بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 656

ولم يزل بغزة إلى أن قصّ الموت من الجناحيّ جَناحه، وأراه في قَبْره إمّا خيبتُه وإما نجاحه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مئة، وخلّف تركة هائلة من جملتها ما لا ورد به في وصية، ولا علم به أحد، بل تبرّع بإحضاره فخر الدين العزازي وكانت هذه الجملة، ذهباً وغيره، ما قُوّم بستين ألف دينار.
أَيْدُمُر الزرْدَكاش الأمير عز الدين.
قَفَّز مع الأفرم لأنه كان صِهره ولاقَيَا قرا سُنقر، ودخلا بلاد التتار إلى خَربندا، كما تقدم في ترجمة الأمير جمال الدين آقوش الأفرم، وطلب ابنه وابن الأفرم إلى الديار المصرية فتوجها.
أيدمُر الأمير عز الدين الظاهري.
كان نائب الشام في الأيام الظاهرية.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الأول سنة سبع مئة برباطِهِ بالجبل، ودُفن هناك بالتربة على نهر ثُورا قبالةَ المدرسة الماردانية الحنفيّة.
وكان السلطان قد ولاّه نيابة الكرك، فأقام هناك إلى أن حضر السلطان الملك


صفحه 657

الظاهر إلى الكرك في المحرم سنة سبعين وست مئة وعاد منها وأخذ الأمير عز الدين معه إلى دمشق فولاّه نيابتها عوضاً عن الأمير جمال الدين النجيبي فأقام بها.
أيدمُر الأمير عز الدين دُقْماق نقيب العساكر المصرية.
كان محبوباً إلى الناس، فيه خيرٌ ورحمة.
توفي رحمه الله تعالى في سادس شهر رجب سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
أيدمُر الأمير عز الدين المَرْقبي.
كان من خواصّ الأشرف، وأقام أميراً بدمشق مدة، ثم إنه نُقل إلى طرابلس على إقطاع إمرة، فأقام بها إلى أن توفي هناك في سنة أربع وأربعين وسبع مئة رحمه الله تعالى.
وكان شكلاً مليحاً.
أيدمُر ابن عبد الله عز الدين السَّنَائي.


صفحه 658

كان جندياً، كم اعتقل للغزاة رمحاً وتقلّد هندياً، وله معرفة بالتعبير، وكلامه في ذلك ألطفُ من نسمة عبير، وله معارف أدبية، وصَوارف إلى النكت العربية، ولم يزل يصوغ شعره إلى أن أظلم الوجود في عين السَّنائي، وقَرّب إليه من الحتف ما هو نائي.
وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق في أول جمادى الأولى سنة سبع مئة، على ما ذكره الأُدْفُوي في تاريخه البدر السافر.
وكان عتيقَ أَقْطُوان الحاجبي والي قَلْيوب، ووَرِثه ابنه إبراهيم بالولاء.
ومن شعره:
تَخِذَ النسيمَ إلى الحبيبِ رسولاً ... دنفٌ حَكاه رقّةً ونُحولا
يُجري العيون من العيون صبابة ... فَتَسيل في أثر الغريق سُيولا
ويقول من حَسد له: يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
ومنه:
بعلبكُ دارٌ ولكنها ... دارٌ بلا أهل وجيران
كأنها ليلةُ وَصْلٍ مضت ... وأهلها ليلة هجران
وأنشدني من لفظه العلامة أبو حيان قال: أنشدنا المذكور لنفسه:


صفحه 659

سَفَرت فخلتُ الصبحَ حين تَبَلَّجا ... في جنح فَوْدٍ كالظلام إذا سجا
فتانةٌ فتّاكة من طرفها ... كم حاول القلبُ النجاة فما نجا
نَحَلتْ نضيرَ قامَةَ قدِّها ... وحَبَتْ مهاة الجزع طرفاً أدُعَجا
تفترُّ عن بَرَدٍ تقيٍّ بَرْدُه ... بالرَّشف حَرَّ حُشاشتي قد أثْلَجا
ما إن دخلتُ رياض جنّةِ وجهها ... فرأيت عنها الدهر يوماً مَخْرَجا
ولَمَا رشفت رحيق فيها ظامياً ... فازددت إلا حُرقَة وتوهجا
تعطو برخص طَرَّفته بعَنْدم ... وتُريك ثغراً كالأقاح مُفَلّجا
أنّى نظرتَ إلى رياض جمالها ... عاينت ثَمَّ مُفَوَّفاً ومُدَبَّجا
زارت وعُمر الليل في غُلَوائه ... فغدا من الشمس البهيّة أبهجا
وسرى نسيم الروض ينكر إثرها ... فتعرَّفَت آثاره وتأرَّجا
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني المذكور لنفسه:
وَرَدَ الوَرْدُ فأوْرِدْنا المداما ... وأرِحْ بالراح أرواحاً هُيامى
واجْلُها بِكْراً على خُطّابها ... بنت كَرْم قد أبَت ألاّ كراما
ذات ثغرٍ لؤلؤي وَصْفُه ... في رحيقٍ رَشْفُه يَشْفي الأُواما
بُرقِعت باللؤلؤ الرطب على ... وَجْنَةٍ كالنار لا تألو ضِراما
أقبلت تسعى بها شمس الضحى ... تُخجل البدرَ إذا يبدو تَماما
بجفون بابليّ سِحرُها ... سُقمُها أبدى إلى جسمي السَّقاما


صفحه 660

ونضيرُ الورد في وجنتها ... نَبْتُه أنْبَت في قلبي الغراما
ودّت الأغصانُ لمّا خَطَرت ... لو حكت منها التثني والقَواما
قال لي خالٌ على وجنتها ... حين نادَيْتُ: أمَا تخشى الضِّراما
منذ ألقيتُ بنفسي في لَظى ... خدِّها ألفيتُ بَرْداً وسَلاما
قلت: شعر متوسط.
أيْدمُر الأمير عز الدين الخطيري.
حَبَسه السلطان بعد مجيئه من الكرك، فسعى له مملوكه بدر الدين بيلبك أستاذ داره مع الأمير سيف الدين طغاي الكبير - الآتي ذكره في حرف الطاء مكانه - ولما خرج طلب حسابه من مملوكه المذكور، فقال له: سعيتُ لم به إلى أن خُلِّصْت. ثم إنه عظم شأنه عند السلطان، وكان يجلس رأس الميسرة، وأعطاه إقطاع مئة وعشرين فارساً، وكان لا يمكنه السلطان من المبيت في داره بالقاهرة، ولد دار مليحة في رُحَيبة العيد فينزل أيها بكرة، ويطلع إلى القلعة بعد العصر، كذا أبدا، وكانوا يرون ذلك تعظيماً له.
وكان في الأصل مملوك شرف الدين أوحد بن الخطير والد الأمير بدر الدين مسعود الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - مكانه، وكان لا يلبس قِباءً مطرّزاً، ولا يدع أحداً عنده يلبس ذلك. وكان يُخرج الزكاة.


صفحه 661

وكنت يوماً عند أستاذ داره هذا بدر الدين بيلبك وقد زوّج السلطان ابنته بالأمير سيف الدين قوصون وقد ضربوا لدور الأمير عز الدين الخطيري دينارين وزْنُهما أربع مئة دينار وعشرة آلاف درهم برسم النقوط خارجاً عن عشرة تفاصيل قماش حرير ملونة، وقالوا له: يا خوند هذا السكّر الذي يعمل في الطعام ما يضر أن نعمله غير مكرر؟ فقال: لا، فإنه يبقى في نفسي أنه غير مكرر.
وعمّر الجامع المشهور في رَمْلَة بولاق على البحر وإلى جانبه الربع المشهور، يُقال إنه غرم عليهما نحواً من أربع مئة ألف درهم، وأكله البحر في حياته، ثم إنه رمَّه وأصْلحه بجملة من المال.
ولم يزل على حاله إلى أن وقع الخطيري من الموت في خَطَر، وراح كأنه لم يفز بأمنية ولا وطر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، فيما أظن.
وخلّف ولدين أميرين: علياً ومحمداً.
وكان ذا شيبة مبيّضة، كأنها في النقاء تجسّدت من دموع مرفضّة، أو تكوّنت من أزاهر روضةٍ غضّة، بوجه يُقطَفُ الورد من وَجَناته، والجلّنار من خمائله وجَنّاته، كريم الكف إذا نوّل، كبير النفس إذا أعطى أحداً أو خَوَّل، فيه تجمّل وحِشمة، وله همة وعزمة.


صفحه 662

أَيْدمُر الأمير عز الدين أحد الأمراء بالديار المصرية.
ولاّه الملك الصالح نيابة غَزّة، فتوجّه إليها وأقام بها مُدّة، ثم إنه استعفى بعد موت الصالح وعاد إلى القاهرة.
ولمّا كانت الكائنة على يلبُغا اليحيوي في الأيام المظفريّة رُسم له أن يتوجّه إلى دمشق للحَوْطة على موجود يلبغا والأمراء الذين كانوا معه من إخوته وغيرهم، فحضر إليها ومعه الأمير نجم الدين بن الزيبق في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وأقام بدمشق مدة تزيد على الثلاثة أشهر إلى أن أباع موجودهم، وتوجّه بالأموال جميعها إلى مصر هو والأمير شمس الدين آقسنقر أمير جاندار الذي أحضر أرغون شاه إلى نيابة دمشق، ولمّا وصلا بالمال إلى المظفر لم يلبثا إلا قليلاً، قريباً من الشهر، وخرجوا على المظفر، ولم يكن معه أحد من الأمراء إلا الأمير عز الدين الزرّاق وآقسنقر وأيدمر الشمسي، فنقم الخاصكية عليهم ذلك، وأخرجوهم إلى الشام، فوصلوا إلى دمشق نهار العيد أول شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. ورُسم للزرّاق بالمقام في دمشق، ثم ورد مرسوم الملك الناصر حَسَن بتوجهه إلى حلب، فتوجّه إليها في العشر الأوسط من شوال وَرَدَ منشوره إليه فيما بعد بإقطاع الأمير سيف الدين أَسَنْدَمُر الحسني.
وكان ديّناً، وطيء الجانب ليّناً، فيه خير وبرّ، وحِفظٌ لما عنده وسِرّ.


صفحه 663

ولم يزل على حاله إلى أن فرغ أجل الزَّرَّاق ورِزقه، واتّسع عليه من الموت خَرْقُهُ، وتوفي رحمه الله تعالى.
وكنت أنا بالقاهرة - في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وكتبتُ تقليده بنيابة غزة ارتجالاً من رأس القلم وهو: الحمد لله الذي زاد أولياء دولتنا القاهرة عزّاً، وجعل أصفياء أيامنا الزاهرة كُفاة تعود الممالك بهم حِرزاً، وجرّد مِنْ أنصارنا كلّ نَصْل راعَ حَداً وراق هزّاً، ووفّق آراءنا الشريفة لأن يكون مَنْ نعتمد عليه يُسنَد إليه العز ويُعزى. نحمده على نَعَمه التي عَمَّت، ومِننه التي طَلَعت أقمارها وتمّت، وأياديه التي قادت الألطاف إلى حَرَمنا وزَمَّت.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مهدّ الإيمان قَصْدها، وجدّد الإيقان عَهْدَها، وشيّد الإدمان مَجْدَها، وأيّد البرهانُ رُشدها.
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي هدى به الأمة، وبدا به الأمور المهمّة، وجلا بأنوار بعْثَته من الكفر الدياجي المُدْلهمّة، ونفى بإبلاغ رسالاته ثبوت كلّ ثبور، وألَم كلّ ملمّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تلألأت أنوارهم، وتوضحت في آفاق المعالي أقمارهم وتوشّحت بلآلي السيادة أزهارهم، وتفتحت للسعادة بصائرهم وأبصارهم، صلاةً ظلالُ رُضوانها مديدة، وخِلالُ غفرانها عَديدة، ما افترّ ثغْرُ صْبح في لَعَس ظلام، واهتز في الحرب قَدُّ رمحٍ، وتورد بالدم خَدّ حسام، وسلم، وبعد: