ولما كان في صفد كانت كتبُ السلطان ترد من الكرك إلى ابنه الأمير ناصر الدين مّحمد يقول له: يا أخي تقول لعمي كذا وكذا وطل روحك إلى أن يقدّر الله الخير.
بكتمُر الأمير سيف الدين الساقي الناصري.
كان أولاً من مماليك المظفر بيبرس الجاشنكير، ولّما استقر السلطان بعد مجيئه من الكرك أخذه ودخل في مماليكه، ولهذا كان غريباً في بيت مالهُ خوش داش، جميعُ الخاصكيّة مع أرغون الدوادار، ولما أمسك السلطان الأمير سيف الدين طغاي الكبير، وكان تنكز في دمشق يترامى إليه ويتعلق عليه، جهز السلطان يقول له: هذا بكتمر الساقي يكون لك بدلاً من طغاي، واكتب إليه بما تريد من حوائجك، وعظُم بكتمر وعلا محله وطار ذكرهُ، وكان السلطان لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً إلا أن كان في الدور، وهو إمّا أن يكون في بيت بكتمر أو بكتمر عنده، وزوجهُ أم أحمد ابنه وهي جارية السلطان وحظيّته، ولا يأكل السلطان إلاّ في بيت بكتمر مما تطبخه له أم أحمد في قدر فضّة وينام عندهم ويقوم، وكان الناس ما يعتقدون إلا أن أحمد ولد السلطان مما يطيل حمله وتقبيله، وقد تقدم ذكر أحمد المذكور في الأحمدين.
ولما شاع ذكر بكتمر وقُربه من السلطان، وتسامعَ الناس به قدّموا له غرائب كل شيء، وأهدوا إليه كل شيء نفيس، ومهما حُمل إلى السلطان من نوّاب الشام وغيرهم كان له مثله أو قريباً منه، والذي يجيءُ للسلطان غالبُه يصل إليه، إلى أن عظمت أمواله وظهرت أعماله.
وكان من أحسن الأشكال وأظرف الأشخاص التي تزول برؤيتها الأنكاد والأنكال،
طلق المحيا بساما، حلو الكلام كأن ألفاظه الدر نظاماً، كأنما جسمه بُلاّر، وخداهُ ذوبُ عقيق أو جلّنار، أشقر بحواجب سود وعيون مثلها، وجفون قلما يرى في الناس مثلها، مستعذباً لطيفاً بمن يقصده، رؤوفاً بمن يلتجئ إليه ويرصده، لا تُرد له إشارة، ولا يعطّل السعدُ عشاره، فهو عبارة عن الدولة وسلطانها، وهو المتمتع بنيل أوطارها في أوطانها، وإذا ركب كان بين يديه ظمئتا عصا نقيبٍ، وإذا نزل إلى إصطبله فهي زورة حبيب غفل عنها الرقيب، عمر لهُ السلطانُ إصطبلاً على بِرْكةِ الفيل على الجسر الأعظم، وفيه دار قل أن رأت مثلها العيون، أو اقتضتها من الأماني ديون.
أخبرني نور الدين الفيومي، وكان شاهداً على هذه العمارة وهو صاحبي، أن نفقة هذه العمارة في كل يوم مبلغ ألف وخمس مئة درهم مع جاه العمل. لا، العجل من عند السلطان، والحجارين والفعول من المحابيس، فقلت له: فكم مقدار ذلك لو لم يكن جاه، فقال لي: على القليل في كل يوم ثلاثة آلاف درهم، وأقاموا يعمّرون فيها مدة أشهر. وخرجت أنا من القاهرة وهم يعملون في الجل ولم يصلوا إلى الرخام والمنجور وعرق اللؤلؤ والسقوف المدهونة بالازورد والذهب.
ولما توفي في طريق الحجاز عائداً في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، خلّف من الأموال والقماش والأمتعة والأصناف والزرد خاناه ما يزيد على الحد ويستحي العاقل من ذكره.
أخبرني المهذب كاتُبه قال: أخذ السلطان من خيله أربعين فرساً، قال هذه لي
ما وهبته إياها، وأبعنا الباقي من الخيل، على ما نهبه الخاصكّية وأخذوه بثمن بخس بما مبلغه ألف ألف درهم ومئتا ألف وثمانون ألف درهم، خارجاً عما في الجشارات، وأنعم السلطانُ بالزرد خاناه والسلاح خاناه التي له على قوصون بعد ما أخذ منها سرجاً وسيفاً.
قال لي المهذب كاتبه: القيمةُ عن ذلك ست مئة ألف دينار، وأخذ له السلطان ثلاثة صناديق جوهراً مثمناً لا يُعلم قيمة ذلك، وأبيع له من الصيني والكتب والختم والربعات والحمايليه ونُسخ البخاري المختلفة ومن الأدوية الفولاذ والمطعمة البصم بسفط الذهب وغير ذلك، ومن الوبر والأطلس وأنواع القماش السكندري والبغدادي وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية المفرطة، ودامَ البيعُ لذلك مُدة شهور، امتنع القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص من حضور بيع موجود بكتمر واستعفى، قلت له: لأي شيء فعلتَ ذلك؟ قالَ: ما أقدر أصبر على غبن ذلك لأنه المئة درهم تباع بدرهم.
ولما خرج السلطان خرج بتجمل زائد وحشمة عظيمة، كتب في سريا قوس فرأيت ما هالني وخرج ساقه للناس كلهم، وكان ثقله. وحاله نظير ما للسلطان، ولكن يزيد على ذلك بالزركش وآلات الذهب.
ووجدوا في خزانته في طريق الحجاز بعد موته خمسَ مئة تشريف منها ما هو أطلس بطرز زركش وحوايص ذهب وكلوتات زركش، وما دون ذلك من خلع أرباب السيوف وأرباب الأقلام، ووجدوا على ما قيل قُيوداً وزناجير، والله أعلم بحقيقة الباطن في ذلك.
وتنكر السلطانُ له في طريق الحجاز واستوحش كل منهما من صاحبه، فاتفق أنهم في العود مرض ولده أحمد، ومرض بكتمر والده بعده، ومات ابنه قبله بثلاثة أيام. وعمل السلطان لأحمد تابوتاً وغشاهُ بجلدِ جمل وحمله معه. ولما مات بكتمر أمرَ السلطان للأمير سيف الدين بهادُر المعزي أن يدفنهما في الطريق عند نخل، وحث السير بعد ذلك.
وكان السلطان بعد ذلك في تلك السفرة كلها لا ينام إلا في برج خشب وبكتمر عنده، وقوصون على الباب، والأمراء والمشايخ كلهم حولّ البرج ينامون بسيوفهم، فلما مات بكتمر ترك السلطان ذلك، فعلم الناسُ أن ذلك الاحتراز كان خوفاً من بكتمر، وقيل: إنه دخل إليه السلطان وهو مريض في الحجاز فقال: بيني وبينك الله، فقال: كل من عمل شيئاً يلتقيه.
ولما مات صرخت أم أحمد وبكت وأعولت إلى أن سمعها الناس تتكلم بكلام قبيح في حق السلطان من جملته: أنت تقتل مملوكك أنا ابني إيش كان؟ فقال لها: بس تفشرين، هاتي مفاتيح صناديقه أنا كل شيء أعطيته من الجوهر أعرفه واحداً واحداً، فرمت بالمفاتيح إليه فأخذها. ولما حضر السلطان أظهر الندمَ عليه والخزن والكآبة، وأعطى أخاه قُماري إمرة مئة وتقدمة ألف، وكان يقول: ما بقي يجينا مثل بكتمر، ثم إنه أمر بحمل رمّته ورمةِ ولده من طريق الحجاز ودفنهما في تربته بالقرافة.
وكان للزمان به جمال وعلى الملك به رونق.
جاء أحمد بن مهنّا بعد قدوم السلطان من الحجاز ودخل يوماً إلى قاعدة الإنشاد وقال لنا سراً: بيت السلطان الآن يعوز شيئاً، وذلك الشيء كان بكتمر الساقي.
وقيل: إن السلطان كان يسير في طريق الحجاز وراء محفّة بكتمر وهو فيها مريض قدر رمية نشّاب، فإذا وقفوا به وقف وإذا مشوا به مشى، ويُجهز إليه بُغا الدوادار لكشف خبره، فلما جاء إليه وقال: يا خوند، مات ساق في مماليكه الخواص، وقال للحاج بهادر المعزي: يا أمير قف وغسله وادفنه، خلاه وسار يحثث السير، فعند ذلك نزل الأمير سيف الدين قوصون عن هجينه بعد ما عرّج عن الطريق، يُظهر أنه بُريق الماء واستند إلى الهجين وجعل يبكي والمنديل على عينيه، فقال له المملوك الذي معه: يا خوند ليش تبكي، ما كان بكتمر عدوّك؟ فقال: والك أنا أنا ما أبكي إلى على نفسي هكذا يُفعل ببكتمر؟! ومن فينا مثل بكتمر؟! ومن بقي بعد بكتمر؟! ما بقي إلا أنا.
وكان قصر بكتمر في سريا قوس بخلاف قصور بقية الأمراء لأنه قبالة قصر السلطان بحيث إنهما يتحادثان من داخل القصر، وعمر له بالقرافة خانقاه وتربةً مليحتين، وكان في إصطبله على البركة مائة سطل نحاس لمئة سائس، كل سائس على ستة أرؤس غير ماله في الجشارات والقرايا، ومع هذه العظمة والتقدم التمكن لم يكن له حماية ولا رعاية ولا لغلمانه ذكر، ومن المغرب يغلق باب إصطبله وما لأحدٍ به حس، وكان يتلطف بالناس ويقضي حوائجهم ويسوسهم أحسن سياسة، وما يخالفه السلطان في شيء، وكان يحجر على السلطان ويمنعه من مظالم كثيرة ظهرت من السلطان بعد موت بكتمر رحمه الله تعالى.
ولما تزوج آنوك ابنُ السلطان - على ما تقدّم في ترجمته - كنت أنا بالقاهرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ورأيت الشوار الذي حُمل من داره التي على بكرة الفيل إلى القلعة. وكان عدة الحًمالين ثمان مئة حّمال، المساند الزركش عشرة على أربعين حّمالاً،
المدورات ستة عشر حمالاً، الكراسي اثني عشر حمالاً. كراسي لطاف أربعة حّمالين، فضّيات تسعة وعشرين حّمالاً سُلم الدكك أربعة حمالين، الدكك والتخوت الأبنوس المفضضة والموشقة مئة واثنين وستين حمالاً، النحاس الكُفت ثلاثة وأربعين حّمالاً، الصيني ثلاث وثلاثين حمالاً، الزجاج المذهب اثني عشر حّمالاً، النحاس الشامي اثنين وعشرين حّمالاً، البعلبكي المدهون اثني عشر حّمالاً، الخونجات والمخافي والزبادي النحاسي تسعة وعشرين حمالاً، صناديق الحوائج خاناه ستة حّمالين، وغير ذلك تتمة العدّ، والبغال المحمّلة الفرش واللحف والبسط والصناديق التي فيها المُصاغ تسعة وتسعين بغلاً.
وقال لي المهذب الكاتب: الزركش والمُصاغ ثمانون قنطار ذهب بالمصري.
وكان مما لبكتمر على السلطان من المرتّب في كل يوم مخفيتان يأخذ عنهما من بيت المال في كل يوم سبع مئة درهم، كل مخفية ثلاثة مئة وخمسون درهماً. وكان السلطان إذا أنعم على أحد بشيء أو ولاه وظيفة حتى يبوس الأرض ويبوس يده، يقول له: روح إلى الأمير وبوس يده.
وعلى الجملة فكان أمره غريباً، ولقد كان رحمه الله تعالى أهلاً لتلك النعم الجمةِ لأنه كان جيّد الطباع حسنّ الأخلاق ليّن الجانب سهلّ الانقياد، رحمه الله تعالى.
وكنت قد قلتُ:
بذلتُ موجودي إذ زارني ... حبي وأدنت على الباقي
فقال لي دُم هكذا قلتُ هل ... تحسبني بكتمُر الساقي
بكتمر الأمير سيف الدين الحسامي.
كان بدمشق حاجباً، ثم إنه ولي الشد، ثم ولي مكانه في الشد الأمير جمال الدين آقوش الرستمي، وأعيد سيف الدين بكتمر إلى الحجوبيّة بدمشق، وفرح بإقالته من الشد، وكان عزله من الشد في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة.
ثم إنّه توجّه لولاي الولاية بالقبليّة ورُسمَ بطلبه إلى مصر، فتوجّه في شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، ولما وصل إلى القاهرة ولاّه السلطان ثغر الإسكندرية، فأقام بها إلى ورد البريد إلى دمشق وأخبرَ بوفاته في ثالث عشر شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وقال: وفاته في خامس شهر رمضان، وتولّى عوضه صلاح الدين دوادار قبجق.
بكتوت بدر الدين بن عبد الله المحمّدي.
أخبرني من لفظه العلاّمة أثير الدين قال: اشتغل علي بيسير من النحو، وأنشدني لنفسه:
بجلقٍ لي حبيبٌ ... بوصله لا يجُودُ
فقلبُه قاسيونٌ ... ودمع عيني يزيدُ
وأنشدني لنفسه أيضاً:
من لي بظبي غريرٍ ... باللحظِ يسبي الممالك
إذا تبدى بليل ... جلا سناهُ الحوالك
من حُور رضوانَ أنهى ... لكنه نجل مالك
قلتُ: شعر متوسط فارغ.
بكتوت الأمير سيف الدين شكار، نائب السلطنة بثغر الإسكندرية.
كان قد عُزل من النيابة، وبقي مدةً إلى أن توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في أواخر شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
بكتوت الأمير بدر الدين الأزرق مملوك السلطان الملك العادل كتبغا.
أمسكه حسام الدين لاجين وقتله، وقتل خواشداشه بُتخاص.
وكان الخلفُ قد وقع على اللجون في مرج بني عامر، ولّما بلغ ذلك الملكَ العادل خرج من الدهليز ولم يفطن به، وتوجه إلى جهة دمشق وساق حسام الدين لاجين للخزانة، والعساكر بين يديه، وذلك يوم الاثنين، ثامن عشري المحرم، سنة ست وتسعين وست مئة.
بكتوت الأمير بدر الدين القرماني.
كان عنده معرفة، والتفاتة إلى حُب الدنيا مسرفه، وتهور يقدم به على الخطر قبل أن يعرف مصرفه.