الله واقعتهم معه على مرّ الأيام مأثوره، وبدّل بغيظه فيهم سُروره، وعكس ما دبّره فيهم، " والله متمٌّ نورَه ".
وكان شديد الإعجاب بنفسه، يجيء بالتعظيم من حَسّه وبَسّه، يظن أن إمامه رضي الله عنه لو رآه لجعله أمامه، وأنّ أبا يوسف كان يتأسف إذا سمع كلامه، وأنّ زفر له زفرات على لُقِيّه وأن محمد بن الحسن ما يُحسن الوصول إلى رُقيِّه، إلا أنه شرح الأخْسِيكَثي وعُمْرُه دون الثلاثين شرحاً جيداً يُثني عليه فقهاء مذهبه ويُعظّمونه، وكان عارفاً بالعربية واللغة، قال في آخر شرح الأخسِيكثي إنه فرغ منه بتُسْتَر سنة ست عشرة وسبع مئة، وقال قبل هذا: فلو كان الأسلاف في حياةٍ لقال أبو حنيفة: اجتهدتَ، ولقال أبو يوسف: نارَ البيان أوقدت، ولقال محمد: أحسنت، ولقال زفر: أتقنّت، ولقال الحسن: أمعَنْت، ولقال أبو حفص: أنعمت فيما نظرت،
ولقال أبو منصور: حققت، ولقال الطحاوي: صدقت، ولقال الكرخيّ: بورك فيما نطقت، ولقال الجصّاص: أحكمت. ولقال القاضي أبو زيد: أصبت. ولقال شمس الأئمة: وجَدت ما طَلَبْت، ولقال فخر الإسلام: مهرت، ولقال نجم الدين النَّسفيّ: بهرت. ولقال صاحب الهداية: يا غوّاصُّ، البحر عَبَرتْ، ولقال صاحبُ المحيط: فقت فيما أعلنت وأسررت: إلى غير ذلك من كبرائنا الذين لا يحصى عددهم. ولقال المتنبي: أنتَ من فصحاء عبارتهم:
مسكيّة النفحات إلاّ أنها ... وحشيّة بسواهم لا تَعبَقُ
ثم ما قاله.
ولم يزل القوام إلى أنْ مال عليه الحَيْن بكَلكِله، وأصبح الأتقاني وقد تهدّم من الحفر منزله.
وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى يوم السبت حادي عُشري شوّال سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
وكان لمّا قَدِم دمشق اجتمع بنائبها الأمير سيف الدين يَلبُغا - رحمه الله تعالى - وداخَله واختصَّ به وذكر له مَسْألة رفع اليدين في الصلاة، وادّعى بظلام الصلاة، فقام في دفاعه قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى - وهّى ما قاله وأفسده، واستدل على بطلان دعواه، فرجع الأمير سيف الدين يلبُغا بعد ما كان قد شُرِّبت أعضاؤه ذلك، ثم إنه طُلب إلى مصر وراح، فراج عند الأمير سيف الدين صرغتمش وعظّمه، وبنى له مدرسته بالقاهرة، وولاّه تدريسها، وكان قد قام في
أيام الملك الصالح على الشافعية، وسعى في إبطال المذهب من رأس، وكاد ذلك يتم، إلا أن الله تعالى أعان بلطفه، ومَنّ بإخماد ناره.
وأخبرني من أثق أنه كان يأكل في كل يوم أوقيّة فُوم، وكان يأكل من الزنجبيل شيئاً كثيراً إلى الغاية.
ونقلتُ من خطّه ما صورتُه: تاريخ قدومنا دمشق في الكرّة الثانية في العاشر من شهر رجب سبع وأربعين وسبع مئة، ثم لبثنا ثمّة إلى أن خرجنا منها في ثامن صفر يوم السبت من سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وقدمنا مصر يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، قال العبد الفقير إلى الله تعالى أمير كاتب بن أمير عمر المدعوّ بقوام الفارابي الأتقاني: كان تاريخ ولادتي بَأَتْقان ليلة السبت التاسع عشر من شوال سنة خمس وثمانين وستّ مئة، وفاراب مدينة عظيمة من مدائن الترك تسمى بلسان العوام: أوتراد، وأتقان اسمٌ لقصبة من قصَباتها، هذا ما أنشأ في أيام دولة السلطان مالك رقاب الأمم مولى مُلوك العرب والعجم قاهر الكفرة والمشركين، ناصر الإسلام والمسلمين، سلطان ابن السلطان ابن السلطان الملك الناصر بن الناصر ابن الملك المنصور حسن بن محمد بن قلاوون، خلّد الله ملكه ونوّر مرقد آبائه السلاطين في مدح المقَرّ العالي المجاهد المؤيّد المظفّر ذي اليُمن والبركات، والخير والمبرّات، فريد الدهر وحيد العصر سيف الدين سُيرغتمش أدامه الله في عافيةٍ وافية حين تمّ بناء مدرسته المخصوصة بالحنفية بالقاهرة المعزيّة في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وسبع مئة، وكان ابتداء العِمارة في خامس رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة، الضعيف أبو حنيفة قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر العميد بن العميد أمير غازي الفارابي الأَتقاني يوم أُجلِسَ فيها مدرِّساً بحضور القضاة الأربعة وجميع أمراء
الدولة مثل المقرّ العالي شيخو، وحاجب الحجاب طشتمر القاسِمي. وتوقاي الدوادار وغيرهم في الساعة الثالثة من يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الأولى من السنة المذكورة، والقمر في السُّنبلة، والزهرة في الأوج، وكان تثليث المشتري والقمر:
أرأيتم مَنْ دَرَأ النُّوَبَا ... وأتى قُرَباً ونفى رِيَبا
فبدا عَلَماً وسَما كَرَماً ... ونَما قدَماً ولقد غَلَبا
بتُقى وهُدى ونَدى وَجَدا ... فغدا وشَدا وجَبى وحَبا
أبدى سَنَناً أحيا سُنناً ... حلّى زمناً عند الأُرَبَا
هذاك سُيرغتْمشْ سَكَبت ... أيامُ أماراته السُّحُبا
وأزال الجَدْبَ إلى خَصْبٍ ... والضَّنْكَ إلى رَغَدٍ قَلَبا
بإعانةِ جبّارٍ بَرٍّ ... ذي العرش وقد بذل النَّشَبا
ملك فَطنٌ ركن لسنٌ ... حَسَن بَسَنٌ ربّى الأدبا
ملكُ الكبرا ملكُ الأمرا ... ملكُ العُلما ملكُ الأُدبا
بحرٌ طامٍ طَوْدٌ سامٍ ... غَيثٌ هامٍ حامي الغُرَبا
بسياسته وحَماستِهِ ... وسَماحته جَلّى الكُرَبَا
وصيانته وديانته ... وأمانته حاز الرُّتبا
أبهى أصلاً أسنى نَسْلاً ... أحظى خَصْلاً بذّ العربا
نِعمَ المأوى مصرٌ لمّا ... شَملت قَوْماً قيلاً نُجُبا
فنَمت نَوْراً وسَمت نُوراً ... وعَلَت دوراً وأرت طَرَبا
نسقَت دوراً زسقت درراً ... ووعَت غُرَراً وحَوت أرَبا
وخْطَاء به افتخرت ونَمَت ... وسَمَت وزَرَت وحوت أدبا
خّذْ دُرّ ثنا ثم اجْنِ جنى ... منها ومُنىً فتعي طلبا
من كان عَنَى نَسبي علناً ... فارابُ لنا نِعْمتَ نَسَبا
كنوُّنِ أباً لحنيفة ثُمْ ... مَ قوام الدين بَدا لَقَبا
عِش في رجبٍ تَرَ مِنْ عجبٍ ... من منتجب عجباً عَجَبا
وأعطاني المقرّ العالي سُيرغتمش أيّده الله جائزة هذه القصيدة يوم أنشدتها عشرة آلاف درهم، ومَلأ يوم الدرس بِرْكة المدرسة بالسُّكّر وماءٍ وماء الليمون فسقى بذلك الناسَ أجمعين، وخلَع عليّ بعد الدرس خلعتين إحداهما فروُ السنجاب، ظَهارته صًوف أبيض وكفْتُه قندز، والأخرى فرجيّ من صُوف زيتي، وخلع على ابني هُمَام الدين أيضاً، ثم لمّا خرجتُ من المدرسة حملني على بغلةٍ شهباء مشتراها ثلاثة آلاف درهم من السَّرج المُفَصَّص واللجام، كان اليوم يوماً يؤرخ، فيا لها قصّةً في شرجها طُول.
تمّ ما نقلتُه من خطه رحمه الله تعالى، وتوفي في التاريخ المذكور، وما أفاده الطالع الذي تخيَّره لجلوس الدرس شيئاً، بل كانت المدّة ستة عشر شهراً.
الألقاب والأنساب
أمين الملك الصاحب أمين الدين: عبد الله ابن تاج الرئاسة.
الصاحب تاج الدين بن أمين الدين، المقدم ذكره: أحمد بن عبد الله.
أمين الدين ناظر الجيش كاتب طشتمر: إبراهيم بن يوسف.
إما المقام: إبراهيم بن محمد بن إمام المشهد المحتسب محمد بن علي.
الأمِلي
عبد الكريم.
ابن الأميوطي قاضي الكرك: محمد بن أحمد أمير سلاح بكتاش.
الأمشاطي الأديب: أحمد بن عثمان.
أنَّاق الأمير سيف الدين الناصري، أحد الأمراء بالديار المصرية، تزوج ابنة الأمير سيف الدين أرغون النائب.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشري شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وكانت زوجته قد توفيت قَبلهُ بشهر واحد.
الألقاب والأنساب
ابن الأنباري شيخ المُستنصرية ببغداد: عبد الله بن أبي السعادات.
الأنْدَرَشي أبو العباس: أحمد بن سَعدٍ النحوي.
أنَسُ بن كتبغا الملك المجاهد ابن السلطان الملك العادل كتبغا المنصوري.
كان مليح الشكْل شجاعاً، بطلاً في الحروب نَفّاعاً، عليه مهابة ووقار، وله جلالة الملك مع بعض افتقار. كان السلطان الملك الناصر يحبّه ويعظّمه ويُجلّه
ويُقدّمه، وإذا حضر إليه قام له ورحّب به، والبِشْر قابله وآخذ بيده وأجلسه إلى جانبه، وربما قدّم له بعض مراكبه، إلا أنه كان قد عَمِيَ، وبرد حظه بعدما حَمي.
ولم يزل على حاله إلى أن ابتلعه الجَدَث، وأخذه ما قَدُمَ وما حَدَث.
ونوفي رحمه الله تعالى في شهر المحرّم سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة وقد تجاوز الخمسين، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بالقرافة في تربتهم.
أَنَص بفتح الهمزة والنون وبعدها صاد مهملة. الأمير سيف الدين النائب بثغر بَهَسْنى.
لمّا توجّه الأمير بدر الدين أمير مسعود بن الخطير إلى نيابة طرابلس في نوبة الأمير سيف الدين يلبُغا اليَحيَوي رُسم للأمير سيف الدين أنَص بنيابة غزة مكانه، وحضر إليه مَنْ أخَذَه من بَهَسنى وتوجّه به إلى غزة، ثم إنه طُلب عُقيب ذلك إلى مصر في جمادى الأولى والآخرة وشهر رجب سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، فأقام قليلاً وجلس في جُملة أمراء المَشْوَر، ثم عاد إلى غزة مَقُدَّم عسكر، على عادة نوّابها.
ثم إنه رُسم له بالتوجّه إلى قلعة الروم نائباً في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين، فتوجّه إليها وأقام بها إلى أن سكنت حركته وذهبت من عمره بركتُه.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء ثاني ذي الحجة سنة خمسين وسبع مئة.