وأجاز له ابن صباح والناصح وأبو الوفاء محمود بن منده.
تفرد وروى الكثير وعُمر دهراً، وأصفت له الحياة الشهية نهراً، وكان حسن الأخلاق، تزكو محاسنه على الإنفاق، يؤم في مسجد، ويغير في التسميع وينجد، إلى أن نزل ضريحهُ، وسكن الموتُ ريحه.
ولد سنة أربع وعشرين وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسعٍ وسبع مئة.
إبراهيم بن الحسن بن علي
بن عبد الرفيع الرَّبَعي المالكي
قاضي تونس.
سمع من محمد بن عبد الجبار الرعيني سنة خمس وخمسين كتاب البخاري عن أبي محمد بن حوط الله، وذكر أنه سمع الموطأ عن ابن حوط الله عن أبي عبد الله بن زرقون، قال: وسمعت أربعين السلفي على الفقيه عُثمان بن سفيان التميمي سنة
ثمانٍ وخمسين عن الحافظ ابن المفضل، وسمعت مقامات الحريري عليه أنا وابن جبير عن الخشوعي.
كان بمدينة تونس قاضياً، وبما قُسم له في العلم راضياً، ينتقي وينتخب، ويدخر أجره عند الله ويحتسب.
اختصر كتاب التفريغ، وسماه السهل البديع، والكتاب المذكور لابن الجلاب في مذهب مالك.
وعمر زمناً طويلاً، ووجدت مدةُ حياته إلى الطول سبيلاً، إلى أن اجتحفه سيل المنية، وقطع من السير لذته الهنية.
ولد سنة ست وثلاثين وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن خالد بن عباس الأنصاري
الدمشقي
الأمير جمال الدين بن النحاس.
كان رجلاً عارفاً بالسعي والتقدّم، والتعمير والتهدمِ، قفز من سوق النّحاس إلى أن صار تُفدى كفه وتُباس.
وتولى بدمشق ولاية الحرب، وتحدّث في الوصل والقطع والضرب، ولم يزل إلى أن ضعف باصُره، وقل في ذلك ناصُره، وناب عنه ولدُه مدة إلى أن عمي، وجاش صدره بالحقد وحمي، فعزل عن الولاية، وذهبت تلك العناية، ثم إنه لبث مدّة إلى أن ما حمل النحاسُ التطريق، وغص وهي في حلقومه بالريق.
وتوفي رحمه الله تعالى عاشر ذي العقدة سنة ثلاثة عشرة وسبع مئة.
كان أولاً هو وأبوه من سُوق النحاس بدمشق. وكان يخدم الأمراء، وبالغ في خدمة الأفرم قبل النيابة، فلما تولى النيابة تولى مدينة دمشق في ولاية الحرب، وكان له ثروة وأملاك وسعادة، ولم يزل إلى أن ضعف بصره وناب عنه ولده إلى أن عمي فعزل، ولزم بيته إلى أن مات.
إبراهيم بن صابر
مقدم الدولة، عهدي به مقدمُ الدولة في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وأظنه كان فيها من قبل ذلك.
وكان السلطان الملك لناصر مُحمد بن قلاوون يُعظمه ويطلبه وهو في دستة دار العدل، ويقول: يا إبراهيم تعال، فيجيء إليه ويدينه حتى يضع فمه في أذنه، ويُسر إليه ما يأمره به، ومثلُ الأمير سيف الدين الأكوز الآتي ذكره إن شاء الله واقف، حتى صارت أرفع من الحجاب ومن غيرهم.
وكان ضخماً طويلاً عارفاً بما يعانيه من التقدم نبيلاً، ابتز الناسَ أموالهمُ في المصادرات، وتناولها في الأوائل والمبادرات. فحصل أموالاً جمة، وأملاكاً ما حصلها قبله ذو هّمة ورتبه السلطان وعشرةً من رجاله يمشُون في ركاب شرف الدين النشو ناظر الخاص لما جُرح تلك الجراحة، وكان لا يُؤذن الفجر إلا وهو في رجاله على الباب، فإذا ركبَ كانوا معه إلى أن يدخل القلعة، وإذا نزل منها مشوا في ركابه إلى أن يدخل بيته، هكذا أبداً في السفر والحضر، وكلنه بعد ذلك تسلمه عند غضب السّلطان عليه، فكان يُعاقبه ويضربه، فيقولك يا مُقدّم إبراهيم، فيتعذر إليه بأنّه مأمور.
ومات هو وجماعة من أهله وجماعةٌ من المصادرين تحت مقارعه، إلا أنه مع ضخامته وطوله لم يكن فظاً غليظ القلب، بل كان فيه رحمةٌ ورفق بالضعيف، واصطناعٌ للمسكين، وإيثارٌ للفقير، ولم يزل على حاله في الوجاهة مدّة حياة السلطان الملك الناصر، وأقام بعده، لكنه ليس في تلك العظمة إلى أن توفي في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، والظاهر أنّه نُكبَ قبلَ موته وصُودر، والله أعلم.
إبراهيم بن سليمان
ابن الشيخ الإمام العالم رضي الدين الحموي الآب كرمي.
نسبة إلى آب كرم، بليدة صغيرة قريبة من قونيه كثيرةُ الفواكه - الرومي الحنفي المعروف بالمنطقي.
كان شيخاً عليه وقار، ومهابةٌ لا يعتريها احتقار، أبيضَ الشيبة طويلها، حسن الطلعة أسيلها، يعرف المنطق جيداً، ويدعى فيه سيداً، وتفرد بهذا الفنّ في زمانه، وكأنه فيه أرسطو أوانه، وكان لينَ العريكة، كأنه من سهولته تريكة، محسنَ إلى الطلبة والتلاميذ والأصحاب، باذل البشر لمن أمه يتلقاه بالترحاب. وكان ديناً، خيراً أميناً، حج سبع مرات، ونال ما قدره الله له فيها من المبرات، ولم يزل على حاله إلى أن خرس المنطقي، وأتاه ما كان يرتقب ويتقي.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة سادس عشري شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وحضر جنازته جماعة.
وقرأ عليه جماعة من الأعيان والأفاضل، وكان مدرس القايمازية التي تحت القلعة، وتولاها بعده قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي.
إبراهيم بن سليمان بن أبي الحسن بن ريان
القاضي كمال الدين ابن القاضي جمال الدين الطائي، وسيأتي ذكر والده في مكانه إن شاء الله تعالى.
كان من جملة موقعي حلب، ووقع في الدست قبل موته بقليل. وكان يكتب المنسوب الرائق، ويراعي فيه الأصل الفائق، فتخالُ طروسه حدائق ونباتاً في
خدي غلام مراهق، وتظن أنها برود يمانية وليست مهارق، وكان يُعرب جيداً ويُغرب، ويأتي بما هو أغرب من عنقاء مغرب، إلا أن الأجل تحيف كماله، وأدخل على ألف قدةِ من المنون الإمالة. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الثلاثاء، ثالث عشري ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبع مئة. ومولده بصفد في حُدود العشرين وسبع مئة فيما أظن.
وكتبت إلى أخيه القاضي شرف الدين حُسين أعزّيه فيه، وأوّل الكتاب قصيدة، وهي:
تعزَّ يا باهر السناء ... وطيّبَ الأصل والثّناء
واصبر لتحظى بخير حظّ ... من غير حضًّ يومَ اللقاء
واثبت لفقدِ الكمال يا منْ ... كماله خافق اللواء
أكرم به من أخٍ كريم ... قد فاق في الفهم والذكاء
مكمل الذات قد تجلّى ... بالحلم والعلم والوفاء
يُمناه كم قد برت يَراعاً ... كأنّه السيف في المضاء
ووشعت طرسها ووشت ... بالزهر من أحرف الهجاء
غلطت فيما أراه حقاً ... إذ ليس والزهرُ بالسواء
لأن زهر الرياض يذوي ... وذا يُرى دائَم الرِّواء
فما له ابن الوحيد ثانٍ ... في صحّه الوضع والصفاء
إعرابه ساد في البرايا ... إذا شاد محكم البناء
طار ابن عصفورَ منه خوفاً ... لما تعرى منه الكسائي
وكان غصناً رطباً ثناه ال ... ردى إلى روضة البقاء
وراح غضاً خفيف حملٍ ... من الخطايا يوم الجزاء
وليس مثل الذي رثاه ... عنيت نفسي ذاتَ الشقاء
ستون عاماً كانت أمامي ... لم أدرِ حتى غدت ورائي
وأثقلت بالذنوب ظهري ... وأسمعتني داعي الفناء
دع ذا فخطبي به جسيم ... جلّ وعد بي إلى الرثاء
كان جميلَ الصفات فرداً ... في الجهر منه وفي الخفاء
وجملةً الأمر فيه أني ... أقولُ قولاً بلا رياء
إن فراق الكمالِ صعبٌ ... حتى على البدر في السماء
وكان هو قد كتب إلي من حلب في أوائل سنة خمس وخمسين وسبع مئة: يُقبلُ الأرض التي هي من براعته ويراعته مجمعُ البحرين، ومن لفظ وخطه مغاصُ النفيسين من الدرين، فأضحت بذلك في الشام شامة، وغدا برقُ فضلها لامعاً لمن شامه. وينهي بعد أشواق تفيء سطور الطروس في غضونها وأثنيةٍ تستنزل الورق بأطواقها من غصونها.
إنه ما برح يتذكر مولانا وفوائده ويشاهدها، ويتعاطى نشوة فضّ الختام وبتعاهدها، ولم يزل له من أمثلة مولانا الواردة إلى أخبي الملوك كؤوسُ مدام، ولها
من ميم مسك قصيدته الميميّة ختام، ومن مخبآت شرح اللامية عرائسُ تجلى على الأفهام، وإنما أماكنُ تحتاج إلى مُقابلةٍ على النسخة الأصلية، ومواطنُ لم تكن مرآتها في قراءتها جلية، وتتّمات تركت فعسلت مطالعها إذ كانت من الكتابة خليّة، فاختار المملوك حيث اسمه إبراهيم أن يطرب بنوبته في نُسخته الخليلية، فإن اقتضى رأيُ مولانا أن يُنعم بتجهيز النسخةِ الصحيحة الكاملة ليقابل عليها نسخته التي حرمها الكاتب ما يجب من المقابلة، ومنعها من جبرها بالتصحيح فاستحقّ المقابلة، ليُحكم المملوك جوهري معانيها الصّحاح، ويُزيل تعجبه من فساد هذه النسخة المنسوبة إلى الصلاح، وإن تعذر تجهيزها جملةً فليكن مجلداً بعد مجلد ليقابلَ عليها ويعيدها إلى خليله، والعودُ أحمد إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا إليه الجواب ارتجالاً من رأس القلم:
لا يُنكر الناسُ قطُّ شوقي ... إلى كمالٍ حوى المعالي
فالبدر أفنى الظلام سيراً ... ليرزق الفوز بالكمال
يقبلُ الأرض حيثُ ابن مقلة لتلك الكتابة شاخص، والفاضل لذلك الترسل ناقص، والميداني لتلك البلاغة على عقبيه ناكص، تقبيل من زكا ودّة، وتأكّد في المحبة عهدُه، وتجّدد في الثناء على مرّ الزمان وردُه، وعذُب في الدعاء وردُه، فما نبع إلاّ