كن عاذراً شاتم المؤدب إذ ... يأخذ من عرضه ويشتمه
لأنه ناكه على صغرٍ ... ومن ينيك الصغير يظلمه
وكلّ فلسٍ حواه يأخذه ... وكلّ وقت بالضّرب يؤلمه
نيكٌ وأخذٌ والضرب بعدهما ... والحقد إحدى الثلاث يضرمه
قلت: ما جزم الشرط، ولا جوابه في الثاني، ويمكن توجيه إعرابه.
ومن شعره أيضاً:
بقل هو الله أحد ... أُعيذ خدّاً قد وقد
وناظراً وسنانه ... عليه طرفي ما رقد
أقول لما زارني ... أنجز حرٌّ ما وعد
من كاسه وخدّه ... تخال ورداً قد ورد
من حمل ثقل ردفه ... ما قام إلاّ وقعد
ولا انثنى من لينه ... إلاّ وقد قلت انعقد
كالظبي إلاّ أنّه ... يفعل أفعال الأسد
في جيد من عنّفني ... عليه حبلٌ من مسد
ومن شعر:
وقد عنّفوني في هواه بقولهم ... ستطلع منه الذّقن فاقصر عن الحزن
فقلت لهم: كفّوا فإنّي واقعٌ ... وحقّكم بالوجد فيه إلى الذّقن
ومن شعره فيمن يحبها، واسمها فرحة:
ما فرحتي إلاّ إذا وصلت ... فرحة بين الكسّ والكاس
لا أن أراها وهي في مجلسٍ ... ما بين طبّاخي وعدّاس
وشعره كثير، سقت منه جانباً جيداً في ترجمته في تاريخي الكبير، وخمس لامية العجم.
واجتمعت به غير مرة وأخذت من فوائده، وكان له مكتب برا باب الجابيه، ويكتب أولاد الرؤساء في المدرسة الأمينية بجوار الجامع الأموي، وكان كتب إلي قصيدة في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة لامية ملزومة وأجبته عنها بمثلها، والتزمت فيها الميم قبل اللام، وقد ذكرتها في ألحان السواجع.
؟ الحسن بن علي بن حمد بن حميد بن إبراهيم بن شنار بفتح الشين والنون، وبعد الألف راء. البليغ الناظم الناثر بدر الدين الغزي.
شاعر إذ قلت شاعر، طاف بكعبة البلاغة وعظم تلك المشاعر، يغوص على المعنى، ويجزل الألفاظ ويحكم المبنى، وينشدك القطعة، فتحسب أنه ضرب المثلث أو جس المثنى، متين التركيب بليغ المعاني، فصيح الألفاظ، إلا أنه يستعمل الغريب فيما يعاني، فيثقل على السمع بذاك وروده، وما تروق رياحينه ولا وروده.
وكتب المنسوب مع السرعه، وراعى الأصل في وضع الحرف وفرعه، إلا أنه كان ذا خلق فيه زعاره، وبادرة ليس وراءها حقد فهي في السر معاره، فنفرت عنه بعض النفوس، ولو خلا منها وضع على الرؤوس.
ودخل ديوان الإنشاء، فكان فيه بالشام شامه، وصدق هذه الدعوى أنه كان يحكي
بلونه مداده وأقلامه، ولكن كان حر النفس أبيها، سليم الطوية غبيها، لا يكذب لسانه، ولا يطوي الغل جنانه.
ولم يزل على حاله إلى أن صادته مخالب المنيه، وعدم الناس فواكه نظمه الجنيه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الخميس حادي عشر شهر رجب الفرد، سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبع مئة.
ودخل الديوان في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان قد وضع رسالة أنشأها نظماً ونثراً وسمها ب قريض القرين، عارض بها ابن شهيد في رسالة التوابع والزوابع.
وغالب نظمه أنشدني إياه بصفد ودمشق والقاهرة، كتب إلي بالقاهرة:
ليل التجنّب من أجفاننا شهبه ... ومجدب الدمع ما كانت دما سحبه
ما لننوى أطلعت في غارب قمراً ... يقلّه البان يوم البين لا غربه
تنظّمت عبراتي في ترائبه ... عقداً كما انتثرت في وجنتي سحبه
يا من وفى الدمع إذ خان الوداد له ... غدر الحبيب وفاء الدمع أو سببه
قد كنت أحسب صبري لا يذمّ وقد ... مضى وفي ذمّة الأشواق أحنسبه
يا نازحاً سكن القلب الخفق ومن ... إحدى العجائب نائي الوصل مقتربه
ما لاح برق ولا ناحت مطوّقةٌ ... ولا تناوح من باب الحمى عذبه
إلاّ تساعد قلبي والدموع وأحنا ... ء الضلوع على شوقٍ علا لهبه
حكيت يا برق قلبي في الخفوق ولم ... يفتك إلا لهيب الوجد لا شنبه
من لي بأغيد بدر التم حين بدا ... قد ساء إذ رام تشبيهاً به أدبه
ممنّع بالذي ضمّت غلائله ... من القنا أو بما أصمت به هدبه
بين الأسنّة محجوبٌ ولو قدروا ... ما قوس حاجبه أغنتهم حجبه
سلبني بالضّنى لحمي لواحظه ... وهمّ أُسد الشرى المسلوب لا سلبه
لو لم يكن ريقه خمراً ومرشفه ... كأساً لما بات يحكي ثغره حببه
كذا ابن أيبك لولا ما حواه لما ... عن الكتائب أغنت في الورى كتبه
ذاد الأولى عن طريق المجد ثم نحا ... آثاره فقلت أجبالهم كثبه
وآب يقطف من أغصانه ثمراً ... إذا أتى غيره بالشوك يحتطبه
أقلامه فرحاً بالفضل أنملها ... كلّ يخلّق ثوب المجد مختضبه
تكاد ألسنها تمتدّ من شغفٍ ... إلى أجلّ معاني القول تقتضبه
يراعه روّعت لا مات أحرفها ... حشاء منحرفٍ لا ماته يلبه
أضحت مسبّبة الأرزاق حين حكت ... سبّابةً لعدوّ وقد وهى سببه
يا من يجيل قداح الميسر ارم بها ... وارم الفجاج ليسرٍ نجحه طلبه
واقصد جناب صلاح الدين تلق فتىً ... يهزّه حين يتلى مدحه طربه
بنت على عنق العيّوق همّته ... بيتاً تمدّ على هام السها طنبه
قد أتعبت راحتاه الكاتبين ولم ... يدركه حين جرى نحو العلى طربه
فاعجب لها راحةً تسقي اليراع ندىً ... إذا لم تكن أورقت في ظلها قضبه
تناسب الدرّ من ألفاظها وإلى ... بحر النّدا لا إلى بحر الدنا نسبه
يرضى ويغضب في حالي ندىً وردىً ... وبين هذين منهول الحمى نشبه
رضاه للطّالي جدواه ثمّ على ... ما تحتوي يده من ماله غضبه
فكتبت أنا إليه أشكره:
أغصن قدٍّ أقلّت بانه كثبه ... أم درّ ثغر حبيبٍ زانه شنبه
أم روض حزنٍ جديد النبت قد نسمت ... فيه أقاحيه لما أن بكت سحبه
أم جانب الأفق قد دجّت حنادسه ... للعين لمّا ازدهت في لمعها شهبه
أم نبت فكرٍ جلاها لي أخو أدبٍ ... خطابه زان جيد الدّهر أو خطبه
قريضه تعرفّ الأسماع جوهره ... فتنتقي حليها منه وتنتخبه
فلو همى الشعر قطراً قبله لغدا ... يروي الربا منه هامي الغيث منسكبه
ونثره لم يداخل مسمعي أحدٍ ... إلاّ ورنّح منه عطفه طربه
وخطّه مثل صدغ زرّقته يد ال ... حسن البديع وقاني الخدّ ملتهبه
لوصفه شهدة بالحسن قد شهدت ... وقد تبّرأ من ياقوته نسبه
ولابن مقلة عين ما رأت حسناً ... هذا ولو عاينته ما انقضى عجبه
هذا هو البدر لا النجم البصيص فقد ... مدّت على ابن هلالٍ في العلا طنبه
جزاك ربّك بدر الدين خير جزاً ... عن امرىء لم يطل نحو العلا سببه
بالغت في مدحه فالله يجعله ... كما تقول لتعلو في الورى رتبه
وكتبت أنا إليه ملغزاً في ضبع:
أيّها الفاضل الذي من يجاريه ... تقوّى في ما ادعى وتقوّل
والّذي من أراد يبصر قسّاً ... فعليه دون البريّة عوّل
هات، قل لي بالله ما حيوانٌ ... ثابت الخلق قطّ لا يتحوّل
عينه إن قلعتها يتبدّى ... حيواناً غير الذي كان أوّل
فكتب هو إلي الجواب عن ذلك:
يا إماماً طال الورى بمعانٍ ... في المعالي يغوث من قد تطوّل
وإذا أعضل السؤال فما زا ... ل عليه في المعضلات المعوّل
إنّ زهراً أهديته غضّ عنه ... طرفه واستحال زهر المحوّل
حين ألغزت في معمّىً هداني ... نحوه الفكر حين سوّى وسوّل
حيوانٌ إن صيّروا رأسه العين ... رأوه إلى الجماد تحوّل
فابق واسلم تفيد علماً وجوداً ... فيهما ليس لامرىء متأوّل
وكتبت أنا إليه وقد جاءته بنت:
تهنّ بها وإن جاءتك أنثى ... لأنّ الشمس بازغة الجمال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
ولو كان النساء كمن أتانا ... لفضلت النساء على الرجال
فكتب هو الجواب إلي:
أتاني من هنائك يا رئيساً ... تتيه به المعاني والمعالي
ومن آثار جودك ما أراني ... حياً أهدته لي ريح الشمال
وكم أقرأتني وقريت فضلاً ... يفوت الحصر من أدبٍ ومال
وكتبت أنا إليه، وقد أهديت إليه أبلوجة سكر وكنت قبلها قد أهديت إليه قليل قطر:
أبلوجة بعثتها ... محبةً لك عندي
في اللون والكون أضحت ... تخالها نهد هند
فكتب الجواب إلي عن ذلك:
يقبل الأرض وينهي وصول صدقته الجاريه، وهديته التي جاءت بين الحسن والإحسان متهاديه، وهنديته التي قام نهدها مقام ثغر الغانيه، وأشرقت الأرض بنور وجهها من كل ناحيه، نهد أبرزه الصدر، وشهد ما تجرعت دون اجتناء حلاوته من إبر النحل مرارة الصبر، وهرم أكسب رونق الشباب وجه الدهر، ووجه طبع على دائرته ليلة تمامه البدر، فقابل الملوك تلك المنحة بدعائه وشكره المفرط وثنائه، ومدحه الذي تتدرج شواهد وده الصادق في أثنائه وتذكر بها ما مضى، شكر يد الكريم الذي استأنف إحسانه السابق وما انقضى، فذكر بنضار القطر السائل ولجين هذا الماء القائم، قول القائل:
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ ... سال النضار بها وقام الماء
وكتب هو إلي:
يا ماجداً لم يزل نداه ... أولى بتقريظ كلّ متن
ومن غدا بالصفاء يكنى ... وودّنا عنه ليس نكني
نحن افتراقاً بنات نعش ... في ظلمة الهمّ والتمنّي
فسر إلينا نكن ثرّيا ... وادخل إلينا بغير إذن
ولا تدعنا نئنّ شوقاً ... ولا تقل للرسول إنّي
فكتبت أنا الجواب عن ذلك:
أبياتك الغرّ قد أتتني ... فشرّفتني وشنفّتني
شعرك فيها ظريف لفظٍ ... لطيف معنىً خفيف وزن
قد أثقلت كاهلي بشكرٍ ... فكلّ متني إذ كلّمتني
فإن أفز بالمثول فيكم ... فإنه غاية التمنّي
وإن تخلّفت عن حماكم ... يا طول دقّي في الجرن حزني
وكتب هو إلي وقد توالت الأمطار والثلوج في العشر الآواخر من رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة: كيف مولانا ألحف الله ظله، وأرشف طله ووبله، وحمل على أعناق الأيام كله، وجعل مثله السحاب الجود ولا أعرف مثله، وضاهى برزقه هذا الغيث الواقع على خلاف القياس كله، فإن هذا اليوم قد عزز الصّنى والصنبر وعجز الصبر وعزى سكان الأجداث بالأحياء فكل بيت قبر:
يومٌ كأن سماءه ... حجبت بأجنحة الفواخت
جاء الطوفان والبحر المحيط، وجاب الصخر بوادي الربوة دم سيله العبيط، وجال في وجه البسيطة حياؤه فما انبسطت الخواطر بجوهره البسيط، أخفت النجوم في ليله، واطلع الحي القيوم على زنته الراجحة وكيله، وتراكمت سحبه الساترة فضاء الأفق بفضل ذيله، وأجلب على الوهاد والربا برجله الطامة وخيله، فكأنما وهت عرى ذلك الزمهرير فهبط، أو هيض جناح السحاب الجون فسقط، أو حل سلك النحوم الزاهر ففرط جوهر ذلك القطر لما انفرط، فالجدران لهيبته مطرقة، والعمران قد