بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 191

في قيصرية، فتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة ثمان وأربعين وسبع مئة. وكتب أبوه إلى صاحب ماردين؛ يقول له: إن لي ابناً آخر يصلح لزواجها، وأعطاها مدينة خرتبرت.

حسن بن أقبغا بن إيلكان
بعد الهمزة ياء، آخر الحروف ساكنة ولام وكاف وألف بعدها نون: النوين الكبير الشيخ حسن بك الكبير الحاكم ببغداد والعراق، أبعد في أيام بوسعيد، وكان الناس في داخل حرمه، وهو بالوصيد، وجرت له حروب، وخطبته من الأيام خطوب، وكربت له منه كروب، ومرت به من المحن أنواع وضروب، ووجد بعد بوسعيد شدائد، وتلقى ضربات النكبات حدائد؛ وكافح طغاي بن سوتاي، وإبراهيم شاه وأولاد تمرتاش وغيرهم؛ وأقر له النصرة عليهم، وأطار طيرهم، وناصح المسلمين وما داجى، وصرح بالمحبة وما حاجى.
ولم تزل كتب ملوك مصر تفد إليه بالمبرات، وترد عليه بالمسرات، وتجهز له التشاريف، ويعظم في العنوانات والتعاريف، ورسله هو ما تنقطع ولا قصاده، وزراع وده المنجب وحصاده.
ولم يزل على حاله إلى أن ورد الخبر بوفاته في شعبان سنة سبع وخمسين وسبع مئة.
وجلس ولده الشيخ سيف الدين أويس مكانه في الحكم على بغداد.
وهذا الشيخ حسن الكبير إنما عرف بهذا فرقاً بينه وبين الشيخ حسن بن تمرتاش، وسيأتي ذكره.


صفحه 192

وكان الشيخ حسن الكبير أولاً زوج الخاتون بغداد بنت جوبان، فلم يزل به بوسعيد القان إلى أن أخذها منه بعدما أتت من الشيخ حسن بابنه الأمير إيلكان، ولم يزل الشيخ حسن مبعداً إلى أن توفي بوسعيد رحمه الله تعالى، فملك بغداد ونزل بها، وأقام فيها، وجرت له مع المذكورين حروب كثيرة ونصره الله عليهم، ولم يزل مروعاً من أولاد تمرتاش وهو المنصور، ثم إنه تزوج الخاتون دلشاذ بنت دمشق خواجا بن جوبان الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مكانه.
وجرى في أيامه ببغداد الغلاء العظيم، حتى أبيع الخبز على ما قيل بصنج الدراهم، ونزح الناس عن بغداد؛ وعدم منها حتى الورق، وكان يجلب منها إلى الشام ومصر وغيرهما، ولما أظهر العدل وأمن الناس تراجع الناس إليها وذلك سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وفي أوائل سنة تسع وأربعين وسبع مئة توجه إلى ششتر ليأخذ من أهلها قطيعة كان قد قررها عليهم، فلما أخذها وعاد وجد نوابه في بغداد قد وجدوا في رواق العزيز ببغداد ثلاث جباب نحاساً مثل جباب الهريسة، طول كل جب ما يقارب الذراعين والنصف، وهي مملوءة ذهباً مصرياً وصورياً ويوسفياً، وفي بعضه سكة الإمام الناصر، وكان زنة ذلك أربعة آلاف رطل بالبغدادي، يكون ذلك مثاقيل خمس مئة ألف مثقال.

الحسن بن تمرتاش بن جوبان
المعروف بالشيخ حسن، تقدم ذكر والده وجده في مكانهما.
كان هذا الشيخ حسن داهية ولم يكن ذاهبه، بعيد الغوص في الفكر والغور،


صفحه 193

مخادعاً، لا جرم أن أمست أيامه ذاهبه، ويشتغل بحيل ما تحكى عن البطال، ويفكر ذب خدع سحابه منه هطال، وكان يدخل إلى الحمام ويخلو بنفسه فيها اليوم واليومين والثلاث، وهو يفكر فيما يرتبه من المكر والاجتهاد والاكتراث، وقيل إنه مرة شرب دماً وقاءه، ليرتب على ذلك حيلا، وينال بها ممن يريد مقصوداً وأملا، وزاد بطشه، وصح في الحيل نقشه، وأفنى جماعة من كبار المغول، واغتالهم من فتكه غول، وشوش على المسلمين، قتل أهل تلك البلاد، وأضجر قومه من الإغارات والجلاد.
ولم يزل على حاله إلى أن قيل: إنه تهدد زوجته مرة فخبأت عندها خمسة من المغل فأصبح مخنوقا، وأظهر أنه وجد مشنوقا، فوضع في تابوت ودفن بتربته التي أنشأها بتوريز، وراح كما راح أمس الدابر، ودخل في زمرة من دخل في الزمن الغابر، ولم ينتطح في أمره عنزان ولا اختلفت فيها مقادير ولا أوزان، وكفى الله المسلمين منه شراً كبيراً، " وكان الله على كلِّ شيء قديراً ".
وجاء الخبر بوفاته في شهر رجب سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
وكان يقول أولاً: ما يمنعني من دخول الشام ودوسه إلا هذا تنكز، وقد حصلت له إحدى عشرة حيلة إن لم يرح بهذه وإلا راح بهذه! فما كان إلا أن جاء رسوله القاضي تاج الدين قاضي شيراز، وتوجه إلى السلطان الملك الناصر محمد، وكان مما قاله: إن تنكز طلب الحضور إلى عندي، فاستوحش السلطان من تنكز رحمه الله تعالى وتغير عليه، وكان السبب في ذلك هذا الكلام، والله أعلم، ولما أمسك تنكز، قال: والله أنا كنت أعتقد أن قلع هذا تنكز صعب، وقد راح الآن بأهون حيلة، وعند الله تجتمع الخصوم.


صفحه 194

الحسن بن رمضان
الإمام العالم الفاضل القاضي حسام الدين القرمي الشافعي، أبو محمد قاضي القضاة بصفد وطرابلس، ابن الشيخ الإمام العالم الخطيب معين الدين أبي الحسن.
كان فاضلاً ذكيا، واضح المحيا بهيا، حسن الوجه مديد القامه، ترف الجسم عليه وسامه، بسام الثغر ضحوكا، جميل المنظر كأنما ألبس وشياً محوكا، جيد البحث والنظر، شديد الإصابة إذا فكر وادكر. يعرف العربية وغوامض مسائلها، والأصول ومآخذ وجوهها وتقرب وسائلها.
ولم يزل إلى أن حسم الحسام، ووقع في أشراك المنية وحبائلها الجسام.
وتوفي رحمه الله تعالى في طرابلس في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وسبع مئة.
وكان قد قدم إلى صفد على قضاء القضاة بها إلى أيام الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، وأقام بها مدة وهو فقير لا يملك شيئاً، ثم إنه ثور نعمة موفورة واقتنى أملاكاً، ونقل إلى قضاء القضاة بطرابلس في ذي القعدة سنة ست عشرة وسبع مئة، فأقام بها مدة، وبنى حماماً عجيباً في طرابلس، وهو بها مشهور، وغير ذلك من الأملاك.
وكان قد طلب إلى مصر على البريد في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، فأقبل السلطان عليه وزاده وأعاده، ثم إنه عزل ووصل إلى دمشق وأقام بها وأقبل على شأنه، وولي تدريس الرباط الناصري بالجبل، وعكف على الاشتغال وسماع الحديث وعلومه، ولم يزل على خير.


صفحه 195

اجتمعت به غير مرة، وجرت بيني وبينه مباحث في العربية وغيرها، وكان ذهنه في غاية الجودة والصحة. ولما كان في صفد وقع بينه وبين شيخنا نجم الدين بن الكمال خطيب صفد منازعة في مسألة إعراب، وأخذه بها في خطبته، وأصر الشيخ نجم الدين على مخالفته، وكتب إليه رسالة نظماً ونثراً افتتحها بقول بعض المغاربة:
نحنح زيدٌ وسعل ... لمّا رأى وقع الأسل
وكان الشيخ نجم الدين يقول في الخطبة الثانية عند الترضي على الخلفاء الراشدين: المكنى بأبي بكر الصديق وأبي حفص وأبي عمرو، ولا ينون بكراً ولا حفصاً ولا عمراً، وهو وجه في أبي بكر حسن وفيما بعده ضعيف.

الحسن بن عبد الرحمن
القاضي الصدر سعد الدين بن الأقفهسي، بهمزة وقاف ساكنة، وفاء مفتوحة، وهاء بعدها سين مهملة، والناس يقولون: الأقفاصي.
كان ناظر الخزانة بالديار المصرية؛ وله مكانة عند السلطان والدولة؛ وقدم دمشق، وسمع الحديث بقراءة الشيخ علم الدين البرزالي، وعاد إلى القاهرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في آواخر ذي الحجة، سنة خمس عشرة وسبع مئة، وتولى عوضه الصاحب ضياء الدين النشائي.


صفحه 196

الحسن بن شرفشاه
هو الإمام العلامة السيد ركن الدين أبو محمد العلوي الحسيني الأستراباذي، عالم الموصل، ومدرس الشافعية، وهو من كبار تلاميذ نصير الدين الطوسي.
وكان السيد ركن الدين معظماً عند التتار، مبجلاً في تلك الديار، وافر الجلاله، وافي البساله، له على التتار إدرارات، وفي معاملاتهم وجهاتهم قرارات، بحيث إنها تبلغ في الشهر ألفاً وخمس مئة درهم، هذا مع الوجاهه، والتلقي بالرضا لا بالكراهه.
وكان فاضلاً مصنفا، كاملاً في علومه للأسماع مشنفا، يبحث ويدقق، ويغوص على المعاني ويحقق، يواخد الحدود والرسوم، ويشامخ في الألفاظ وموضوعاتها بين أهل الفهوم، ويمزج المنقولات بالمعقولات، ويرد المطلقات إلى المعقولات، فلذلك جاءت تصانيفه فجادت، وعاجت عن طريق الخمول وحادت، واشتهرت بين الفضلاء الأكابر، وشركتها ألسن الأقلام في أفواه المحابر.
ولم يزل على حاله إلى أن هدم الموت ركنه، ورماه بعد الفصاحة باللكنه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس عشرة وسبع مئة؛ وله سبعون سنة.
وكان يوصف بحلم زائد وتواضع كثير بحيث إنه كان يقوم للسقاء إذا دخل داره. وتخرج به جماعة من الأفاضل، إلا أنه كان لا يحفظ القرآن على ما قيل، وصنف


صفحه 197

شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح مقدمتي ابن الحاجب، وشرح الحاوي في المذهب شرحين.

الحسن بن عبد الرحمن بن عمر
بن الحسن ابن علي بن إبراهيم بن محمد بن مرام
التيمي الأرمنتي الشافعي وأرمنت، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم وسكون النون وبعدها تاء ثالثة الحروف.
كان حسن الأخلاق، يجود في السعد والإملاق، خير كريم، لا يرحل عن مغنى الجود ولا يريم، تولى قضاء أرمنت، فما أتى قضيةً إلا وقيل له: أحسنت.
ولم يزل على حاله إلى أن تجرع كأس فقده، وانحل نظام عقده.
وتوفي رحمه الله تعالى بقوص سنة ست وثلاثين وسبع مئة؛ وحمل إلى أرمنت، ودفن بها.
ومولده سنة سبع وثمانين وست مئة بأرمنت.
قال كمال الدين جعفر الأدفوي: ولما مررت بأرمنت زرت قبره بظاهرها، ولم أدخل البلد، وقلت:


صفحه 198

أتينا إلى أرمنت فانهلّ وابلٌ ... من الدّمع أجراه الكآبة والحزن
وجاوزتها كرهاً وأيّ إقامة ... بمغنىً رعاه الله ليس به حسن
فتىً كان يلقاها ببشرٍ وراحةٍ ... ولم نخش منه لا ملالاً ولا منن
ومن شعر قاضي أرمنت المذكور:
بكفّك الثقتان الخُبر والخَبر ... بأنّك البغيتان السول والوطر
وفيك أثبتت الدعوى بيّيّنةٍ ... أقامها الشاهدان العين والأثر
يمنك يمنٌ فكم ذا قد حوت ملحا ... يحار في وصفها الألباب والفكر
ندىً وليناً وتقبيلاً فواعجباً ... أمزنةٌ أم حريرٌ أم هي الحجر
قلت: شعر قاض.

أبو الحسن بن عبد الله
ابن الشيخ غانم بن علي بن إبراهيم النابلسي: الشيخ الفاضل السيد القدوة.
كان رجلاً صالحاً فاضلا، عاملاً بما يعلمه من أمر دينه عاقلا، غافلاً عما عنده غيره راحلا، راجلاً في أمر آخرته، فارساً في تحصيل ما ينفعه في ساهرته، كثير السكون، والميل إلى أهل الصلاك والركون، بادي التقشف، ظاهر الحال، زائد التكشف، حسن المحاضره لطيف المذاكره، كثير الاتضاع غزير الانطباع، له شعر لطيف، وكلام في الطريقة ظريف، وفكر لا يجيد به عن الصواب ولا يحيف، وله تطلع وافر إلى علم الفروع ومسائل الفقه التي تروق ولا تروع.