يا شيخ براق والله إنك ... قد جيت في الدنيا بدعهْ
وما رأيناك في جامع ... صَلّيت سوا إن كان جمعهْ
وكان مرادك أن تُشهر ... لك في بلاد الشام سُمْعَهْ
وجئت إليهم في حاله ... ظهر عليك فيها إنكار
وما رأينا من قبلك ... فقير بسبعين جوكندار
يا من لا يتحقّق شكلو ... أقِف تقل لك كيف وصفُو
إنسان قرونو فوق راسو ... وجوكانو من فوق كتفُو
وسيف خشب مغمود ماعو ... والطبلخانه من خلفو
يُصَنّجُو بالصّينيّة ... والطبل مُكَّه والمزمار
شيء تضحك الناس من فعلو ... وقط ما يُرضي الحُضّار
يا شيخ براق إن كان تعمل ... شغل الفقيري من حَقّا
تقوّ من زاد التقوى ... واركب طريق أهل الخرقا
ولا تغرّك ذي الدنيا ... والآخرة خير لك وأبقى
ونْ كان في عزمك تبقى ... حليق وما تخشى من عار
الواجب إنك تتبّع ... طريق حميد المَحّار
إِنت الغريب جيت في فنك ... وَنَا الوحيد جيت في فني
نظمت أحسن ما يُنقَل ... عنك وما يُرْوى عني
قطعة ما يسمعها إنسان ... إلا ويطلبها منّي
تبقى على مرّ الأزمان ... تدور على روس الأدوار
وكنيتي ما احلا ماجت ... مخفيّة بين هذي الأسطار
قال شيخنا علم الدين البرزالي: كان من قرية من قرى دوقات، وكان أبوه صاحب إمرة وولاية، وكان عمّه كاتباً مجيداً معروفاً، وسافر هو - يعني بُرَاق - وخدم الشيخ شريق القرمي وتتلمذ له، وهو الذي سمّاه بهذا الاسم فإنه أكل من قَيْئه فقال له: أنت برقي، وهي بالقبجاقية: " كَلْبٌ ". قال: وممّا يثنى به عليه أنه هو وجماعته يلازمون الصلاة، ومَنْ فاتته صلاة في وقتها ضُرب أربعين سوطاً، ولهم ذكر بين العِشائَيْن، وكَرَمُهُ زائد.
بُراق الأمير سيف الدين أمير آخور الإسطبل بدمشق المحروسة.
أصله من مماليك الأفْرَم - فيما أظن - وولي هذه الوظيفة بعد شهاب الدين الصوابي لمّا مات في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وأقام فيها إلى أن مرض بعلة الاستسقاء.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة ثامن عشري شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين.
وكان جيّداً خيّراً يتغالى في محبّة الشيخ تقي الدين بن تيميّة وأصحابه، ويحفظ كثيراً من الأحاديث. وكان كثيرَ الشفقة على خيل البريد إلى الغاية، لا يسمح بخروج الفرس من عنده إلاّ بَعْد شدة شديدة ومدة مديدة. ولمّا وَرَد السلطان الملك الصالح صّالح إلى دمشق في سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة رسم له بعشرة، وكان من جملة أمراء
العشرات بدمشق، وهو الذي وقف المحيّا في جامع الأمير سيف الدين تنكز بدمشق، ووقف عليه حوانيت بحمص.
البِرزالي: الشيخ علم الدين القاسم بن محمد بن يوسف، وبهاء الدين محمد بن يوسف بن محمد.
بَرَسْبُغا الأمير سيف الدين الحاجب الناصري.
ولاّه أستاذه الملك الناصر الحجوبيّة، فكان دون الأمير بدر الدين أمير مسعود، بن الخطير، ثم إنه بعد قليل عظم عند السلطان، وكان يجهّزه كاشفاً. ثم إنه لمّا أُمسك النشّو ناظر الخاص وأقاربُه وجماعته سلّمهم إليه، فعاقبهم وصادَرَهم، ولم يكن له غرض في إتلافهم، ولكن أمسكه يوماً الأمير سيف الدين بُشْتاك وتوعّده على عدم إتلافهم، فهلكوا عنده في العُقوبة. ثم إنه حضر مع الأمير بُشتاك إلى دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز، وسُلّم إليه أهلُ البلد المصادرون وجماعة تنكز، فعاقبهم واستخرج الأموال منهم، وكان مقيماً بالنجيبيّة على الميدان، وكان يعاقب الناس في النهار والليل، ولم يكن في نفسه ظالماً ولا شريراً، لأنني أنا كتبتُ عنه إلى الأمير سيف الدين قوصون عدة مطالعات وهو يقول فيها: يا خوند أدركْ أهل دمشق، وادخُل فيهم الجنة، فإنني بَسَطتُ عليهم العقاب، وأخذت جميع ما يملكونه، ولم يبق معهم شيء، وهؤلاء ما هم مثل أهل مصر بل هم أناس محتشمون ما يحملون إهانة، ويكتب إلى السلطان أيضاً ببعض ذلك.
ولمّا حضر أولاً من مصر حضر معه مقدّم يَضرب بالمقارع، فلما رآه بعد يومين وهو نَحس في حق المصادرين نفاه، وقال: متى بِتَّ في دمشق قتلتك.
ولم يَزَل يتلطَّف إلى أن رُسم بالعَود إلى مصر، وكان قد أقام بعد بشتاك مُدَيْدة، فتوجّه، ولم يزل على ذلك والسلطان يسلّم إليه المصادَرين. وهو الذي ضرب الصاحب أمين الدين إلى أن مات.
ومات السلطان وتولّى ولده الملك المنصور أبو بكر، فانتحس عنده وعند قوصون، وأريد إخراجه إلى الشام، ثم إنه تدارك أمرَه عند قوصون فرضي عليه. ولما ملك الأشرف كجك بعد المنصور وجاء الفخري إلى دمشق أُخرج بَرَسْبُغا في جماعة من العسكر المصري إلى غزة فَوَصل إليها، وأقام بغزة مدة إلى أن وصل إليه الأمير علاء الدين ألطنبغا مهزوماً، فتوجه معه، فلمّا قاربوا مصر أُمسك الأمير سيف الدين قوصون وجُهّز إليهم من أمسكهم، فهرب بَرسْبُغا إلى جهة الصعيد فجُهز وراءه من أمسكه، وأحضره ولمّا وصل إلى القاهرة جُهّز إلى الإسكندرية واعتُقل بها، وبقي هناك إلى أن حضر الناصر أحمد من الكرك، وجاء الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري، والأمير سيف الدين طشتمر حمّص آخضر، فجُهز الأمير شهاب الدين أحمد بن صبح إلى الإسكندرية، فتولى قَتْلَ ألطنبغا وقوصون وبُرُسبغا، وذلك في شوال سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان بَرسبغا - كما تقدم - ليّنَ الجانب سليم الباطن، يُرى وهو للظلم مجانب، تغلبه الرقة والرحمة، وتستولي عليه الشفقة على من تنزل به النقمة، إلاّ أنه كان يلجأ
إلى التظاهر بالشر،. والوثوب على أهل الأموال بالكر دون الفَرّ، وما أفاده خَيْر الباطن شيئاً مع شر الظاهر، ولا أعاده الدخول في الظلم لا إلى نجاسة الهلاك دون ما للنجاة من الطاهر. وقابل شخص المنيّة واعتنق، وخانه الزمان فأودعه السجن إلى أن اختنق.
بُرْناق الأمير سيف الدين المحمدي.
كان قد ورد إلى دمشق، ولمّا أُمسك الأمير سيف الدين جَرَكتمر المارداني في دمشق عند قدومه من الحجاز في سنة اثنتين وستين وسبع مئة جَهّز الأمير سيف الدين بُرناق معه إلى مصر، ولما عاد من ذلك رُسم له بنيابة قلعة دمشق، فلبس تشريفه بدار السعادة وتوجه إلى القلعة، وذلك في يوم الاثنين سادس عشري صفر سنة اثنتين وستين وسبع مئة، فأقام بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى في عشية الأربعاء حادي عشر شعبان سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
الألقاب والأنساب
ابن برق: والي دمشق شهاب الدين أحمد بن أبي بكر، والده أبو بكر بن أحمد.
ابن البُرْطاسي: شرف الدين عيسى بن عمر.
البرلّسي: برهان الدين إبراهيم بن أحمد ناظر بيت المال.
ابن البرهان: الطبيب محمد بن إبراهيم.
البَرَواني: الأمير علم الدين سنجر، وابنه بهاء الدين محمد بن القاسم.
البزاغي: التاجر الشاعر أحمد بن خليل.
بُزْلار بضم الميم الموحّدة وبعدها زاي ساكنة ولام وألف وراء: الأمير سيف الدين أمير سلاح الناصري أحد أمراء المئات ومُقَدّمي الألوف بالقاهرة.
كان قد وَرَدَ إلى دمشق في البريد نهار الجمعة عاشر شهر رجب الفرد سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة ليُحلِّف الأمير سيف الدين أيْتِمش نائب دمشق والعساكر بها للسلطان الملك الصالح صالح ابن السلطان الملك الناصر محمد، ونول بالقصر الأبلق، وحلّف الناس، واحتفلوا بأمره، وقدّموا له أشياء مليحة، كل أحدٍ من المراء والمتعممين، وعاد ومعه شيء كثير من الخيل والقِماش وغير ذلك.
ولم يزل بمصر على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى، وورد خبره إلى دمشق في أوائل ذي القعدة سنة ستّ وخمسين وسبع مئة.
وهو الذي ساعد الأمير سيف الدين طاز على إمساك بيبغاروس في سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة لمّا كانوا في طريق الحجاز، وكان يُحدّث نَفْسَه بنيابة دمشق، فسبقه الأجل وأخذه على عَجَل.
بَزُوجبي بالباء الموحدة والزاي المفتوحة والواو الساكنة والجيم والياء: الأمير سيف الدين أحد أمراء العشرات بدمشق.
كان قد تقدّم في أيام قوصون وأعطاه طبلخاناه، فلمّا زالت دولة قوصون أُخرج إلى دمشق بطّالاً، ورُتّب له على سوق الغنم، في كل عشرون درهماً، وأقام إلى أن حَضَر الملك الصالح صالح إلى دمشق فأعطي عشرة، فأقام عليها إلى أن توفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة ست وخمسين وسبع مئة بدمشق، وتوفي ابنه بعده بجمعة واحدة.
بَشْتَاك بفتح الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وتاء ثالثة الحروف وبعدها ألف وكاف: الأمير سيف الدين الناصري.
قرّبه السلطان وأدناه وأعلى محلّه، وكان يسمّيه بعد موت بكتمر الساقي بالأمير في غيبته، وكان زائد التيه والصلف، لا يُكلّم أستاذ داره وكاتبه إلا بترجمان. وكانَ يَعرف بالعربي ولا يتكلّم به، وكان إقطاعه سبع عشرة طبلخاناه، اكبر من إقطاع قوصون، وما يعلم قوصون بذلك.
ولما مات الأمير سيف الدين بكتمر الساقي ورثه في جميع أحواله، في داره وإصطبله الذي على بركة الفيل، وفي امرأته أم أمير أحمد، واشترى جاريته خُوبي بستة آلاف دينار، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، واخذ ابن بكتمر عنده. وكانت الشرقية تُحمى له بعد بكتمر الساقي.
وزاد أمرُه وعظُمَ وثقل على السلطان، وأراد الفتك به فما تمكّن، توجّه
إلى الحجاز، وأنفق في الأمراء وأهل الركب والفقراء والمجاورين بمكة والمدينة شيئاً كثيراً إلى الغابة، وأعطى من الألف دينار إلى الدينار على مراتب الناس وطبقاتهم. ولمّا عاد من الحجاز لم يَدْرِ به السلطان إلا وقد حضر إليه في نفر قليل من مماليكه، وقال: إنْ أردت إمساكي فها أنا قد جئت إليك برقبتي. فكَابَره السلطان وطيّب خاطرَهُ، ورُمي بأوابد ودواهي من أولاد الزنا، وكان السبب في تقدّمه أن قال السلطان يوماً لمجد الدين السلامي: يا مجد الدين، أريد أن تُحضر من البلاد مملوكاً يشبه بوسعيد - يعني ملك التتار -. فقال: هذا مملوكك بشتاك يشبهه، وكان ذلك سبباً لتقدمه.
وجرّده السلطان لإمساك الأمير سيف الدين تَنْكز، فحضر إلى دمشق بعد إمساكه هو وعشرة أمراء، ونزلوا القصر الأبلق، وفي خدمته الأمير سيف الدين أرقطاي وبَرسْبُغا وطاجار الدوادار وغيره. وحال نَزوله حلّف الأمراء كلهم للسلطان ولذريته، واستخرج ودائع تنكز وعرض حواصله ومماليكه وجواريه وخيله وكل ما يتعلق به، ووسّط طَغاي وجُنْغاي ملوكَيْ تنكز في سوق الخيل، ووسّط أوران أيضاً بحضوره يوم المواكب، وأقام بدمشق خمسة عشر يوماً أو حولها، وعاد إلى مصر، وبقي في نفسه من دمشق وما يجسر يفاتح في ذلك السلطان، فلمّا مرض السلطان وأشرف على الموت ألبس الأمير سيف الدين قوصون مماليكه، فدخل بشتاك وعرّف السلطان ذلك، فقال له: افعل أنت مثله، ثم إنه جمع بينهما وتصالحا قُدّامه، ونصّ السلطان على أنّ المُلك بعده لولده المنصور أبي بكر، فلم يوافق بشتاك، وقال: ما أريد إلاّ سيدي أحمد.