بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 729

وكان يَسْرد الصوم، ويتعبّد في الليلة واليوم، ويَكثر المجاورة بمكة والمدينة والقدس، ويخلو بنفسه في هذه الأماكن الشريفة فيجد البركة والأُنس. وكان ذا شَيْبة بيّضتها الليالي، ونوّرتها المعالي. وتَنَجَّز توقيعاً من السلطان الملك الناصر بأن يقيم حيث شاء من المساجد الثلاثة ويكون معلومه راتباً من بعده لأولاده ولأولاد أولاده أبداً، ولم أره يكتب شيئاً؛ لأنّ صاحب الديوان كان يُجلّه لتجلّيه، وجاور بمكة وأقام بها أخيراً، ثم إنه أتى إلى القدس الشريف وأقام به مُدّة إلى أن كَرّم الله لقاء ابن المكرّم، وخلّصه ممن تَجَرّأ أو تجرّم.
ووفاته بالقدس في أواخر شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، عن اثنتين وثمانين سنة وأشهر، رحمه الله وعفى عنه.
أبو بكر بن عمر بن السلاّر بتشديد اللام بعد السين المهملة، وبعد الألف راء، الفاضل ناصر الدين.
رَوَى عن ابن عبد الدائم. وكتب عنه الشيخ علم الدين البِرزالي وغيره.
وكان ذا جَلَدٍ على الجِدال، وقُدرةٍ على المناظرة والاستدلال، جيّد العبارة، بديع الكناية والاستعارة، تفنّن في الفضائل، وتوسّع في إيراد الدلائل، ونَظم شعراً كثيراً، وعلا به مَحَلاًّ أثيراً، وهو من بيت حشمة وإمارة، وللرياسة عليه دليلٌ وأَمَاره، مع عِزّة في نفسه، وإعراضٍ عمّا في أبناء جنسه، وهِمّةٍ تبلغ الثريّا، وعَزْمةٍ يتضوّع بها المجدرَيّا.
ولم يزل على حاله إلى أن استجنّه الضريح، وعَدَل الفناء إليه دون الكناية بالصريح.


صفحه 730

ووفاته رحمه الله تعالى في شهر الله المحرّم سنة ست عشرة وسبع مئة.
أخبرني شيخنا نجم الدين بن الكمال قال: جرت بيني وبينه مباحث كثيرة في أصول الدين. وأثنى عليه شيئاً كثيراً.
ومن شعره ما كتبه إلى الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم مع زنبيل أهداه وفيه تين:
يا سيِّدي وأجلَّ الناس منزلةً ... عندي وأرعاهم للعهد والذّممِ
لا تستقلّنّ شيئاً قد أتاك وقد ... علمْتَ أن الهدايا نبلغُ الهمم
وقد بعثْتَ بشيء فيه واحدةٌ ... تكفي الخلائق من عرب ومن عجم
له الورى لازموا إلا القليل تُقىً ... وضيّعوا كل ذي قربى وذي رحمِ
وغيرُ بدعٍ إذا سرنا مسيرهم ... والناس أشبه بالأزمان في الشيم
ولو قدرْتُ على ما أرتضيه لكم ... سَيَّرت شمس الضحى والبدر في الظِّلم
وقد أشرت بزَنْبيلي إلى صفتي ... من كُدْيَتي لذوي الأيسار والعَدَمِ
فكتب الجواب إليه في غير الوزن، وهو تقصير:
يا خير مَنْ أمسكت أنامله الق ... رطاس للرقم فيه بالقلم
وخيرَ مَنْ خَصّه الإله وإن ... عمَّ البرايا بالعِلمِ والعلمِ
ومَنْ له منطقٌ بلاغتُه ... قد بلّغته جَوامعَ الكَلِمِ
مَنْ ذا يطيق الجواب عن أدبٍ ... منثّرٍ جوهراً ومنتظِمِ
موجّهاً أتعبت غوامضُهُ ... مقاصداً كل مِدْرَهٍ فَهِمِ


صفحه 731

ألغزَ فيه محبّباً وكنى ... عمّا تلاه الزيتون في القسمِ
لفظٌ له معنيان مشترك ... دلّ على مفعم ومهتضمِ
حقّق فكري بالحدس مقدصه ... وليس فكري عندي بمتّهم
للغير ما قد أتى مغايرةً ... إلى فقيرٍ أشقى من العدمِ
فتينُ حوران ما مآكله ... لا أحورٌ بالجمال متِّسمِ
أنزله الله بالأثير إذا ... ما دار مثل الكثبان والأكم
مركزه والمحيط منه به ... لربّه نعمةٌ من النعم
من اصطكاك الأجرام فيه لها ... بمٌّ وزيرٌ يا طيّب النغم
وربّما عاد ربّه ولَه ... مدارع كالمداد للقلم
لكنّ ذا أصفرٌ وذاك غدا ... كالقار في حُلكةٍ وكالفحم
مضمّخاً من لطيمةٍ خلق الخَ ... لوق منها للمعَسر اللطمِ
لا زال تينُ الوتين ملتقطاً ... له وتين الأشجار من قسمي
وقد اعتصّ الزنبيل من ذل ... ك التين زبيباً تراه كالعَنَمِ
وهو كثير من يابس صفرت ... وَطاته من نوائب حُطمِ
من ابن هاني شيخ القريض ومن ... ميمون قيس وأشجع السلمي
وهم ملوك القريض قادته ... ومُنْشِؤوه من سالف القدمِ
فما عسى أن يقوله رجُلٌ ... جُمَيز بستان رأسه بَلمي
ومنه:
إن عتبا فعُذرنا قد نحققْ ... حين فارقتم الرفاق وجلق
كنتم روحَهم فصاروا جسُوماً ... مُزّقت بالغرام كل ممزّق
وكذا الروح إذ تفارق جسماً ... بعد وصل أوصاله تتفرّق


صفحه 732

ومنه، دو بيت:
يا حُسنَ ذؤابةٍ بدت للناس ... في أسمر رمحٍ قدّه المياس
ما واصل إلا قلت إنّي مَلكٌ ... أولوه لواءً من بني العبّاس
ومنه:
وشادن زارني ليلاً فقلت له: ... في حسن وجهك ما يغني عن القمر
فخلّنا بك نخلو لا سمير لنا ... ففي حديثك ما يغني عن السمر
وأنشدني شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى، قال: أنشدني من لفظه لنفسه ابن السَّلاّر:
لعمرك ما مصرٌ بمصر وإنما ... هي الجنّة العُليَا لمن يتفكَّر
وأولادها الوِلدان من نسل آدم ... وروضتها الفردوس والنيل كوثرُ
ومن نظمه القصيدة الميميّة التي سمّاها القصيدة المُشِيعة لعقيدة الشِّيْعة، أولها:
سلام على أهل الهدى والتعلّم ... لطُرقْ الهدى من آخر ومقدّمِ
أبو بكر بن أحمد بن محمد ابن النجيب بن سعيد، الشيخ الأمين المقريء، شرف الدين الخلاطي الدمشقي سبط الشيخ أحمد إمام الكَلاّسة.
سمع من ابن عبد الدائم، وعمر الكرماني، وابن أبي اليسر، وعلي بن الأوحد، ومحمد بن النشبي، والمجد محمد بن عساكر، وغيرهم.


صفحه 733

وكان رجلاً جيداً، ولي إمامة الكلاسَة، وتركها ووليَ إمامة مشهد ابن عروة، وله إثبات وإجازات.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: رافقته في الحج سنة عشر وسبع مئة، وقرأت عليه ببطن مَرٍّ، وبمسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وتوفي رحمه الله تعالى ثالث عشري شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة. وكان ابتداء مرضه في العشر الأواخر من شهر رمضان، صلى ودعا، وحضر إلى بيته وهو لا يتكلم، ثم إنه مرض وتغيّر ذهنه، واستمر على ذلك إلى أن مات، وحرص أهله على أن يجيبهم أو يتكلم معهم فلو يسمَعُوا منه شيئاً، وكان يظهر عليه أنه يفهم كلامهم، ويبكي رحمه الله تعالى.
أبو بكر بن محمد بن إبراهيم ابن أبي بكر بن خِلطان: الشيخ القاضي نجم الدين بن القاضي بهاء الدين.
سمع المقامات من ابن أبي اليسر، وكتب عنه من شعره، وحدّث بالإجازة عن سبط السِّلفيّ.
كان فقيهاً يعرف الفرائض، ويُجيد ما في مسائلها من الغوامض، وتولّى ببعض البلاد الشامية والنواحي التي يغلبُ على أهلها العاميّة، إلا أنه كان في عقله اضطراب، بل في عقيدته الباطلة، ورُمي بأشياء ما نجا معها من السيف إلا لما لأجله من المدافعة والمماطلة. وكان يعتقد أنه يكون له دوله، وأن تسل السيوف إذا مشى حَولَه.


صفحه 734

ولم يزل على ذلك إلى أن مات بغصّته، ولم يحصل له من الملك بعض حصّته.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مئة. وقد قارب الثمانين، وكان بالمدرسة الناصرية بالقاهرة.
/