أظنه كان في مصر قبل خروجه إلى الشام من بعض مُشِدَّي العمائر السلطانية، ثم إنه خرج في حياة السلطان إلى طرابلس أميرَ عشرة، ثم نُقل إلى دمشق على عشرة في أواخر أيام الأمير سيف الدين تَنكز، فأقام بها إلى أن توجّه صُحبة العساكر إلى مصر مع الفخري، فرُسم له هناك بإمرة طبلخاناه، وحضر عليها إلى دمشق. ثم إنه وَلي شدّ الدواوين بالشام عوضاً عن الأمير سيف الدين ينجي السلاح دار، وباشره جيداً بحُرمَةٍ ومهابة.
ثم إنه عُزل في أيام الأمير سيف الدين طُقُزتمر وصار حاجباً، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي الأمير سيف الدين ألِلْمِش أمير حاجب المقدّم ذكره في أيام الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فولي الحجوبيّة الكبرى وأحبّه يلبغا، وصار حظيّاً عنده لا يفارقه سَفَراً وحضراً.
ولم يزل على ذلك إلى أن طلبه الملك المظفر حاجّي إلى مصر، فتوجه إليها، ونزل عند الأمير سيف الدين أُلجيبغا الخاصكيّ المقدم ذكره، ورُسم له بنيابة صفد، فوصل إليها وأقام بها، وبعد حضوره إليها بقليل خرج يَلْبُغا على المظفر، وجرى له ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته، وهرب، فرُسم للأمير فخر الدين بأن يركب خلفه، بعسكر صفد إلى دمشق وتوجّه بهم وبعسكر دمشق إلى حمص، وأقام عليها. ولمّا أُمسك في حماة عاد بالعسكر وتوجّه إلى صفد، ورُسم له بنيابة حلب في شهر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة توجه إليها وأقام بها.
ولمّا كانت أول دولة الملك الناصر حسن حضر إليه الأمير ركن الدين عمر شاه يطلبه إلى مصر على البريد مُخِفّاً، فقابل ذلك بالطاعة، فلما كان في الليل بلغ عمر شاه أنه ربما قد عَزَم على العصيان، فأركَبَ الأمراء والعسكر الحلبي وأحاطوا بدار النيابة، فلمّا أحسّ بهم خَرَجَ إليهم وسلّم سيفه بيده إلى عمر شاه وقال: أنا مملوك السلطان وتحت طاعته الشريفة، فأمسكوه وقيّدوه واعتقلوه بقلعة حلب، وطولع السلطان بأمره، وكان ذلك في العشر الأوسط من شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وأحضره الأمير سيف الدين بِلْجِك إلى قلعة دمشق مكبّلاً بالحديد، فأقام بها معتقلاً في القلعة أياماً يسيرة، ثم إنه طُلب إلى مصر ولمّا وصلها جُهز إلى الإسكندرية.
وحكى لي من أثق به انه لمّا وصل إلى دمشق أدخله الأمير سيف الدين أرغون شاه إليه في الليل فقال له: والله يا خوند رأيت في الطريق فلاحاً يسوق حماراً أعرجَ معقوراً وهو في أنحس حاله فتمنّيت لو كنت مثله فَرقَّ له.
ولم يزل معتقلاً بالإسكندرية إلى أن أُفرِج عنه وجُهّز إلى دمشق ليتوجّه إلى طرابلس ويقيم بها بطّالاً، فوصل في خامس عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبع مئة. وفي أوائل جمادى الأولى أعطي طَبْلَخاناه سُنقر الجمّالي بها، ثم إنه نُقل إلى دمشق فأقام بها، وأخذت المراسلات تدور بينه وبين الأمير سيف الدين أُلجيبغا نائب طرابلس إلى أن جرى ما جرى منه ومن أُلجيبغا، على ما تقدم في ترجمة الجيبغا. وهرب من دمشق مع الجيبغا، ولمّا امسك الجيبغا فارقه أياز وانفرد عنه في ثلاثة أنفار من مماليكه، فأمسكه ناصر الدين ابن المعين وبعضَ أجناد بعلبك في قرية العاقورة
وقد لبس لبسَ الرهبان، وأحضره إلى بعلبكّ فقيّدوه ودخلوا به القلعة، ولمّا بلغ الخبر العسكر الشامي أخذوه من بعلبك وجاؤوا به إلى دمشق هو الجيبغا مكبّلين في الحديد وجرى لهما ما جرى، ووسّطوه في سوق الخيل بدمشق هو وألجيبغا على ما تقدّم في ترجمة ألجيبغا، وجزع جزعاً عظيماً وهلع وذل وخضع، وأخذ سكيناً من واحدٍ كان واقفاً إلى جانبه وأراد يذبحُ بها نفسه أو يجرح غيره فأعجلوه وضربوه بالسيف، ووسّط فخاض السيف في أحشائه واستقى نفسه من قليب قلبه برشائه، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبع مئة.
وقلت فيه:
لما أنار أيَازُ في أفْق العُلاَ ... خَمَدت سريعاً لامعات علوّه
بالأمس أصبح نعمة لصديقه ... واليوم أمسى رحمة لعدوّه
وكان رحمه الله تعالى جيداً في حق أصحابه، مثابراً على تقدمهم فَرِحاً بهم في رحابه يبذل مهجته دونهم قبل ماله، ويجتهد في حق كل منهم حتى يصل إلى بلوغ آماله. وأحبّه أهل حلب كثيراً ووجدوا به فرشَ أيامه وثيراً، لأنه عاملهم بلطفٍ زائد ولين جانب وخضوع قرنه بجودٍ لم يُردّ أحد منهم وهو خائب، إلا أنه تحامل على أرغون شاه وزاد، وغدر به وكاد، وبعض من اطّلع على باطن أمره بَسَط عُذره، والله تعالى يتولّى ظاهر أمره وسرّه.
أياس الأمير فخر الدين الشمسي مملوك الأمير شمس الدين سُنفر الأعسر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه.
كانت له معرفة ودُرْبَه، وقوة نفسٍ يعدّ بها أن الناس من رجُلٍ والأرضَ من
تربه، وحزم يؤدّيه إلى أن الإنسان كيفما كان فهو في دار غربه، فلهذا عمل شدّ الدواوين وما حَل، وفعل فيه ما حَرُم وما حَلّ. ثم إنه عُزل وتوجه إلى طرابلس، وكان فيها مَصرعه، وترك من دمشق مَرْبعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وكان نائباً بقلعة الروم، ثم نقل منها إلى حَماة، ثم إنه رُسم له بشدّ الدواوين بدمشق، فوصل إليها وباشر ذلك عوضاً عن الأمير زين الدين كَتْبغا في شهر رمضان سنة عشر وسبع مئة، وصلى الجمعة بالخلعة مع نائب دمشق في المقصورة، ولم يزل به إلى أن عُزل الأمير سيف الدين طوغان.
جاء من القاهرة في ثالث عشر صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وفي ذي الحجة توجه الأمير فخر الدين أياس المذكور من دمشق إلى طرابلس ليكون مقيماً في جملة الأمراء، وعزل من شدّ الدواوين بدمشق.
أَيان بفتح الهمزة، والياء آخر الحرف، وبعد الألف نون: الأمير سيف الدين الساقي الناصري.
كان أميراً بمصر يَسكن حِكْرَ جَوْهَر النوبي، اشترى دار الأمير شرف الدين حسين بن جُنْدُربك، ولمّا عاد أمير حسين إلى القاهرة أراد ارتجاعها، فدخل أيان على الأمير سيف الدين بَكْتُمر الساقي فمنعه منها، وكان السلطان قد رسم بإعادتها، ثم
إنه أُخرج إلى دمشق أميراً، فمكث بها مدة. ثم إن قوصون طلبه إلى مصر بعد خلع المنصور، فتوجه إليها، ولمّا جرى لقوصون ما جرى عاد إلى دمشق حاجباً صغيراً، وعَظُم إلى أن توجّه إلى حمص نائباً، وأقام بها قريباً من تسعة أشهر، ثم عُزل بالأمير سيف الدين قُطْلُقْتُمر الخليلي، وتوجّه أيان الساقي إلى غزة نائباً، فتوجه إليها مكرهاً، وأقام بها مدة شهر أو أكثر، ومرض مدة اثني عشر يوماً فكان بها أيّانُ وفاة أيَان، وأصبح بعد خبراً العَيان، وحُمل إلى القدس ودفن به.
وكانت وفاته في ثالث شهر رجب سنة ست وأربعين وسبع مئة.
وكان شديد الوطأة والعَبْسة، طويل النفس في الجَلْسة، لا يراعي خليلاً، ولا يحترم مَنْ كان جليلاً.
أيبك الأمير عز الدين التركي الحمويّ نائب السلطنة بدمشق، تولاّها بعد الأمير علم الدين الشجاعي في شوال سنة إحدى وتسعين وست مئة، ثم إنه عُزل عنها في سنة خمس وتسعين وست مئة، وولّى العادلُ مكانه مملوكه أغرْلو، وأُمسك بالقاهرة في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وست مئة وجُهّز إلى قلعة صرخد.
ثم إنه وُلي نيابة حمص، فوصل إليها وأقام بها شهراً واحداً إلى أن حُمّ أمر الحموي، فقضى نحبه ولحق من الأموات صَحبه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة في عشري شهر ربيع الآخر.
وكان معروفاً بالشهامة، موصوفاً بالحزم في الظعن والإقامة، عنده اتضاع، وسكونٌ يألفه من الرضاع، ولما توفي في حمص نقل إلى تربته التي هي شرقي عَقَبة دُمّر.
أًيْبَك الأمير عز الدين الموصلي المنصوري نائب طرابلس.
كان مهيباً ذا وقار، كأنّ مَشيبه خليط ثلج وَقار، مجاهداً في الفرنج والتتار، مباعداً ما يُكسِب الآثام والأوزار. سيرته جميلة، وثناؤه يحكي نفسُه زهْر خميلة. من خير أمراء دهره وأشرف أبناء عصره، ولم يزل إلى أن أُبعد الموصلي عن أحبابه، وانفرد عن لِدَاته وأترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس سنة ثمان وتسعين وست مئة.
أًيْبَك الأمير عز الدين الطويل المنصوري الخزندار.
كان أميراً ديِّناً، مؤهّلاً للصلاح معيِّناً، يواظب على التبكير إلى الجمعة، ويواصل التكبير بالتهليل مع إرسال الدمعة، تأمّر على الحج غَير مرّة، ولم يظلم أحداً بعصمة الله مِثقال ذرّة، طعَنَ في سنّه، وكم طَعَن في قِرنه، ولم يزل على حاله بدمشق إلى أن مضى لربّه حميداً، وترك " مالاً ممدوداً، وبنين شهوداً ".
ووفاته رحمه الله تعالى يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الأول سنة ست وسبع مئة.
أيبك الأشكري الأمير عز الدين، أحد الحجاب بدمشق.
كان من جملة أمراء الطبلخانات بها.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة أربع عشرة وسبع مئة.
أيبك الأمير عز الدين الزويزاني الحاجب.
تجاوز السبعين، وتوفي بقرية من قُرى الساحل في مستهل شعبان سنة تسع وتسعين أو سنة سبع مئة.
أيبك الأمير عز الدين الرحّالي، بالحاء المهملة المشددة.
كان بنابلس أظنه والياً.
توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة أربع وسبع مئة، وكان له أولاد ملاح فضلاء.
أيْبك النجيبي.
الأمير عز الدين الدوادار.
كان أحد الأمراء، وفرداً في الكبراء، ولي البَرَّ فصدق في أقواله وبَرّ، فشكِرَتْ سيرته ما سَكِرَت بل صَحَتْ، وصحّت سَريرته، ولم تطل مدة الولاية، ولا امتدت به إلى غاية، إلى أن خَمَدت جمرته، وانجلت من خمار الحياة غمرته.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبع مئة.
أيبك الأمير عز الدين الجمالي.
تولّى نيابة قلعة دمشق عوضاً عن الأمير سيف الدين بلبان البدري في ثامن عشر جُمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ثم ورد المرسوم بأن يكون الأمير سيف الدين بُهادر الشمسي أحدَ الأمراء بدمشق نائباً بقلعة دمشق، ويكون الأمير عز الدين أيبك نائباً بالقلعة، وذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة. ثم إنه ورد المرسوم بأن يتوجه إلى نيابة الكرك في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وسبع مئة، فتوجه إليها وعُوّض عنه في نيابة دمشق بالأمير سيف الدين بهادر الشمسي.
أيبك الأمير عز الدين المعروف بكرحبي من كبار الأمراء دمشق ومقدّميهم، كان شجاعاً فارساً مقدّماً مجاهداً يحفظ أحاديث الجهاد.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.