الصالحية والطاحون والأراضي: مئة ألف وخمسة وعشرون ألف درهم.
راسليتا ومزارعها: مئة وخمسة وعشرون ألف درهم.
القصيبة: أربعون ألف درهم.
القريتين المعروفة إحداهما بالمزرعة والأخرى بالبينسية: تسعون ألف درهم.
هذا كله خارج عن الأملاك ووجوه البر بصفد وعجلون والقدس ونابلس والرملة وجلجولية والديار المصرية، لأنه عمر بيمارستاناً بصفد مليحاً، وبعض أوقافه بها، وعمر بالقدس رباطاً وحمامين وقيسارية، وله بجلجولية خان مليح إلى الغاية أظنه سبيلاً، وله بالرملة، وله بالقاهرة في الكافوري دار عظيمة وإصطبل وحمام وحوانيت.
وكان رحمه الله قد اعتمد في حياته شيئاً ما سمعنا به عن غيره، وهو أنه استخدم كاتباً بمعلوم يأخذه في كل شهر من عين وغلة، ليس له شغل ولا عمل غير ما يدخل خزانته من الأموال ويستقر له، فإذا حال الحول على ذلك الواصل، عمل أوراقاً بما يجب عليه صرفه من الزكاة، وتعرض الأوراق عليه، فيأمر بإخراجه وصرفه إلى ذوي الاستحقاق.
وكان إذا جلس في الخدمة يقعد ويرفع يديه، ويدعو سراً بما يحب، ويمسح وجهه، ثم بعد ذلك يفتح الدواة، ويأخذ القلم، ويضعه على ظفر إبهامه اليسار، ويفتح شقته، ويقبل على كاتب السر ويقرأ القصص عليه، وإذا أراد فراغ الخدمة طبق الدواة، فيقول الحاجب: بسم الله استريحوا. وإذا علم في كل يوم فهو الدستور للناس أجمعين.
إذا خرج كاتب السر لا يبقى بدار السعادة أحد من أرباب الخدم، وكان أخيراً لا يدخل عليه العلامة إلا أربعين علامة بالعديد من غير زيادة، وكان أخيراً إذا توجه إلى الصيد لا يعود يمسك قلماً ولا يعلم علامة، بل قبل السفر يكتب جميع ما يحتاج إليه من الأجوبة، والكتب المطلقة والتسامير وأوراق الطريق والمطالعات إلى باب السلطان، ويدخل بها في يومين ثلاثة وهي مسطرات، يتعلم على الجميع إلى أن يتكامل ما يريده كاتب السر.
وكان يعظم أهل العلم، وإذا كانوا عنده واجتمع بهم لا يسند ظهره إلى الحائط، بل ينفتل ويقبل وجهه، ويوادهم ويؤنسهم، أعني غير القضاة، ويقول: حلت علينا البركة. فالله يكرمه في جواره، ويجيره في يوم الموقف من دار بواره بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وقلت أرثيه، رحمه الله تعالى:
كذا تسري الخطوب إلى الكرام ... وتسعى تحت أذيال الظلام
وتغتال الحوادث كلّ ليثٍ ... هزبرٍ عن فريسته محام
وتبذل بعد عزٍّ وامتناعٍ ... وجوهٌ لم تعرّض للّطام
فكم ملكٍ غدا في الأرض دهراً ... وآل إلى انتقالٍ وانتقام
إذا ما أبرم المقدور أمراً ... رأيت الصّقر من صيدا الحمام
وهل يرجى من الدنيا رفاءٌ ... ولم تطبع على رعي الذمام
إذا ضاقت جوانحنا بهمٍّ ... توسّعه بأنواع السّ؟ قام
أقال الله عثرتنا فإنّا ... رمانا الدّهر في شرّ المرامي
وردّ الله عقبانا لخيرٍ ... فقد أمسى الزمان بلا زمام
تنكّر يوم تنكز كّل عرف ... وسام الذلّ فينا كلّ سام
ومال إلى المدينة كلّ مولى ... وحام على الرزية كلّ حام
وأذهل يومه الألباب حتّى ... كأنّا فيهب صرعى بالمدام
بكيت دمشق لمّا غاب عنها ... وأوحش أفقها بدر التّمام
فيا تمزيق شمل العدل فينا ... ويا تفريق ذاك الإنتظام
ويا لمصيبةٍ بدمشق حلّت ... شدائدها بأحداث عظام
فكم من مقلة للحزن تجري ... مدامعها بأربعةٍ سجام
رعاه الله من راعٍ أمينٍ ... أنام بعدله عين الأنام
وكفّ حوادث الأيّام عنهم ... فلم تطرق حماهم بانتقام
وكيف ينوبهم خطبٌ ملمٌّ ... وناب الدّهر فيهم غير نام
حنوٌّ زاد في إفراط برٍّ ... يسكّن برده لهب الضّرام
وتدبيرٌ خلا عن حظّ نفسٍ ... وناب الرّعب فيه عن الحسام
ودستٌ حكمه في دار عدلٍ ... تأيّد بالملائكة الكرام
وكم جبّار قومٍ ذي عتوٍّ ... تهيّب أن يراه في المنام
يساوي عنده في العدل بين ال ... كرام الغرّ والسّود اللئام
وهيبته سرت شرقاً وغرباً ... وشاعت عنه في مصرٍ وشام
يراع المغل في توريز منه ... ويطرق أرضهم في كلّ عام
وكم قطع الفرات وصاد حتّى ... توغّل في فضا تلك المرامي
إذا ما قيل هذا اللّيث وافى ... مضوا هرباً كأمثال النّعام
فرائسه فرائصها تراها ... دوامي لا تزال على الدّوام
ولم نر قبله ليثاً أتته ... أفاعي القيد تنذر بالحمام
وقد رقت لنا فتئنّ حزناً ... عليه في القعود وفي القيام
ألا فاذهب سقيت أبا سعيدٍ ... فقد روّى زمانك كلّ ظام
فأنت وديعة الرّحمن منّا ... تحوطك في الرّحيل وفي المقام
وليت فلم تخن لله عهدا ... ولم تجذبك فيه عرى الملام
وحاشى أن يراك الله يوماً ... تعدّيت الحلال إلى الحرام
ونلت من السّعادة والمعالي ... منالاً حاز غايات المرام
وكنت إذا دجا ليل القضايا ... وكانت من مهمّاتٍ جسام
تفرجّها بقولٍ منك فصلٍ ... لأنّ القول ما قالت حذام
وكنت تحبّ نور الدّين طبعاً ... لأنّكما سواءٌ في التزام
رعيت كما رعى وحميت ما قد ... حمى نفديك من راع وحام
بقيت ممتّعاً بالخلد حتّى ... يقوم النّاس من تحت الرّجام
ولما كان في أوائل شهر رجب الفرد سنة أربع وأربعين وسبع مئة، حضر تابوته من الإسكندرية إلى دمشق، ودفن - يرحمه الله تعالى - في تربته التي تجاور جامعه بدمشق فقلت:
إلى دمشق نقلوا تنكزا ... فيالها من آية ظاهرة
في جنّة الدنيا له جثّة ... ونفسه في جنة الآخرة
وقلت أيضاً:
في نقل تنكز سرٌّ ... أراده الله ربّه
أتى به نحو أرضٍ ... يحبّها وتحبّه
وقلت أيضاً كأني أخاطبه:
أعاد الله شخصك بعد دهر ... إلى بلدٍ وليت فلم تخنها
أقمت بها تدبّرها زمانا ... وتأمر في رعاياها وتنهى
فلا هذا الدخول دخلت فيها ... ولا ذاك الخروج خرجت منها
تنكز بغا
الأمير سيف الدين المارداني، أمير مجلس الناصري.
كان حظيا عند الملك الناصر حسن، والسعد في يده يصرفه بزمام ورسن. بالغ في تقريبه، واعتمد على عقله وتجريبه، فنوله ما شاء من وجاهه، وخوله فيما أراد من فضل ونباهه. إلا أنه في آخر أيامه اعتل، ورماه السقم بدائه وانسل. فلم يزل يقوم ويبرك، ويسكن ويحرك، إلى أن اختطفه كاسر المنيه، واجتحفه سيل المنيه.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في شوال سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
كان في أيام الملك الناصر حسن الأولى مشد الشرابخاناه، ولما أمسك الوزير منجك وجرى ما جرى، أعطي إمرة مئة، وتقدمة ألف، واختص بالملك الناصر، وصارت له المنزلة العلية عنده، فخرج الأمير علاء الدين مغلطاي، وطاز على السلطان وركبا إلى قبة النصر، وجهز إليه: أن جهز إلينا النمجا وتنكز بغا، فجهز إليهما ما طلباه وخلعاه، وجرى ما جرى.
ثم لما ملك الملك الصالح صالح، أفرج عنه، وحضر معه إلى الشام في واقعة بيبغاروس، ولما عاد إلى مصر رسم له بإمرة مئة فارس وتقدمة ألف، وعظم شأنه، وارتفع قدره في الدولة الناصرية الثانية، وعين لنيابة الشام مرات، فما اختار ذلك.
ثم إنه تعلل وطال مرضه قريباً من سنة إلى أن ورد الخبر بوفاته رحمه الله تعالى في شوال سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
توبة
ابن علي بن مهاجر بن شجاع بن توبة: الصاحب تقي الدين أبو البقاء الربعي التكريتي. المعروف بالبيع.
كان أولاً تاجراً، حضر إلى البلاد وتعرف بالسلطان الملك المنصور وهو أمير قبل الملك، فلما آل الأمر إليه ولاه وزارة الشام مدة، ثم إنه عزله، ثم تولى وصودر غير مرة، ثم يسلمه الله تعالى.
وعمر لنفسه تربة مليحة تصلح للملك، وكان يظلم الناس ويعسف، ويهيل كثبان الأموال وينسف، إلا أنه مع ظلمه فيه مروءه، وعنده من الإسلام بقايا رحمة مخبوءه، وتقريب لأهل الصلاح، وادخار من دعاء الفقراء، فإنه أوقى جنة وأمضى سلاح.
ولم يكن له باطن ينطوي على غش، ولا يسكن الخبث معه في عش، وفيه سماح ومزاح غير مزاح، وكرم يباري به الرياح، وحسن خلق يصفو به كدر الماء،
ويتلعب بالقلوب تلعب الأفعال بالأسماء، يقتني الخيول المسومه، والمماليك الملاح الذين وجوههم أقمار على رماح مقومه.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءت نوبة توبه، وسقاه غمام الحمام صوبه.
ووفاته رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده يوم عرفة سنة عشرين وست مئة ودفن بتربته.
يقال إنه كان عنده مملوك مليح اسمه أقطوان، فخرج يوماً آخر النهار يسير إلى وادي الربوة، ومملوكه أقطوان خلفه، فمر بمسطول وهو نائم، فلما أحس بركض الخيل فتح عينيه، وقال: يا الله توبة!، فقال: والك يا أبلم إيش تعمل بتوبة؟، واحد شيخ نحس، اطلب منه أقطوان أحب إليك.
وأظنه باشر الوزارة بعد عزل الصاحب فتح الدين بن القيسراني، فلبس التقي توبة خلعة الوزارة في تاسع القعدة سنة ثمان وسبعين وست مئة، ثم قبض عليه في خامس عشري الحجة من السنة المذكورة، وأوقعت الحوطة عليه، وتولى الوزارة مجد الدين إسماعيل بن كسيرات.
ثم أفرج عنه في أول أيام حسام الدين لاجين، لما كان نائب دمشق، ثم قبض عليه أيضاً في جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وست مئة، ثم أطلق، ثم قبض عليه مرة أخرى في شهر واحد وأفرج عنه، تولى الوزارة، ثم قبض عليه في جمادى الأولى سنة ثمانين وست مئة، وتولى عوضه تاج الدين بن السنهوري. ثم إنه تولى الوزارة،
ولم يزل بها إلى أن عزل بالصاحب يحيى بن النحاس في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وست مئة. وتوجه إلى مصر في شهر رجب، وأوقعت الحوطة على أمواله وأملاكه، ثم عاد إلى دمشق فتولى الوزارة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وست مئة.
ثم إنه طلب إلى مصر هو وقاضي القضاة حسام الدين الحنفي وشمس الدين بن غانم سنة سبع وثمانين وست مئة، وعادوا في جمادى الأولى.
وفي شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وست مئة صادره الشجاعي بدمشق بعد حضور السلطان من فتح طرابلس فآذاه وأخرق به. ثم إنه توجه إلى مصر وعاد وزيراً في المحرم سنة تسعين وست مئة.
ولما عاد الأشرف من فتوح عكا إلى دمشق قبض عليه وعلى طوغان المشد، وجماعة من الكتاب. وأفرج عنه في شهر رجب سنة تسعين وست مئة، وصرف عن الوزارة بالصاحب شهاب الدين أحمد الحنفي يوم العيد الأضحى سنة خمس وتسعين وست مئة.
وفي شهر ربيع الأول تولى الوزارة التقي توبة عوضاً عن شهاب الدين الحنفي في سنة ست وتسعين وست مئة.