كان شيخاً جليلاً، مسنداً نبيلاً، يشهد مع العُدول، وما له عن الخير عُدول، له في مسجدٍ إمامة، والبهاء وراءه وأمامه.
وكان قد سمع من السخاوي، وكريمة، وتاج الدين بن حمويه وجده وعدة.
وخرج له الشيخ الإمام صلاح الدين العلائي مشيخة وتفرد بعدّة أجزاء.
ولم يزل يُسمع الطلبة، وما به من ذلك قلبة، إلى أن سكن الثرى، وعدم من الحياة القرى.
ولد سنة أربع وثلاثين وست مئة، وتوفي رحمه الله سنة أربع عشرة وسبع مئة.
إبراهيم صارم العوّاد
كان في صناعة الطرب كاملاً، وعلمُه بدقائقها شاملاً، لعب بالكمنجا إلى أن لم يجد الأستاذ فيها له منه منجا، وفاق في فنها، فلم يكن كمن راحَ ولا كمن جا، وأمّا الطار فكل قلب طارَ إليه، وتخيل أن الشمس والبدر في يديه، ولم ير الناس مثله من يُطرب، ولا ألطفَ من حركاته كلما صرخ في يديه يضرب، وما يرى أحد أنه ملكٌ فيه غيره ما ملك، ولا أنه سلك في إتقانه ما سلك، وأمّا العواد فكان إبراهيمُ فيه إبراهيم الموصلي، بل لو عاصره لتحقق أنه مثلُ بطن عوده فارغٌ غير ممتلي، يكاد
لخفة يده يجري الماء في عوده، ويرى البرق من يده في العفاقات يلمع في حدوره وصعوده، كأنما هو حمامة تسجع على عودها، وتغدو وتروح، وإذا غنى هو جاوبه عُوده، ولم يكن شجر الأراك مع الحمام ينوح:
يلعبُ بالعقل شدوه لعبَ المزج ... بمنثور لؤلؤ الحببِ
لو تسمع الورقُ شدوه خلعت ... عليه أطواقها من الطرب
وجرت له مع الناصر أحمد أمور، ولو صحّ أمره لكان أميراً كبيراً وغيره المأمور، ولكن فات ما ذبحَ، وما خسر إلا من ربح، ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى البلى بغصته، ولم يقدر على شرح قصته.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
كان قد قربه الأمير سيف الدين تنكز ولازمه في سفره وحضره، وكان يعلّم عنده جواري، وأعطاه إقطاعاً جيداً في حلقة دمشق، وألبسه الكلفتا، ولما أمسك تنكز طلبه طاجار الدوادار ودخل به إلى السلطان الملك الناصر، وأقام بمصر تلك المدّة، ثم إنّ السلطان الناصر أحمد أخذه معه إلى الكرك وأقام عنده تلك المدّة، ووعده بأمورٍ منها أن يعطيه إمرة طبلخاناه، وهذا أقلُ ما أعتقده في حقه، وإلا من الناس من قال: إن وعده بنيابة دمشق، ثم إنه بعد ذلك كله أخذ منه الإقطاع، واستمر بيده راتبٌ كان لها أولاً على دار الطعم بدمشق فارتفق به، وبطل الخدم إلى أن مات رحمه الله تعالى.
إبراهيم بن عبد الرحيم
بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد ابن نصر
القاضي الرئيس، الكاتب البليغ شمس الدين ابن القاضي جمال الدين ابن الصاحب فتح الدين ابن القيسراني المخزومي الخالدي، كانت الإنشاء بالديار المصريّة، كان شكلاً، تاماً في خلقه ساداً لما يسند إليه من الإنشاء من سعة خرقه، العقود، ويباهي به الروضَ المجود، وتزدهي الكواكب بضيائه إذ كانت في منازل السعود إن أنشئ وشى المهارق وأخمل زهر الخمائل والحدائق وحسد العذار الجديدُ سطوره، وتمنى الروضُ اليانع لو حوى منثوره، وودّ الأفق لو استعار من طرسه صبحه، ومن مداده ديجُوره، يُرشفُ السمع كلامُهُ مُداماً، ويتعاطى كؤوس فقراته الندامى، ومن بيت كتابةٍ ووزارة ورياسة قديمة وصدارة.
رافقتُه في ديوان الإنشاء في قلعة الجبل مدة، وحللتُ برؤيته من الهم شدة الشدة، ثم إنه رسم له السلطان الملك الناصر بتوقيع الدّست قبل موته بقليل بسفارة الأمير سيف الدين تنكز فيما أظن.
قال قاضي القضاة بهاء الدين أبو حامد السبكي: تولى كتابة الدست في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ولم يزل على حاله في توقيع الدّست إلى أن دعاه الله للقياه، وأوحشت الدنيا من بُقياه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أحد شهري ربيع من سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
وكان عنده مماليك تُرك، وله تجملٌ في ملبسه، وورث نعمة طائلة، وحصلت له وجاهةٌ عند النواب، ولو دام له الأمير سيف الدين بهادُر التمرتاشي لرقى.
وكان قد استعار من القاضي جمال الدين ابن العلامة شهاب الدين محمود جزءاً من قلائد العقيان، وأبطأ رده، قال جمال الدين، فكتبتُ إليه:
قل لربّ العلا فتى القيسراني ... حين يأتي منشية المهراني
حل جيدي بالفضل منك فإني ... عاطلٌ من قلائد العقيان
فلما وقف عليها القاضي الشريف شهاب الدين الحسيني قال:
يا ابن غيثِ الندى وبحر المعاني ... درهُ في النحور والتيجان
أنت للملكِ زينةٌ وجمال ... غنيت عن قلائد العقيان
وكتب لي شمس الدين المذكور توقيعاً بزيادةٍ عن السلطان الملك الناصر محمد، وهو: رسم بالأمر الشريف العالي - لازالت أوامره تزين المناصب بأكفائها، وتزيد
المراتب وجاهة بمن تريد صلاحه في علائها، ومراسيمه تمُن بعوارف آلائها لمن جعله عرفانُه من أوليائها - أن يزاد المجلسُ السامي القضائي فلان الدين على معلومه الذي بيده المستقر باسمه في الشهر دراهم كذا غلة كذا، وفي اليوم خبز كذا، لحم كذا، شعير كذا، وفي السنة كذا زيادة على الجوخة قرطية مغشاه لتفرده في البلاغة عن مناضل أو مناظر، وتفننه في الكتابة التي تثلج الصدور، وتبهج النواظر، وإتيانه بالمعنى البسيط في اللفظ الوجيز، واعتراف أمثاله بالقصور عّما ينتجه فكره السليم من التعجيز، طالما دبج المهارق بأبوابنا الشريفة برائقِ خطّه وفائق لفظه، ونظم في تقاليد الوزارة المنيفة من دررِ معانيه ما تتسارعُ الهمم إلى التقاطه وحفظه، فيتناول ذلك شاكراً لأنعمنا الشريفة على هذا المزيد، وليعلم أن إحساننا إليه ثابت ويزيد، والله يُبلغه من النعم ما يريد بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى، فكتبت إليه أتشكر إحسانه ارتجالاً:
كلماتُ القيسراني ... لطفُ معناها براني
فهي في الحُسن كليلى ... وإليها قيسُ راني
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء
الشيخ الإمام الورع العلامة شيخ الشافعية، برهان الدين أبو إسحاق الفزاري،
الصعيدي الأصل، الدمشقي الشافعي، مدرس الباذرائية وابن مدرسها الشيخ تاج الدين.
سمَّعه والده الكثير في صغره من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر والموجودين في ذلك العصر.
قرأ العربية على عمه شرف الدين الفزاري، وتفقه على والده، وقرأ الأصول وبعض المنطق، وكان يخالف الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسائل، وما تهاجرا قط، وكل منهما يحترم صاحبه إذا اجتمعا، ولما بلغته وفاته استرجع وشيع جنازته.
وكان رحمه الله تعالى قد نشأ في صيانه ورقى في ديانه، وإكبابٍ على العلم والإفادة طول عمره، وتواضع وخيرِ من أول حاله إلى خاتمة أمره، وزاد اشتغاله بعد أبيه، وطالع ونظر، وما اقتصر على التنبيه، يكاد يستحضر غالب الرافعي في مسائله، ويورد لفظه بتقاريره ودلائله، حتى يقول: هذه المسألة في الصفحة الفلانية من المجلد الفلاني، ويكشف عليه فما يخطئ الصواب بل يقارب ويداني، اشتهر بذاك، وعلم جميع الكتاب حتى كأنه باب السواك، وعلق على التنبيه
شرحاً حافلاً، وأتى به لغوامض المذهب كافلاً، لو أنصفه الناس لم ترفع لغير الرافعي راية، وتحققوا أنّ بداية هذا الكتاب مثل النهاية، ولا بد لهذا الشرح من وقت يوفى فيه حقه، ويعطيه الطاعة كل فاضل، فما يعوقه عن التقديم على غيره ولا يعقّه، مع ما في فضله من فضولٍ في بعض الفصول، وزيادات بيان لا تعلق لها بالفروع ولا الأصول. وعلق على منهاج النووي جزءاً لطيفاً فيه نتف، وكلامه فيه أطرب من حمام الأيك إذا هتف.
وكان صادق اللهجة فيما ينقله، حاذق المهجة فيما يتروى فيه أو يتعلقه، طويل الروح على الدرس والإشغال، كثير التوغل في الإيضاح والإيغال، حريصاً على تفهيم الطالب، يودّ لو بذلك كنوز العلم وما فيه من المطالب، لا يعجبه من يورد عليه تشكيكاً، ولا من يطلب منه تنزيل ألفاظ ولا تفكيكاً، لأنه هو فيما بعد ذلك يتبرع، فما يحب من غيره أن يسابقه ولا يتسرع، وذلك ليبسٍ في مزاجه، وحدّة تلحقه عند انزعاجه، وحاجة إلى استعمال خيار الشمبر لعلاجه، فقد كان ذلك نقله على الدوام، ولا يُخل باستعماله في يوم من الأيام، وكان رقيق البشرة، ظاهرة الوضاءة، كأن وجهه حبره، وله حظّ وافرٌ من صدقة وصيام وتهجّد في الليل وقيام، قل أن يخرج الشهر وما يعمل فيه لأهل مدرسته طعاماً، ويدخلهم إلى منزله فراداً وتُوأماً، ويقف لهم عند الباب ويدعو لهم ويشكرهم، ويعرفه بالميعاد الثاني وينذرهم.
وفتاويه كلها مسددة، واحترازاته وقيوده فيها مشددة. قد كفّ لسانه وسمعه عن الغيبة ومنعها من مجلسه دفعه، منجمعاً عن الناس يجد في الوحشة منهم غاية الإيناس، وتنجز من السلطان مرسوماً أن لا يحضر مجلساً إذا عقد، ولا يُطلب لذلك إذا فقط. وطلب للقضاء بعد ابن صصرى فاستعفى لذلك وصمم، وألح عليه الأمر سيف الدين تنكز فخصص الامتناع وعمم، وحج غيرة مرة، وتجرع من التكلف لذلك كل مرة.
وحدث بالصحيحين، وفاز من الرواية والدراية بالقدحين الربيحين. وخرج له الشيخ صلاح الدين العلائي مشيخة قرئت عليه، وسردها الناس لديه.
وولي الخطابة بالجامع الأموي بعد عمه الشيخ شرف الدين، ثم عزل نفسه، وقلع منها ضرسه.
ولم يزل على تلك الطريقة التي أخذها عن السلف، وتفرد بارتكابها في الخلف، إلى أن جاء المحاق لبدره، وانطبقت على درّته الثمينة صدفتا قبره، ففجع الناس فيه، وعدموا اللؤلؤ الذي كان يقذفه بحر علمه من فيه، وراح إلى الله على أتم سداد، وأكمل اعتداد ليوم المعاد. وكانت جنازته مشهودة، وآلاف من حضرها غير معدودة، فرحم الله روحه، ونور بالمغفرة ضريحه.
مولده في شهر ربيع الأول سنة ستين وست مئة، ووفاته في يوم الجمعة سابع جمادى الأولى في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وله نظمٌ ونثرٌ متع، لا ينحطّ في ذلك ولا يرتفع، ومنه قوله، وقد ترك الخطابة:
وإني لأستحيي من الله كُلما ... وقفتُ خطيباً واعظاً فوق منبر