أخوه - قال: كنت ليلة أنا وهو نائمين في الفراش وإذا به قال: أرقطاي لا تتحرك، معنا عَقْرب، ولم يزل يُهِمهم بشفتيه، وقال: فقُمْنا فوجدنا العقرب قد ماتت، وكان يعرف رُقىً كثيرة منها ما يقوله على العقرب وهي سارحة فتموت، ومنها رُقيّة لوجع الرأس. وكان مُغرىً بلعب النَّرد.
أخرجه السلطان إلى صفد نائباً عن الحاج أرقطاي في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، فتوجّه إليها وأحسن إلى أهلها، ووقع بينه وبين الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام.
ولم يزل فيها على حاله إلى أن عُطلت حواسُّه، وبَطلت أنفاسُه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة سبع وثلاثين وسبع مئة - فيما أظن - ودفن في تربة الحاج أرقطاي، جوار الجامع الظاهري بصفد.
وكان مشهوراً بالخير، والسكون الذي لا يرتاع معه الطير، صاحباً لصاحبه في السرّاء والضرّاء، مالكاً قلْب مَنْ يعرفه بخلائقه الزَّهراء، ولكنه كان يُنكَّد عيشُه ويثارُ طيشُه بوَجَعٍ المفاصل الذي يعتريه، وتَطول مدته حتى يقول:
آلا موتٌ يباع فأشتريه....................
وهو الذي توجّه إلى دمرتاش وأحضره من البلاد الروميّة، على ما سيأتي في ترجمته.
الأوحَد بن الزاهر: شادي، وولده الأمير صلاح الدين يوسف، وولده علي بن يوسف.
أَوْران بفتح الهمزة، وسكون الواو، وبعدها راء وألفٌ ونون، سيف الدين الحاجب بدمشق.
أنشَأه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، ثم إن الأمير سيف الدين تَنْكز أحبّه وقَرَّبه وأعطاه وإمرَةَ طبلخاناه، وجعله حاجباً بدمشق. ولم يزل عنده مكيناً إلى أن جَرى له مع قَطْلُوبغا الفخري - على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمة الفخري - فانحرف عنه وأبغضه وأبعده.
ولم يزل على ذلك إلى أن أطفأ الله مصباحه، ولم يطلع للحياة صباحه.
وتوفي رحمه الله تعالى - فيما أظنّ - سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
وكان قد لبس للإمرة في سنة ست وعشرين وسبع مئة، وتوجّه إلى ولاية الولاة بالقبليّة.
أَوْران الأمير سيف الدين السلاح دار، أحد مقدّمي الأُلوف بدمشق.
ولم يزل على حاله إلى أن ضمّت أورمُ الأرض أَوْران، ولم يعد لمائه في الحياة فَوَران.
وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون دمشق، في شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
أُوْلاجا بضمّ الهمزة، وسكون الواو، وبعدها لام ألف وجيم وبعدها ألف: الأمير سيف الدين.
كان هو وأخوه الأمير زين الدين قَراجا في أيام الملك الصالح إسماعيل حاجبَيْن بمصر، والنائب شمس الدين آقْسُنقر السَّلاّري المقدم ذكره، والأمير سيف الدين بَيْغَرا الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف الباء، فوُشي بهم إلى السلطان، ونُسبوا إلى أنهم في الباطن مع الناصر أحمد، وربما أنهم يكاتبونه، فأُمْسِكوا جميعاً في أول سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وقضى الله أمره في النائب، وبقي البقيّة، فشفع فيهم الأمير طُقُزتمر نائب الشام، فأُفرِج عنهم في شهر رجب الفرد سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وتُرك الأمير سيف الدين، وجُهّز أُوْلاجا وأخوه إلى دمشق، فأقاما بها بطّالين إلى أن توفي الملك الصالح رحمه الله تعالى، وتولى المُلك الكامل شعبان، فأُعطي أولاجا طبلخاناه، وجُهّز إلى حمص نائباً، فأقام بها مدة، ثم نُقِل إلى نيابة غَزّة، وفي تلك الأيام بَرَّز يَلْبُغا اليحيوي نائبُ الشام إلى الجسُورة، وخرج على الكامل وحضر إليه نائبُ حمص ونائب حماه، ونائب طرابلس ونائب صفد، والأمير سيف الدين أولاجا طَلَبَهُ فلم يحضر إليه، وأقام في غزة إلى أن خُلع الكامل ووُلّي المظفر حاجّي فرُسم لأولاجا بالعَوْد إلى حمص نائباً، فأقام بها.
ولمّا خرج يلبغا ثانياً على المظفر سيّر إليه فدافعه وماطله، ولم يحضر إلى أن انفصلت القضيّة وأُمسك الأمير سيف الدين يلبغا، ورُسم للأمير سيف الدين
أرغون شاه بنيابة الشام، ورسم لأولاجا بنيابة صفد، فتوجّه إليها في أوائل شهر رجب الفرد سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان قد تعلق به وَخَم عظيم من حمص فزاد ضَعفُه بصفد، وطلب طبيباً من دمشق، فجُهّز إليه وعالجه وتماثل من الضعف، ثم إنه نقض عليه الوَخَم الحمصي، فتعلّل، ولم يزل إلى أن أُوِلج أُوْلاجا في الأرض، وسكنها إلى يوم العَرْض.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وأوصى إلى ثلاثة: دوا داره، وأستاذ داره، وآخر من مماليكه، وجعل الناظرَ عليهم الأمير سيف الدين أرغون شاه نائب الشام، وباشر هذه النيابات الثلاث مباشرة حَسُنَ فيها الثناءُ عليه، وأُهديت أنواع الشكر من الأنام إليه، عفافٌ وأمانة وخِبْرة تامة وديانة، وعَدْلٌ في قضاياه وصِيانة، لم يتعرض إلى أموال الرَّعايا ولم يَتَعرَّض أحداً فيُصْميه في الرمايا، وتأسف عليه أهل البلاد وودوا لو دام لهم بقاؤه ولو كانوا معه في جدالٍ وجلاد. وقَدِم على ربّه وترك أوِدَّاءه، وعَدِم شخصُه وأبقى ثناءه.
أولاق الأمير سيف الدين، كان من جملة أمراء دمشق يسكن فوق المدرسة الشامية البرانية، وكان قد تزوج ابنة الأمير سيف الدين كوكنجار ولم يدخل بها.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.
أَيَاز بفتح الهمزة، وبعدها ياء آخر الحروف، وبعد الألف الثانية زاي: الأمير فخر الدين السلاح دار.
أظنه كان في مصر قبل خروجه إلى الشام من بعض مُشِدَّي العمائر السلطانية، ثم إنه خرج في حياة السلطان إلى طرابلس أميرَ عشرة، ثم نُقل إلى دمشق على عشرة في أواخر أيام الأمير سيف الدين تَنكز، فأقام بها إلى أن توجّه صُحبة العساكر إلى مصر مع الفخري، فرُسم له هناك بإمرة طبلخاناه، وحضر عليها إلى دمشق. ثم إنه وَلي شدّ الدواوين بالشام عوضاً عن الأمير سيف الدين ينجي السلاح دار، وباشره جيداً بحُرمَةٍ ومهابة.
ثم إنه عُزل في أيام الأمير سيف الدين طُقُزتمر وصار حاجباً، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي الأمير سيف الدين ألِلْمِش أمير حاجب المقدّم ذكره في أيام الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فولي الحجوبيّة الكبرى وأحبّه يلبغا، وصار حظيّاً عنده لا يفارقه سَفَراً وحضراً.
ولم يزل على ذلك إلى أن طلبه الملك المظفر حاجّي إلى مصر، فتوجه إليها، ونزل عند الأمير سيف الدين أُلجيبغا الخاصكيّ المقدم ذكره، ورُسم له بنيابة صفد، فوصل إليها وأقام بها، وبعد حضوره إليها بقليل خرج يَلْبُغا على المظفر، وجرى له ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته، وهرب، فرُسم للأمير فخر الدين بأن يركب خلفه، بعسكر صفد إلى دمشق وتوجّه بهم وبعسكر دمشق إلى حمص، وأقام عليها. ولمّا أُمسك في حماة عاد بالعسكر وتوجّه إلى صفد، ورُسم له بنيابة حلب في شهر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة توجه إليها وأقام بها.
ولمّا كانت أول دولة الملك الناصر حسن حضر إليه الأمير ركن الدين عمر شاه يطلبه إلى مصر على البريد مُخِفّاً، فقابل ذلك بالطاعة، فلما كان في الليل بلغ عمر شاه أنه ربما قد عَزَم على العصيان، فأركَبَ الأمراء والعسكر الحلبي وأحاطوا بدار النيابة، فلمّا أحسّ بهم خَرَجَ إليهم وسلّم سيفه بيده إلى عمر شاه وقال: أنا مملوك السلطان وتحت طاعته الشريفة، فأمسكوه وقيّدوه واعتقلوه بقلعة حلب، وطولع السلطان بأمره، وكان ذلك في العشر الأوسط من شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وأحضره الأمير سيف الدين بِلْجِك إلى قلعة دمشق مكبّلاً بالحديد، فأقام بها معتقلاً في القلعة أياماً يسيرة، ثم إنه طُلب إلى مصر ولمّا وصلها جُهز إلى الإسكندرية.
وحكى لي من أثق به انه لمّا وصل إلى دمشق أدخله الأمير سيف الدين أرغون شاه إليه في الليل فقال له: والله يا خوند رأيت في الطريق فلاحاً يسوق حماراً أعرجَ معقوراً وهو في أنحس حاله فتمنّيت لو كنت مثله فَرقَّ له.
ولم يزل معتقلاً بالإسكندرية إلى أن أُفرِج عنه وجُهّز إلى دمشق ليتوجّه إلى طرابلس ويقيم بها بطّالاً، فوصل في خامس عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبع مئة. وفي أوائل جمادى الأولى أعطي طَبْلَخاناه سُنقر الجمّالي بها، ثم إنه نُقل إلى دمشق فأقام بها، وأخذت المراسلات تدور بينه وبين الأمير سيف الدين أُلجيبغا نائب طرابلس إلى أن جرى ما جرى منه ومن أُلجيبغا، على ما تقدم في ترجمة الجيبغا. وهرب من دمشق مع الجيبغا، ولمّا امسك الجيبغا فارقه أياز وانفرد عنه في ثلاثة أنفار من مماليكه، فأمسكه ناصر الدين ابن المعين وبعضَ أجناد بعلبك في قرية العاقورة
وقد لبس لبسَ الرهبان، وأحضره إلى بعلبكّ فقيّدوه ودخلوا به القلعة، ولمّا بلغ الخبر العسكر الشامي أخذوه من بعلبك وجاؤوا به إلى دمشق هو الجيبغا مكبّلين في الحديد وجرى لهما ما جرى، ووسّطوه في سوق الخيل بدمشق هو وألجيبغا على ما تقدّم في ترجمة ألجيبغا، وجزع جزعاً عظيماً وهلع وذل وخضع، وأخذ سكيناً من واحدٍ كان واقفاً إلى جانبه وأراد يذبحُ بها نفسه أو يجرح غيره فأعجلوه وضربوه بالسيف، ووسّط فخاض السيف في أحشائه واستقى نفسه من قليب قلبه برشائه، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبع مئة.
وقلت فيه:
لما أنار أيَازُ في أفْق العُلاَ ... خَمَدت سريعاً لامعات علوّه
بالأمس أصبح نعمة لصديقه ... واليوم أمسى رحمة لعدوّه
وكان رحمه الله تعالى جيداً في حق أصحابه، مثابراً على تقدمهم فَرِحاً بهم في رحابه يبذل مهجته دونهم قبل ماله، ويجتهد في حق كل منهم حتى يصل إلى بلوغ آماله. وأحبّه أهل حلب كثيراً ووجدوا به فرشَ أيامه وثيراً، لأنه عاملهم بلطفٍ زائد ولين جانب وخضوع قرنه بجودٍ لم يُردّ أحد منهم وهو خائب، إلا أنه تحامل على أرغون شاه وزاد، وغدر به وكاد، وبعض من اطّلع على باطن أمره بَسَط عُذره، والله تعالى يتولّى ظاهر أمره وسرّه.
أياس الأمير فخر الدين الشمسي مملوك الأمير شمس الدين سُنفر الأعسر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه.
كانت له معرفة ودُرْبَه، وقوة نفسٍ يعدّ بها أن الناس من رجُلٍ والأرضَ من
تربه، وحزم يؤدّيه إلى أن الإنسان كيفما كان فهو في دار غربه، فلهذا عمل شدّ الدواوين وما حَل، وفعل فيه ما حَرُم وما حَلّ. ثم إنه عُزل وتوجه إلى طرابلس، وكان فيها مَصرعه، وترك من دمشق مَرْبعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وكان نائباً بقلعة الروم، ثم نقل منها إلى حَماة، ثم إنه رُسم له بشدّ الدواوين بدمشق، فوصل إليها وباشر ذلك عوضاً عن الأمير زين الدين كَتْبغا في شهر رمضان سنة عشر وسبع مئة، وصلى الجمعة بالخلعة مع نائب دمشق في المقصورة، ولم يزل به إلى أن عُزل الأمير سيف الدين طوغان.
جاء من القاهرة في ثالث عشر صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وفي ذي الحجة توجه الأمير فخر الدين أياس المذكور من دمشق إلى طرابلس ليكون مقيماً في جملة الأمراء، وعزل من شدّ الدواوين بدمشق.
أَيان بفتح الهمزة، والياء آخر الحرف، وبعد الألف نون: الأمير سيف الدين الساقي الناصري.
كان أميراً بمصر يَسكن حِكْرَ جَوْهَر النوبي، اشترى دار الأمير شرف الدين حسين بن جُنْدُربك، ولمّا عاد أمير حسين إلى القاهرة أراد ارتجاعها، فدخل أيان على الأمير سيف الدين بَكْتُمر الساقي فمنعه منها، وكان السلطان قد رسم بإعادتها، ثم