شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح مقدمتي ابن الحاجب، وشرح الحاوي في المذهب شرحين.
الحسن بن عبد الرحمن بن عمر
بن الحسن ابن علي بن إبراهيم بن محمد بن مرام
التيمي الأرمنتي الشافعي وأرمنت، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم وسكون النون وبعدها تاء ثالثة الحروف.
كان حسن الأخلاق، يجود في السعد والإملاق، خير كريم، لا يرحل عن مغنى الجود ولا يريم، تولى قضاء أرمنت، فما أتى قضيةً إلا وقيل له: أحسنت.
ولم يزل على حاله إلى أن تجرع كأس فقده، وانحل نظام عقده.
وتوفي رحمه الله تعالى بقوص سنة ست وثلاثين وسبع مئة؛ وحمل إلى أرمنت، ودفن بها.
ومولده سنة سبع وثمانين وست مئة بأرمنت.
قال كمال الدين جعفر الأدفوي: ولما مررت بأرمنت زرت قبره بظاهرها، ولم أدخل البلد، وقلت:
أتينا إلى أرمنت فانهلّ وابلٌ ... من الدّمع أجراه الكآبة والحزن
وجاوزتها كرهاً وأيّ إقامة ... بمغنىً رعاه الله ليس به حسن
فتىً كان يلقاها ببشرٍ وراحةٍ ... ولم نخش منه لا ملالاً ولا منن
ومن شعر قاضي أرمنت المذكور:
بكفّك الثقتان الخُبر والخَبر ... بأنّك البغيتان السول والوطر
وفيك أثبتت الدعوى بيّيّنةٍ ... أقامها الشاهدان العين والأثر
يمنك يمنٌ فكم ذا قد حوت ملحا ... يحار في وصفها الألباب والفكر
ندىً وليناً وتقبيلاً فواعجباً ... أمزنةٌ أم حريرٌ أم هي الحجر
قلت: شعر قاض.
أبو الحسن بن عبد الله
ابن الشيخ غانم بن علي بن إبراهيم النابلسي: الشيخ الفاضل السيد القدوة.
كان رجلاً صالحاً فاضلا، عاملاً بما يعلمه من أمر دينه عاقلا، غافلاً عما عنده غيره راحلا، راجلاً في أمر آخرته، فارساً في تحصيل ما ينفعه في ساهرته، كثير السكون، والميل إلى أهل الصلاك والركون، بادي التقشف، ظاهر الحال، زائد التكشف، حسن المحاضره لطيف المذاكره، كثير الاتضاع غزير الانطباع، له شعر لطيف، وكلام في الطريقة ظريف، وفكر لا يجيد به عن الصواب ولا يحيف، وله تطلع وافر إلى علم الفروع ومسائل الفقه التي تروق ولا تروع.
ولم يزل على حاله إلى أن انفرد عن ذويه قهرا، وأودع بالرغم منهم قبرا.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء رابع ذي القعدة سنة سبع وسبع مئة.
ومولده بنابلس سنة أربع وأربعين وست مئة.
ودفن بالصالحية في التربة المعروفة بالشيخ عبد الله الأرموي، وكان قد سمع من ابن عبد الدائم وعمر الكرماني.
الحسن بن عبد الكريم
بن عبد السلام ابن فتح الغماري المغربي ثم المصري
الشيخ الإمام العالم المقرىء المجود الصالح المعمر، بقية المسندين أبو محمد المالكي الملقن المؤدب سبط زيادة بن عمران.
كان تلا بالروايات على أصحاب أبي الجود؛ وسمع من أبي القاسم بن عيسى جملةً صالحة، وكان آخر من حدث عنه.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: بل ما روى لنا عنه سواه. وكان عنده التيسير والتذكرة والعنوان في القراءات وكتاب المحدث
الفاصل للرامهرمزي، وكتاب الناسخ والمنسوخ لأبي داود، وعده أجزاء وسمع الشاطبيتين من أبي عبد الله القرطبي تلميذ الشاطبي، وتفرد بمروياته.
وروى عنه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، والعلامة أبو حيان، والحافظ فتح الدين بن سيد الناس والوافي وابن الفخر.
وكان شيخاً متواضعا، مزجياً لأوقاته مدافعا، طيب الأخلاق، يمرح فيما ارتداه من الجديد والأخلاق.
ولم يزل على حاله إلى أن نقص سبط زياده، وعدم الناس من الرواية والإفاده.
وتوفي رحمه الله تعالى بمصر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
الحسن بن علي
الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين، أبو علي بن عضد الدولة الحسن أخي المتوكل على الله ملك الأندلس أبي عبد الله محمد ابني يوسف بن هود.
كان الشيخ فاصلاً قد تفنن، وزاهداً قد تسنن، وعاقلاً استغرق فراح غافلاً
تجنن، عنده من علوم الأوائل فنون، وله طلبة وتلاميذ وأصحاب وزبون، فيه انجماع عن الناس وانقباض، وانفراد وإعراض عما في هذه من الأعراض.
وكان لفكرته غائباً عن وجوده، ذاهلاً عن بخله وجوده، لا يبالي بما ملك، ولا يدري أيةً سلك، قد اطرح الحشمه، وذهل عما ينعم جسمه، ونسي ما كان فيه من النعمه، يلبس قبع لباد ينزل على عينيه، ويغطي به حاجبيه، ويواري جسده بما يقيه، ولا يحذر برداً ولا حراً، ولا يتقيه.
وكان يمشي في الجامع الأموي وسبابته قد رفعها، وينظر في وجوه الناس كأنهم ذروة ما فرعها.
ولم يزل على حاله إلى أن برق بصره، وألجمه عيه وحصره.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة، وصلى عليه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ودفن بسفح قاسيون.
ومولده بمرسية سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وكانت وفاته في شعبان.
أخبرني العلامة أثير الدين أبو حيان، قال: رأيته بمكة وجالسته، وكان يظهر منه الحضور مع من يكلمه، ثم تظهر الغيبة منه، وكان يلبس نوعاً من الثياب، مما لم يعهد لبس مثله بهذه البلاد، وكان يذكر أنه يعرف شيئاً من علوم الأوائل. وكان له شعر أنشدنا له أبو الحكم بن هاني صاحبنا، قال: أنشدنا أبو علي الحسن بن عضد الدولة لنفسه:
خضت الدّجنّة حتى لاح لي قبسٌ ... وبان بان الحمى من ذلك القبس
فقلت للقوم: هذا الربع ربعهم ... وقلت للسمع: لا تخلو من الحرس
وقلت للعين: غضيّ عن محاسنهم ... وقلت للنطق: هذا موضع الخرس
وقال الشيخ شمس الدين الذهبي: هو الشيخ الزاهد الكبير أبو علي بن هود المرسي أحد الكبار في التصوف على طريقة الوحدة، وكان أبوه نائب السلطنة بها عن الخليفة الملقب بالمتوكل؛ حصل له زهد مفرط وفراغ عن الدنيا، وسكرة عن ذاته وغفلة عن نفسه، فسافر وترك الحشمة، وصحب ابن سبعين، واشتغل بالطب والحكمة، وزهديات الصوفة، وخلط هذا بهذا وحج ودخل اليمن، وقدم الشام.
وكان غارقاً في الفكر عديم اللذة، مواصل الأحزان، فيه انقباض عن الناس، حمل مرة إلى والي البلد وهو سكران، أخذوه من حارة اليهود فأحسن الوالي به الظن وسرحه، سقاه اليهود خبثاً منهم ليغضوا منه.
قلت: لأن اليهود نالهم منه أذى، وأسلم على يده منهم جماعة، منهم سعيد وبركات. وكان الشيخ يحب الكوارع المغمومة فدعوه إلى بيت واحد منهم وقدموا له ذلك فأكل منه، ثم غاب ذهولاً، على عادته، فأحضروا الخمر فلم ينكر حضورها وأداروها، ثم ناولوه منها قدحاً فاستعمله تشبهاً بهم، فلما سكر أخرجوه على تلك الحالة، وبلغ الخبر إلى الوالي، فركب وحضر إليه وأردفه خلفه، وبقي الناس خلفه يتعجبون من أمره، وهو يقول لهم بعد كر فترة: أي وأيش قد جرى، ابن هود
شرب العقار، يعقد القاف كاملاً في كلامه، وفي ذاك يقول علاء الدين علي الوادعي ونقلت ذلك من خطه:
قالوا ابن هودٍ قد غدا ... سكران من خمر المعازف
وأعيذه لكنّه ... سكران من خمر المعارف
وكان اليهود يشتغلون عليه في كتاب الدلالة، وهو مصنف في أصول دينهم للرئيس موسى. قال الشيخ شمس الدين الذهبي، قال شيخنا عماد الدين الواسطي: أتيته وقلت له: أريد أن تسلكني، فقال: من أي الطرق: الموسوية أو العيسوية أو المحمدية؟ وكان إذا طلعت الشمس ويصلب على وجهه، وصحبه الشيخ العفيف عمران الطبيب وسعيد المغربي وغير واحد من هؤلاء.
قلت: الذي بلغني عنه ما أخبرني به شيخنا نجم الدين الخطيب الصفدي. قال: كان بعض الأيام يقول لتلميذه سعيد: يا سعيد أرني فاعل النهار، فيأخذ بيده ويطلع به إلى سطح، فيقف باهتاً إلى الشمس نصف نهار.
وكان يوضع في يده الجمر فيقبض عليه ذهولاً عنه فإذا أحرقه رجع إليه حسه، فألقاه من يده، وكان تحفر له الحفر في طريقه فيقع فيها ذهولاً عنها وغيبة.
ومن شعره:
فؤادي من محبوب قلبي لا يخلو ... وسرّي على فكري محاسنه تجلو
ألا يا حبيب القلب يا من بذكره ... على ظاهري من باطني شاهدٌ عدل
تجلّيت لي منّي عليّ فأصبحت ... صفاتي تنادي: ما لمحبوبنا مثل
أورّي بذكر الجزع عنه وبانه ... ولا البان مطلوبي ولا قصدي الرمل
وأذكر سعدى في حديثي مغالطاً ... بليلى ولا ليلى مرادي ولا جمل
سوى معشرٍ حلّو النظام وفرّقوا الث ... ياب فلا فرضٌ عليهم ولا نفل
مجانين إلاّ أنّ ذلّ جنونهم ... عزيز على أعتابهم العقل
ومن شعره أيضاً:
سلامٌ عليكم صدّق الخبر الخبر ... فلم يبق قال القسّ أو حدّث الحبر
خذوا خبري عنّي بقيت مشاهدا ... ذروا ما يقول الغرّ أو يفهم الغمر
خذوا عن غريب الدار كلّ غريبةٍ ... وحقّكم من دونها حُجر الحِجر
عليك سلام الله يا خير قادم ... على خير مقدوم عليه لك البِشر
عليك سلام اسلم وقيت الرّدى فدم ... على غابر الأيام لا خانك الدهر
أتيتكم مستقضياً دين وعدكم ... فمن قولهم عند القضا يعرف الحرّ
اذكّركم عهداً لنا طال عهده ... وقولكم صبراً وقد فني الصبر
فلا تحسبوا أني نسيت عهودكم ... فإني وحقّ الله عبدكم الحرّ
أأنسى عهوداً بالحمى طاب ذكرها ... ومثلي وفيٌّ لا يليق به العذر
تحييّك عنّا الشمس ما أشرقت ضحا ... يحيّيك عنا ما تبدّى لك البدر
تحيّيك عنا كلّما ذرّ شارق ... يحيّيك عنّا من غمائمه القطر
تحيّيك عنا الريح بالروح قد بدت ... يحيّيك عنا من منابته الزّهر
ألا فاعجبوا من أمرنا إنه امروٌ ... ألا فاعجبوا للقلّ من بعضه الكثر
ومنه: