بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 93

وأجاز له الحافظ المنذري، ولاحق الأرتاحي، والبهاءُ زهير، وأبو علي البكري.
وخرج له التقي عبيد مشيخة، وحدث قديماً، وسلك طريقاً قويماً.
وأخذ عنه المصريون وسمعوه، وارتضوه وما دفعوه، وزان بالرواية زمانه، ورصع دره في تاجها وجمانه، إلى أن أدركته الوفاة، وختم الموتُ نطقه وفاه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة. وولد سنة تسعٍ وأربعين وست مئة.

إبراهيم بن علي بن خليل الحراني
المعروف بعين بصل.
كان على ما اشتهر من أمره عامياً حائكاً أمياً، وله الشعر المقبول، والطبعُ الذي هو على القريض مجبول.
أناف على الثمانين من عمره، ولم يخمد توقد جمره. نظر يوماً بعض أصحابه إلى امرأة برزت بصفحة بدر في حندس، وغرست فوق خدها زهرة نرجس، فسأله أن ينظم في ذلك شعراً، وينفسَ به كرب قلبه المغرى، فقال بديهاً، وأنشد الحاضرين فيها:


صفحه 94

غرست في الخد نرجسة ... فحكت في أحسن الصور
كوكباً في الجو متقداً ... قد بدا في جانب القمر
وذكر لي غير واحدٍ أن القاضي شمس الدين بن خلكان رحمه الله تعالى قصده واستنشده شيئاً من شعره، فقال: أما القديم فلا يليق، وأما الوقتُ الحاضر فنعم، وأنشده:
وما كل وقتٍ يسمح خاطري ... بنظم قريضٍ فائقٍ اللفظ والمعنى
وهل يقتضي الشرعُ الشريف تيمماً ... بتربٍ وهذا البحر يا صاحبي معنا
وبعض الناس يحكي أن ذلك اتفق له مع الشيخ صدر الدين بن الوكيل رحمه الله تعالى.
قلت: وليس ذلك بصحيح، فقد ذكر المؤرخون أن شميماً الحلي لما قدم إسعرد، قصده شعراؤها وأنشدوه أشعارهم، وكان فيهم من أنشده شعراً استكثره عليه وقال: انظم الآن لي شيئاً فأنشده ذلك الرجل في الحال، وهذا هو الصحيح، لأن شميماً الحلي توفي بالموصل سنة إحدى وست مئة، ولم يكن عين بصل قد خلق.
وكان عين بصل فقيراً يهبه الناسُ قماشاً، وما يكلفونه معاشاً، وكان يلبس القطعة مدة، وإذا أفلس باعها، ومد إليها كف نفقته وباعها، فلامه بعضُ الناس على


صفحه 95

هذا الاعتماد، وقال: هذا موجب لأن يسوء منهم فيك الاعتقاد، فأنشده ارتجالاً وقال له لا تمتلي مني ملالاً:
وقائل قال إبراهيمُ عينُ بصل ... أضحى يبيعُ قباً للناس بعد قبا
فقلت مه يا عذولي كم تعنفني ... لو جعت قدتُ ولو أفلست بعت قبا
ومما ينسب إليه قوله في الشبكة والسّمك: كم كبسنا بيتاً كي نمسك السكانَ منه في سائر الأوقاتِ فمسكنا السكانَ وانهزم البيتُ لدينا خوفاً من الطاقات قلت: وقد رأيتهما أيضاً لغيره.
ولم يزل في اكتسابه، وتعاطيه للشعر وانتسابه، وتوكله على بر الناس له واحتسابه، يخبط بين الحكياة والحكاية، وينقلب من الشكر إلى الشكاية، إلى أن رقد فما انتبه، وعتب صاحبه الموتَ فيه فما أعتبه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة.
ومن شعره الذي نسب إليه قوله:
جسمي بسقمِ جُفونه قد أسقما ... ريم بسهم لحاظه قلبي رمى
كالرمح معتدلُ القوام مهفهفٌ ... مر الجفا الكنّه حلو اللمى
رشأ أحل دمي الحرامَ وقد رأى ... في شرعهِ الوصل الحلالَ محرما


صفحه 96

رب الجمال بوصله وبهجره ... ألقى وأصلى جنةً وجهنما
عن ورد وجنته بآس عذاره ... وبسيف نرجسِ طرفه الساجي حمى
عاتبته فقسا، وفيتُ فخانني ... قربُته فنأى، بكيت تبسماً
حكمته في مهجتي وحشاشتي ... فجنى وجار علي حين تحكما
يا ذا الذي فاق الغصون بقده ... وسما بطلعته على قمر السما
رفقاً بمن لولا جمالك لم يكن ... حلفُ الصبابة والغرامِ متيماً
أنسيت أياماً مضت وليالياً ... سلفت وعيشاً بالصريم تصرما
إذ نحن لا نخشى الرقيب ولم نخف ... صرف الزمان ولا نخاف اللوما
والعيش غض والحواسدُ نومٌ ... عنا وعينُ البين قد كحلت عما
في روضةٍ أبدت ثغور زهورها ... لما بكى وبها الغمامُ تبسّما
مدّ الربيعُ على الخمائل نوره ... فيها فأصبح كالخيام مخيما
تبدو الأقاحي مثل ثغر مهفهف ... أضحى المحبُّ به كئيباً مغرما
وعيونُ نرجسها كأعيان غادةٍ ... ترنو فترمي باللواحظ أسهما
وكذلك المنثورُ منثورّ بها ... لما رأى ورد الغصون منظما
والطيرُ تصدح في فروع غصونها ... سحراً فتوقظ بالهديل النوما
والراح في راح الحبيب يديرها ... في فتية نظروا المسرة مغنما
فسقاتُنا تحكي البدور، وراحنا ... تحكي الشموسَ، ونحن نحكي الأنجُما
قلت: وشعره كله من هذه النسبة - كما تراه - غيرُ متلاحم النسج، ولا مستقيمُ النهج.


صفحه 97

إبراهيم بن علي القاضي جمال الدين بن شمس الدين ابن شيخ السلامية الكاتب.
تصرف في المباشرات الديوانية، والوظائف السلطانية، تارة بجبل صيدا ناظرا وتارة ببرّ دمشق، وإن في المدينة حاضراً، وتارة بحمص في نظر ديوانها، والتقدم على أعيانها. ثم انتقل إلى الخزانة العالية بالقلعة، ونفق فيها من العمر سلعه، إلى أن سكن فما تحرك، واطمأن في قبره وتورّك.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة.

إبراهيم بن علي بن أحمد بن حمزة بن علي
الشيخ المسند جمال الدين ابن الجنوبي - نسبة إلى الجنوب - التغلبي الدمشقي.
كان من بيت عدالة ورواية، وكلف بالحديث وعني به، وكان مع ذلك فراشاً معتبراً في هذه الحرفة، والصناعة الصرفة، وسكن مصر وروى بها، ومشى في طرق الرواية وروى بها، وأسمع بدمشق أيضاً، فسمع منه الذهبي ومن عداه، ولبوا نداءه وأجابوا صداه.


صفحه 98

وكان يروي عن ابن اللتي، وبالإجازة عن محمود بن منده ومحمد بن عبد الواحد المديني. ولم يزل على حاله إلى أن ضربت خيمة كفنه، ولم يغن عنه صحة رأيه ولا أفنه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة.

إبراهيم بن علي بن أحمد بن يوسف بن علي بن إبراهيم
قاضي القضاة الحنفي، برهان الدين ابن القاضي كمال الدين بن القاضي شهاب الدين الدمشقي، وهو سبط الشيخ ضياء الدين أبي المحاسن عبد الحق بن خلف بن عبد الحق الواسطي.
قرأ على والده القرآن وتفقه على الشيخ ظهير الدين الرومي، والشيخ شرف الدين الفزاري والشيخ زين الدين بن المنجا.
وقرأ العربية على الشيخ مجد الدين التونسي والشيخ نجم الدين بن ملي.


صفحه 99

وقرأ الأصول على الشيخ صفي الدين الهندي.
ونشأ بدمشق، ودرس بها، وأذن بالإفتاء في رحلة رحلها إلى مصر سنة ست وتسعين الشيخُ تقي الدين بن دقيق العيد، وقاضي القضاة شمس الدين السروجي، وكان قد اشتهر بمعرفة كتاب الهداية وإتقانه، وتحلى منه بقلائده عقيانه، وعُرف بقيام أدلته وبرهانه.
طلب إلى مصر فولاه الملك الناصر محمد بن قلاوون قضاء القضاة الحنفية بعد شمس الدين بن الحريري سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، فأقام بمصر حاكماً عشر سنين متوالية، ونجوم سعوده في أفق الكمال متلالية، تنفذ أحكامه في كل أمير ومأمور، وتسري أوامره في العاطل والمعمور.
وكان يكلم السلطان في دسته كلاماً خشناً، وهو يُظهر له احتمالاً حسناً، وصمم عليهم أول ما دخل في الجلوس وما تم له ما أراد، ولم يكن المالكي ممن يعد معه في طراد، ثم إنه خرج هو وقاضي القضاة جلال الدين القزويني إلى الشام معاً،


صفحه 100

وأصابتهما عين الحسود فانصرعا، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وأقام هو بدمشق على حاله من غير حكم، ولا مداناة لفصحاء، ولا بكم إلى أن نزل إلى حفرته، وانهال التراب على وفرته.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء تاسع عشري ذي الحجة سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
مولده سنة ثمان وستين وست مئة.

إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الواحد
قاضي القضاة، نجم الدين أبو إسحاق ابن قاضي القضاة عماد الدين أبي الحسن بن محيي الدين أبي العباس الطرسوسي الحنفي قاضي القضاة بدمشق، وسيأتي ذكر والده رحمه الله تعالى في مكانه من حرف العين.
مولده في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. ووفاته رحمه الله تعالى يوم السبت بعد الظهر، وصلي عليه بالجامع الأموي بعد العصر، ودفن آخر النهار المذكور رابع شعبان سنة ثمان وخمسين وسبع مئة بالمزة. وكانت جنازة حافلة، بها الحكام والعلماء والأمراء، وصلى عليه ملك الأمراء الأمير علاء الدين أمير علي المارديني إماماً برّا باب النصر، وعاده في يوم سبت، وهو بالمزة ضعيف في هذه المرضة.
وكان قاضي القضاة نجم الدين رحمه الله تعالى ملء منصبه، بالغاً بحسن سعيه نهاية أمله وغاية مطلبه، نافذ الأحكام والقضايا، عارفاً باستخراج النكت في الوقائع من خبايا الحنايا، عليه تؤدة وحسن سمت، وله مهابة وطول صمت، ولم تعد له في